نظام عالمي جديد يتشكّل

0 368

في القرن المنصرم، مر العالم بثلاثة منعطفات في ميزان القوة الدولي، الأول نتاج للحرب الكونية الأولى، ومحصلته تشكيل عصبة الأمم واعترافها بحق تقرير المصير، وسقوط السلطنة العثمانية، وانتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 في روسيا، وبزوغ قوى فتية جديدة .

 

ويصدق القول أيضاً، على النظام الذي انبثق بعد الحرب الكونية الثانية، إذ تراجع دور بريطانيا وفرنسا لمصلحة الإمبراطوريتين الأمريكية والسوفييتية . وقد تهاوى هذا النظام بسقوط حائط برلين، وانهيار الكتلة الاشتراكية، والاتحاد السوفييتي .

بعد أقل من ربع قرن على الهيمنة الأمريكية، تعود روسيا والصين بقوة إلى المسرح الدولي، ولتكون أحداث سوريا الدامية، فرصة سانحة للعمالقة الجدد، ليعبروا عن حضورهم على المسرح . والقضية كما بدت ليست التزاماً بمعايير القانون الدولي وأحكامه، قدر ما هي صراع إرادات، بين قوى تطمح إلى تأكيد حضورها وفاعليتها على المسرح . أما الآخرون، في العالم الثالث، فليسوا سوى بيادق تستخدم في لعبة بين عمالقة القوة، فوق أراض يتنافس اللاعبون على اكتسابها .

بدت ملامح أفول نظام الأحادية القطبية، مع التراجع الواضح للقوة الاقتصادية الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي باستثناء ألمانيا، وبروز العملاق الصيني اقتصادياً، والتعافي السريع لروسيا الاتحادية، بما دفع بصامويل هانتنغتون للحديث عن عالم متعدد الأقطاب، بقيادة أمريكية . وقد عبر هذا التراجع عن ذاته بأزمة الرهن العقاري الأمريكية التي لاتزال تلقي بظلالها على اقتصادات أمريكا وأوروبا، من خلال أزمات الديون السيادية الأوروبية وبشكل خاص في اليونان وإيطاليا والبرتغال، مهددة بانفراط عقد الاتحاد الأوروبي .

فالصين الشعبية، احتلت العام 2011 موقع ثاني أكبر اقتصادات العالم، وحققت معدلات نمو قدرها 10% . وراوحت تقديرات النمو في الهند بين 7 و9% . في حين حققت روسيا معدل نمو قدره 6% . ومن البديهي أن يصب التحسن في معدلات النمو الاقتصادي في هذه البلدان لمصلحة تعزيز عناصر قوتها الاستراتيجية والاقتصادية .

وعلى الصعيد العسكري، تأتي الصين عالمياً في الدرجة الثانية من الإنفاق على بناء جيشها ثم روسيا . وإذا ما أخذنا بالاعتبار القيمة الحقيقية لليوان الصيني والروبل الروسي داخل بلادهما، مقارنة بالدولار الأمريكي، داخل بلاده يتضح لنا ضخامة حجم إنفاق هذه البلدان على تطوير ترسانتها العسكرية .

القاعدة في التاريخ، هي توزع عناصر القوة بين الإمبراطوريات، حسب ثقلها السياسي والعسكري والاقتصادي، وأيضاً قدرتها على اكتساب أراضي الغير، بالاحتلال والقسر . وهذا القانون، هو جزء من قانون الحركة، وبموجبه تنكفئ قوة وتحل محلها أخرى . ولم يسبق أن تفردت قوة بعينها بمقادير الأمور فوق كوكبنا الأرضي . بمعنى آخر، إن الأحادية القطبية هي استثناء غير متسق مع نواميس الكون، ولذلك توقع كثيرون ألا تستمر هذه الحقبة طويلاً، لأن الذي يحكم العلاقات الدولية هو صراع الإرادات، وليس التفاهم والتراضي بالتوزيع العادل للثروات .

وتتالت الأحداث، مؤكدة صحة هذه المنطلقات، فالقوة الجديدة، تصرفت بنشوة وقسوة غير معهودة، فرضت هيمنتها على الجميع، بما في ذلك هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، حيث تحولت هذه المؤسسات إلى أذرع في خدمة المصالح والسياسات الأمريكية .

