نحو تصليب الأمن القومي العربي

0 465

قد يجادل البعض، أننا نمارس نهجا عدميا، حين ندعو إلى تصليب الأمن القومي العربي، في وقت تسود فيه الفوضى، أنحاء الوطن العربي، في معظم ضفافه. وحيث تسود الصراعات والتجاذبات بين شعوبه، وتستعر الحروب الأهلية في بعض من أقطاره. لقد بلغ الأمر من السوء، في الواقع العربي،

حد اختزال طموحاتنا الكبيرة، في مجتمع موحد، إلى الحق في الحياة.

 

واقع الحال، أن الصراعات التي يشهدها الوطن العربي، لم تكن من غير مقدمات. فقد بدا واضحا منذ عقدة عقود، أن المنطقة مرشحة لانفجارات وأعاصير. وكان عجز العرب جميعا، عن الإصاخة لصيحات أطفال فلسطين، في صبرا وشاتيلا، وهم يذبحون تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي، تجسيد عملي لعجز العرب، عن مواجهة العدوان.

وخلال العقود الأخيرة، مرة الأمة العربية ببراكين كبيرة، لعل احتلال بلاد الرافدين، أهم معلم من معالمها. تفشت أنظمة الفساد والاستبداد، وتضاعفت معدلات البطالة، واستفحلت الأمية، بشكل كبير، في عدد من البلدان العربية، يقابل ذلك تضخم يتزايد كل عام، وتضاعف ملحوظ في أعداد السكان، وشحة في المسكن والمستشفيات والمدارس.

لقد انشغلت الدول العربية، بمشكلاتها الخاصة، وأدى ذلك لانعدام الحد الأدنى من التنسيق بينها. فكان أن تراجع العمل العربي المشترك، إلى أدنى حالاته. لكن هذه النتائج المأساوية، هي بسبب غياب اللحمة الوطنية والقومية بين البلدان العربية. والوحدة في هذا السياق هي الحل، ليس فقط لأنها تحقق حالة من التراكم الميداني بالواقع العربي، ولكن لأن أثرها نوعي، في الارتقاء بالأمة. وليس صحيحا في هذه المعادلة، أن ما ينتج عن التضامن، هو حاصل جمع قدرات الدول العربية، بعضها مع بعض، بل هو الناتج العملي لتفاعل هذه القدرات.

لقد خاض العرب كفاحهم ضد سلطان الاستبداد العثماني، تحت سقف واحد، وبأرضية مشتركة، على أمل أن ينجزوا استقلالهم، ويشيدوا الدولة الحديثة. نتائج الحرب الكونية الأولى، وما تبعها، من احتلال البريطانيين والفرنسيين، والبريطانيين، للعراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين، كشفت حقائق جديدة. فقد وجد العرب أنفسهم يصارعون الاستعمار الأوروبي، بأرضيات واستراتجيات مختلفة. لقد امتشق كل بلد عربي على حده، سلاحه لتحقيق الاستقلال، وبدت أولوية كل بلد في التخلص من الاحتلال الذي يواجهه، دون التنبه إلى مخاطر غياب التنسيق مع أشقائه في البلدان العربية الأخرى.

حصلت البلدان العربية على استقلالها السياسي، وفقا لحدود القسمة بين المنتصرين في الحرب الكونية الأولى، ولم يكن لتلك الحدود علاقة بحقائق الجغرافيا والتاريخ، ولا بإرادة سكان البلاد الأصليين. لكن ذلك بات أمرا واقعا، ومعترفا به من قبل الأسرة الدولية، كما بات مسلما به من قبل السكان الأصليين. وعلى قاعدته تأسس النظام العربي الرسمي، ممثلا في جامعة الدول العربية.

قبل الجميع عنوة أو بالرضي بالدولة في الحدود التي رسمت من قبل الخارج، ككيانات وطنية مستقلة، كاملة السيادة. لكن الشعور الجمعي بالانتماء للأمة، بقي حيا، لم يضعف ولم يتزحزح. وكشفت المعارك القومية والوطنية، والاعتداءات الصهيونية، المتكررة على الأمة عن انتماء قومي أصيل للشعب العربي. وخاصة في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وتأسيس جامعة الدول العربية.

وكان ذلك قوة دفع للقيادات السياسية العربية، لتعزيز ميثاق الجامعة، بإضافة برتوكولات ومعاهدات ومواثيق جديدة، بهدف الدفع بالتكامل الاقتصادي العربي، وحماية الأمن القومي العربي من الاختراق. وكان الموقف الموحد، من المشروع الصهيوني، عامل تصليب وتمتين وصيانة للموقف العربي.

مع اعتماد سياسات جديدة، للتعامل مع الكيان الصهيوني، في المرحلة التي أعقبت حرب أكتوبر عام 1973م، من اعتباره صراع وجود إلى نزاع على الحدود، تغير مفهوم الأمن القومي العربي، حيث باتت بلدانا عربية خارج دائرة الصراع مع الصهاينة، وبالتالي، خارج منظومة العمل العربي، وتشعباته الرئيسية، ومن ضمنها الأمن القومي العربي ذاته.

أكدت الحوادث اللاحقة، أن التخلي عن العروبة، هو المقدمة اللازمة للتخلي عن التضامن العربي، وأن متواليات التجزئة تجر إلى ما هو أدني منها، في متتاليات لا يشي الواقع العربي الحالي، أن لها نهاية. لذلك تبدو العودة إلى الجذور، حتى وإن بدت من وجهة نظر البعض عدمية، طوق النجاة، في مواجهة الاستنفار الطائفي. وإذا كان العمل العربي المشترك، قد حافظ على الأمة، على الأقل في المنظور النفسي والثقافي، فإن الطائفية، هي مصادرة للأوطان، وتنكر للهوية التي صنعت تاريخ هذه الأمة، منذ فجر التاريخ.

إن المهمة الملحة الراهنة للقيادات العربية، هي مواجهة الإرهاب. لكن الحرب على الإرهاب، لكي تكون حاسمة، بحاجة إلى بوصلة وحاضنة فكرية، قادرة على الجمع بين العرب، والارتقاء بهم فكريا ونفسيا وعمليا، في الواحة الأرحب والأوسع، واحة اللغة والتاريخ والجغرافيا المشتركة.

صحيح أن التحولات التاريخية، محكومة بقانون التراكم، لكن لحظة التحول ذاتها، كما التحولات الكبرى في التاريخ، بطبيعتها نوعية، تأتي في شكل مفاجآت يصعب التنبؤ بها. لكنها في كل الأحوال، من صنع التاريخ. وهي لحظات هزيمة قوى غير تاريخية ونخرة، قوى تجاوزها العصر، بتحولاته ومنجزاته.

مرحلة جديدة بدأت بالتبلور، معلمها تحولات علمية واسعة، وانبثاق نظام دولي جديد، ستكون له إسقاطاته على طبيعة التحالفات الدولية والإقليمية. ولن يغفر لنا التاريخ، إن غفلنا عن اقتناص هذه اللحظة، فهيأنا السبل لأخذ مكاننا اللائق بين الأمم. وأولى المهام المطلوبة لتوفير عناصر القوة، تصليب كالأمن القومي العربي الجماعي، وتفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك، والتكامل الاقتصادي العربي. فتلك هي سبل الخروج من النفق الراهن، وكسب الحرب، في مواجهة الإرهاب ونزعات التطرف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة × 1 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي