نقد الأدبيات المعاصرة لصناعة القرار

2

​​​​​​​د. يوسف مكي
الحديث عن صناعة القرار يحمل معنى متضمنا هو القدرة على الإختيار بين بدائل، على ضوء تقدير للمكاسب والمخاطر، وإمكانية التنفيذ. ويهتم الباحثون بصنع القرار، بدراسة التحولات السياسية وديناميكيتها وأدواتها. إن أي دراسة نموذجية لصنع القرار، ينبغي أن تهتم بالحقائق الذاتية والمحيطة والخارجية المختلفة، التي تؤثر على عملية اتخاذ القرار، وما ينجم عنه من نتائج. والأهم هو تقرير ما إذا كانت سيرورات مختلفة لصنع القرار، تؤدي الى نتائج مختلفة، وما إذا كان وجود منظومة من الشروط والأفراد والمنظمات، تفضي إلى تبني سياسات مختلفة.
لقد برزت عدة مناهج لدراسة صنع القرار، لعل الأبرز بينها، المنهج الوصفي، وهو الأقدم تاريخيا. حيث يشبه صناع القرار بممثلين، يؤدون أدوارهم، في سياق ظرفي معقد يجبرهم على تحديد أهدافهم، ومن ثم العمل على تحقيقها. وفي هذا المنهج يتركز الإهتمام على فحص وتحليل العملية الوصفية ذاتها.
المنهج الأخر، النموذج العقلاني الشمولي، ويقترح تحليل الأساليب والغايات لصياغة أي سياسة. ونقطة الإنطلاق فيه، تتمثل في إقصاء الغايات جانبا، فتصبح معالجة الوسائل بؤرة الإهتمام, وهكذا فإن السياسة الجيدة، تتميز بامتلاكها الوسائل الأفضل ملائمة، لتحقيق غايات منشودة. أما في اختيار الغايات فينبغي أن تتم عن طريق تحقيق شامل لكل وجه من الوجوه الدالة عليها.
ويؤكد المنهج العقلاني، في صناعة القرار، على أن الوقائع ذات الأهمية، تنبع من أسباب مهمة أيضا. وفي أي قرار يتعلق بسياسة خارجية ما، لابد من الوقوف على الخلفية التي أدت لتبنيه، ومن ثم النفاذ إلى مغزاه. فعندما تختار أي دولة فعل من الأفعال، فإنها تفعل ذلك استنادا إلى حسابات دقيقة، وعادة ما يكون ذلك في مواجهة عقبة استراتيجية تواجهها الدولة ذاتها.
إن الحكومات كمنظمات كبيرة، تخصع لمجموعة كبيرة من القوانين والإجراءات. وعلى الرغم من أن المنظمات تتغير، إلا أن الملاحظ بشكل عام، ميلها للمحافظة على تقاليد وتوجهات محددة تقلل من مستويات الإضطراب والمخاطر في أوساطها. وضمن هذا التصور، فإن صنع القرار هو ثمرة مفاوضات وتسويات داخل وحدة صنع القرار.
تأخذ عملية صنع القرار، الأهداف البعيدة في اعتبارها. وفيها تبرز صورتا الذات والهدف، وأيضا، دور الفاعلين الآخرين، ذوي العلاقة بالأزمة في صياغة أهداف الإستراتيجية. ومن الضروري، وعي تأثير بعض العناصر البيروقراطية، وانعكاسات ظروف السياسة الداخلية والدولية، التي تؤثر في العملية المشار لها، عند صنع القرار. على أن التحول من هدف إلى أخر، أمر وارد على الدوام، ويحدث ذلك عندما تطرأ تغيرات على الوقائع السياسية السائدة، تأخذ شكل التهديد، أو الفرص المواتية لصناع القرار. كما يمكن أن يحدث هذا التحول عند دخول قوى فاعلة جديدة على ساحة الفعل.
في الدول النامية، تتفاوت عملية صنع القرار حسب عدد المشاركين، وما يتمتع به كل منهم من نفوذ نسبي واعتماد على نمط الحكم السياسي السائد، ووفقا لنوعية القضايا المطروحة. ومع ذلك فإن هذه التفاوتات لا تؤثر على النمط العام لصنع القرار، ذلك أن هذا محكوم على نحو نمطي بالقوة التنفيذية المرتبطة بالزعيم أو من هم في دائرته الضيقة.
وفيما يتعلق بالصراع فإنه عادة ما يكون وليد تجزئة العمل السياسي إلى وحدات غير مستوفية التشكل، أو ذات صفة اقتصادية تأخذ شكلا قبليا أو عرقيا أو دينيا أو طبقيا. أما ما يسعر هذا الصراع ويسهم في تشكيله فهو التدخل الاستعماري من جهة، والفقر المتفاقم الناجم عن نقص الموارد من جهة أخرى، ثم ما يستتبع ذلك من صراع دائم بين الجماعات الداخلية والخارجية المختلفة للاستيلاء على هذه الموارد,
ومع الإقرار بأهمية هذه المراجع إلا أن التقويم المتأني لغالبية الدراسات المعاصرة المتعلقة بصنع القرار، يكشف لنا أنها تختص بأنظمة سياسية مؤسساتية، يمكن من خلالها رصد وقياس القوى الفاعلة أو المؤثرة في صناعة القرار. كما أن هذه الدراسات لا تقود الى معرفة دقيقة بصناع القرار أنفسهم. ويلاحظ أن معظم الدراسات الغربية التي تعاملت مع مكونات وكيفية صنع القرار تعاملت مع حالات كان فيها أمام الباحثين مدونات تاريخية متعلقة بالوقائع رهن الدراسة. ويلاحظ أن أدبيات صنع القرار، حتى مرحلة السبعينيات من القرن الماضي، تعاملت مع أزمات دولية، كالحرب الكورية، وأزمة الصواريخ الكوبية، والحرب الأمريكية في الهند الصينية، ولم تتناول قضايا اقتصادية أو اجتماعية محلية.
وحتى دراسات صنع القرار، التي تناولت الحربين العالميتين، لم تناقشا جوهر الأزمات، وأسباب تلك الحروب، بقدر ما اهتمت بجوانب وصفية، خارج دائرة التحليل، تناولت شخصيات وسلوك الفاعلين في تلك الحروب، ولم تتناول القضايا الاستراتيجية.
وما يجعل أدبيات صنع القرار، بالطريقة التي تمت فيها، غير صالحة لتكون مرشدا لقراءة الأزمات التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية، أنها صيغت للتعامل مع مجتمعات صناعية ومتقدمة، ولم تتعامل مع بلدان العالم الثالث، حيث تنعدم، من جهة السجلات والمدونات اللازمة لبحث آليات صنع القرار، في معظم الدول العربية، ومن جهة أخرى، تغيب المشاركة السياسية، والمؤسسات المعبرة عنها، بما يجعل صناعة القرار فيها حكرا للبناء الفوقي في الدولة. وعلى هذا الأساس، لا تساعد تلك الأدبيات في فهم كيفية صنع القرار في البلدان النامية.

التعليقات مغلقة.

د.يوسف مكي