برزت بوادر التمرد على الهيمنة الأمريكية، بشكل جلي عند عرض إدارة الرئيس بوش مشروعاً أمام مجلس الأمن الدولي، يجيز استخدام القوة العسكرية بحق العراق، لنزع أسلحة الدمار الشامل من ترسانته العسكرية . بمعنى إعطاء الضوء الأخضر، من قبل مجلس الأمن، لاحتلال العراق . واعترضت فرنسا على ذلك، وناصرتها ألمانيا في موقفها . وهدد المندوب الفرنسي باستخدام حق النقض، للحيلولة دون صدور قرار دولي يسمح بالعدوان على العراق . وقد دفع هذا الموقف، المدعوم بتأييد روسي وصيني، بالإدارة الأمريكية وحلفائها، إلى التصرّف خارج مجلس الأمن . لكن ذلك أكد الاقتراب من نهاية حقبة الهيمنة الأمريكية على المؤسسات الدولية، وبروز قوى قادرة على صياغة سياساتها الخاصة، بمعزل عن هيمنة الأحادية القطبية .

ولا شك، أن فشل أمريكا في القضاء على المقاومة العراقية وحركة طالبان، واستنزاف خزينتها، لمقابلة استحقاقات الوجود العسكري في البلدين، أسهم في تراجع قوتها الاقتصادية والسياسية، وحيّدها عسكرياً، بما دفع بعسكريين أمريكيين إلى التحذير من مخاطر انشغال القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان على الأمن القومي الأمريكي، وأن أمريكا لن يكون بمقدورها التصدي، لأي تهديد عسكري حقيقي لمصالحها بسبب غرق معظم قواتها في القتال بالبلدين .

كما أن الصعود الكاسح للمنتجات الصينية، ورخص أسعارها، مقارنة بالأسعار الأمريكية، أسهم في تراجع الصادرات الأمريكية، ومنح الإدارة الفيدرالية لقب أكبر دولة مثقلة بالديون في التاريخ الإنساني، حيث تجاوزت ما يزيد على التريليونين من الدولارات . وكان الحل الأمريكي، لهذه الأزمة، تقوية النفوذ الصيني، بتمكينه من شراء نسبة كبيرة من السندات الأمريكية، واقتراض مئات المليارات من الدولارات من مدخراته لتعويض النقص في الخزينة الأمريكية . وبالقدر الذي تنمو فيه قوة الصين الاقتصادية والسياسية، تتراجع القوة الأمريكية .

وقد أضاف نجاح برامج بوتين، لإنعاش الاقتصاد، واستعادة القوة العسكرية والسياسية لروسيا الاتحادية، مسماراً آخر، في نعش الأحادية القطبية . وكانت تعهدات الرئيس، باراك أوباما في خطاب التنصيب، بعد أدائه القسم، بإعادة الاعتبار إلى المؤسسات الأممية، وعدم الخروج على الشرعية الدولية، قد شكلت اعترافاً أمريكياً صريحاً بتراجع النفوذ والقوة الأمريكيتين في العالم .

وهكذا، فحين تقرر التدخل الدولي في ليبيا لإسقاط نظام القذافي، لم يتم التدخل بقيادة أمريكية، بل بقيادة الناتو، وبحضور قوي فرنسي وإيطالي وأوروبي، ليعكس حقائق القوة في الخريطة الدولية الجديدة، ولتتوزع مناطق النفوذ في ليبيا، بين القوى التي قادت الحرب، وليس للأمريكيين فقط، كما حدث سابقاً إثر احتلال العراق وأفغانستان .

الاستخدام الروسي الصيني الفيتو المزدوج ثلاث مرات بمجلس الأمن، لمنع صدور قرار يجيز تطبيق الفصل السابع بحق سوريا، ووجود الأساطيل الروسية والأمريكية، في البحر الأبيض المتوسط، قبالة طرطوس، والتهديد الروسي بإمكانية اشتعال حرب عالمية ثالثة، مؤشرات، تؤكد أن نظاماً عالمياً جديداً يتشكّل الآن، ولن يطول بنا انتظار توضّح معالمه وتفاصيله .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة + تسعة عشر =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي