1441: نزع لأسلحة الدمار أم قرار بالحرب

0 392

توضح القراءة الفاحصة لبنود القرار 1441 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بشأن نزع أسلحة الدمار الشامل عن العراق، وإخضاع هذه القراءة لميثاق الأمم المتحدة، وحق الدول في ممارسة السيادة على أراضيها، دون شك أو لبس أن المواد التي وردت فيه تشكل خرقا فاضحا بكل المقاييس لمعايير الإستقلال والسيادة. وأنه في حقيقته ليس مجرد تهديد بالحرب، بل يتعدى ذلك بكثير ليصل حد المباشرة العملية في احتلال العراق، ليس بالتلويح باستخدام القوة، ولكن باستخدامها واقعا.. دون إعلان.

 

إن القرار الجديد صيغ بطريقة تجعل من الإلتزام الكامل به من قبل الحكومة العراقية تسليما باحتلال أمريكي مباشر للبلاد تحت علم الأمم المتحدة وباسم مجلس الأمن الدولي. فقد وضع القرار الجديد جدولا زمنيا ينتهي بـ 15 أسبوعا للحكم النهائي بما إذا كان العراق يقوم بتطوير أسلحة تدمير شامل أم لا. ومع أن القرار لا يتحدث عن استخدام تلقائي للقوة، فإنه لا يشير بوضوح إلى عدم مشروعية قيام أي طرف منفرد بالحرب، حال استنتاجه أن العراق لم يف بالتزاماته. والإدارة الأمريكية لا تخفي نواياها في أنها لن تنتظر موافقة الأمم المتحدة على القيام بإجراء عسكري في حالة اقتناعها بأن بغداد تعرقل عمل لجان التفتيش عن الأسلحة. وهكذا يترك القرار للخصم، مع معرفة نواياه المبيتة، إصدار الحكم القضائي عن مدى التزام خصمه من عدمه بالإلتزامات المفروضة عليه، وتنفيذ العقوبات الرادعة التي تتناسب مع جموحه نحو العدوان واستخدام القوة.

 

وديباجة القرار ذاتها تفضح تلك النوايا، فهي مليئة بعبارات الإدانة، والمفردات النابية، كمنح العراق فرصة أخيرة والتهديد بالعواقب الوخيمة، إضافة إلى وضع التزامات صارمة وقاسية على العراق يصعب الإمتثال لها، بضمنها أن يزود مجلس الأمن ولجان التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل والوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن في وقت لا يتعدى 30 يوما تقريرا دقيقاً شاملاً وكاملاً لبرامج تطوير الأسلحة الكيماوية والجرثومية والنووية، والصواريخ الباليستية والطائرات من دون طيار. بل وتتجاوز الإلتزامات المطلوبة ذلك، مؤكدة على أن يتضمن التقرير أنظمة الرش المصممة للإستخدام الجوي، وكل ما في حيازته منها، والمواقع المحددة للأسلحة والمكونات وأجزاء المكونات ومخزون العناصر التي تستخدم في انتاجها، والمواد والمعدات ذات الصلة، ومواقع وعمل منشآت الأبحاث والتطوير والإنتاج، إضافة إلى كل البرامج الكيماوية والجرثومية والنووية الأخرى، بما في ذلك أي برامج لا علاقة لها بانتاج الأسلحة أو موادها. وكثير من هذه الطلبات ليس لها صلة بالشأن العسكري أو نزع أسلحة الدمار الشامل.

 

وبنبرة تهديد واضحة، قابلة لتأويلات مختلفة، يقرر المجلس أيضا، أن أية معلومات كاذبة، أو إغفال في التقارير المقدمة من العراق وفقاً لهذا القرار، وإخفاقه في أي وقت في الإمتنال والتعاون مع لجان التفتيش بشكل كامل في التنفيذ، ستمثل انتهاكا جوهرياً آخر لالتزامات العراق يُبلغ به مجلس الأمن لتقويمه.

 

ومن أجل تنفيذ القرار المذكور، فإن على العراق السماح للجان التفتيش عن الأسلحة والوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول الفوري وغير المشروط وغير المقيّد إلى أي مواقع ومنشآت ومبان ومعدات وسجلات ووسائل نقل ترغب في تفتيشها، بما فيها الموجودة تحت الارض، وتمكينها من الوصول الفوري، ودون إعاقة أو تقييد وعلى انفراد إلى كل المسؤولين وغيرهم من الأشخاص الذين ترغب في مقابلتهم بالطريقة أو المكان الذي تختاره طبقاً لأي جانب من المهمات الموكلة اليها. ولهذه اللجان الحق في ان تُزوّد من قبل العراق بأسماء كل الموظفين المرتبطين في الوقت الحاضر وسابقاً ببرامج الأسلحة الكيماوية والجرثومية والنووية والصواريخ الباليستية وما يرتبط بها من منشآت أبحاث وتطوير وإنتاج. وأنه يمكن للجان التفتيش أن تجري وفق ما تراه وحدها مناسباً مقابلات داخل العراق أو خارجه مع علماء ومسؤولين عن برامج التسلح، ويمكن ان تسهّل سفر أولئك الذين تجري مقابلتهم وأفراد عائلاتهم إلى خارج العراقً، من دون حضور مراقبين عن الحكومة العراقية.

 

نحن هنا إزاء تدخل سافر ومباشر في الشؤون الداخلية لدولة مستقلة وعضو في الأسرة الدولية، يباح هتك أراضيها وسيادتها ووحدة أراضيها وإلقاء القبض على مواطنيها وترحيلهم إلى الخارج تحت ذريعة الإستجواب والتحقق من وجود أسلحة دمار شامل، ويجد الفرد المستجوب نفسه بين نارين أحلاهما مر. إما القبول بالجزرة التي تعرضها عليه الإدارة الأمريكية وخيانة وطنه، أو مواجهة العصى الغليظةواحتمال الترحيل إلى سجون مشابهة لتلك التي أقيمت في جوانتنامو تحت ذريعة ارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية.. وكلاهما سيء للغاية على أية حال.

 

إضافة إلى ذلك، تحدد لجان التفتيش عن الأسلحة والوكالة الدولية للطاقة الذرية تركيبة فرق التفتيش التابعة لهما. ويتمتع موظفو تلك اللجان بحقوق مطلقة للدخول إلى العراق والخروج منه، والحق في التحرك بحرية ومن دون قيود وبشكل فوري من وإلى المواقع التي تخضع للتفتيش، وتفتيش أي مواقع ومبان، بما في ذلك إمكان الوصول فوراً ومن دون إعاقة أو قيود أو شروط إلى (المواقع الرئاسية) على نحو مماثل لهذا الحق في غيرها من المواقع. ويتم ضمان أمن منشآت لجنة التفتيش عن الأسلحة والوكالة الدولية للطاقة الذرية بواسطة عدد كاف من حراس الأمن التابعين للامم المتحدة. وتملك هذه اللجان الحق في أن تعلن، لأغراض تتعلق بعزل أي موقع يخضع للتفتيش، مناطق محظورة، من ضمنها مناطق محيطة بالموقع وممرات عبور، يوقف فيها العراق الحركة براً وجواً كي لا يجري تغيير أي شيء داخل الموقع الذي يخضع للتفتيش أو تنقل منه أية مواد. وسيتاح لها من دون قيود حرية استخدام الطائرات ذات الأجنحة الثابتة والمروحية، بما في ذلك طائرات استطلاع من دون طيار.

 

والنص هنا واضح، إنه يقول صراحة أن من حق لجان التفتيش فرض منع التجول في البلاد، ويستتبع ذلك بالتأكيد وجود قوة عسكرية قادرة على تنفيذ ذلك، تحت مسميات الحراسة، أو أي مسميات أخرى قد تبرز في مراحل لاحقة. ومن الصعب أن يقتنع أي مراقب موضوعي أن لمثل هذا السلوك معنى غير الإحتلال المباشر. فالذي يستطيع فرض حظر تجول في بلد ما لا بد وأن يملك من القوة العسكرية ما يجعله قادرا على فرض هيمنته في تلك البلاد.

 

وبموجب القرار أيضا، يحق للجان التفتيش وفقاً لما تراه وحدها مناسباً، أن تنقل أو تدمر أو تبطل، على نحو يمكن التوثق منه، كل الأسلحة المحظورة والمنظومات التابعة والمكونات والسجلات والمواد والمعدات الاخرى ذات الصلة، والحق في مصادرة أو إغلاق أية منشآت أو معدات لإنتاج هذه الأسلحة. ويحق لها أيضا، أن تستورد وتستخدم بحرية معدات أو مواد لعمليات التفتيش، وأن تصادر وتصدّر أي معدات أو مواد أو وثائق تؤخذ خلال عمليات التفتيش، من دون تفتيش عراقي لموظفي اللجان او أمتعتهم الرسمية أو الشخصية.

 

وليس للحكومة العراقية إلا أن تمتثل لهذه البنود الإستفزازية، وإذا ما عبر أحد ما من المسؤولين العراقين عن امتعاضه، فإن ذلك سوف يدخل مباشرة في لائحة اتهام العراق بالإمتناع عن تنفيذ بالتزاماته أو التهديد بأعمال عدوانية موجهة ضد ممثلي مجلس الأمن وموظفيه اثناء تأدية عملهم لتنفيذ قرار المجلس.

 

ويطلب القرار من الدول الأعضاء أن تـقدم الدعم الكامل للجان التفتيـش في تنفيذهما للمهام الموكلة لها، بما في ذلك تقديم أي معلومات تتعلق ببرامج محظورة أو جوانب أخرى ذات علاقة، بضمنها محاولات العراق الحصول على مواد محظورة، ويحق لها تقديم اقتراحات بشأن تفتيش مواقع وإجراء مقابلات مع أشخاص، وأن تقدم تقارير بنتائجها إلى المجلس من قبل لجان التفتيش، وأن يلتئم مجلس الأمن فورا حال تسلّمه أي تقرير من هذه اللجان لدراسة الوضع واتخاذ التدايير اللازمة من اجل استعادة السلام والأمن الدوليين.

ليست هناك حاجة ملحة للتحليل وللتعليق على هذا القرار، فإلإناء ناضح بما فيه.

لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه علينا بقوة، أمام الصمت العربي المريع، هو ماذا يعني القبول الرسمي العربي بهذا القرار؟ أهو إعلان لموت النظام العربي الذي بدأ في التشكل مع بداية الخمسينيات، ونهاية لكل المواثيق التي وقع عليها القادة العرب، بما في ذلك ميثاق الدفاع العربي المشترك وجامعة الدول العربية?، أم أننا بصدد انتظار مناخ جديد.. ربما إعصار من نوع آخر?!!.

 

yousifsite2020@gmail.com

 

 

 

 

 

تاريخ الماده:- 2002-11-28

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تسعة − ثلاثة =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي