ماذا يجري بالمنطقة الآن: محاولة للفهم

0 190

 

فجأة وبدون مقدمات، بدا وكأن المنطقة بأسرها على موعد مع مشاهد استقرار وأمن وسلام، لم تعد معهودة، منذ وصول الإدارة الأمريكية الحالية للحكم قبل ما يقرب من الثمان سنوات. ففي لبنان تم تتويج اتفاق الدوحة بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، وترشيح السيد فؤاد السنيورة لرئاسة حكومة وحدة وطنية، ينتظر الإفصاح عن تركيبتها في أية لحظة. وفي اليمن أعلنت حكومتها عن اقتراب الحسم العسكري مع تمرد الحوثييين في منطقة صعدة. وفي قطاع غزة يستمر الكلام عن هدنة بين الصهاينة والمقاومين الفلسطينيين، تحت ذريعة معالجة الأوضاع الاقتصادية المتردية للمواطنين الذين بقوا طويلا تحت الحصار الإسرائيلي, وفي العراق، هناك حديث عن عفو من قبل حكومة نوري المالكي المعينة من قبل الأمريكيين، عن المسلحين العراقيين، مقابل إيقاف مقاومتهم العسكرية ضد جنود الاحتلال. وبالمثل، اختفت لغة التهديد الأمريكي بقصف المواقع النووية في طهران، إذا لم تتعاون حكومتها مع السيد البرادعي، المسؤول من قبل هيئة الأمم المتحدة عن مراقبة البرامج النووية. وكان آخر التطورات في سياق التبشير بحالة استرخاء إقليمي قادمة هو الإعلان عن بدء مفاوضات غير مباشرة، في أنقرة بين الحكومة السورية والكيان الصهيوني، برعاية تركية.

 

إن التطورات المتلاحقة في المنطقة تشي بأن مشهدا سياسيا جديدا، مختلفا عن ذلك الذي عهدناه، في طريقه لأن يأخذ مكانه، وأن أبرز معالم هذا المشهد الجديد سيكون هو التهدئة، والتسكين لبعض الصراعات المحتدمة، وتخفيض إيقاعاتها، وتحويلها إلى خلافات جزئية، يمكن أن تكون طاولات المفاوضات أماكن مثالية لإيجاد حلول مناسبة لها.

 

فهل نحن مقدمون فعلا على موسم جديد، مختلف في أبجدياته وتركيبه، عن المشهد السابق؟. وإذا افترضنا أن ذلك صحيح، فإن أسئلة ملحة وجوهرية سوف تهاجمنا وتضغط علينا، كي نقدم أجوبة منطقية ومقبولة عن جدية هذه التحولات الدراماتيكية في السياسة الدولية والإقليمية.

 

أولى هذه الأسئلة ذات صلة مباشرة بالمشروع الأمريكي في المنطقة للقرن الواحد والعشرين. أين سيكون موقع النظام الإقليمي الذي بشرت به الإدارة الأمريكية الحالية، وحليفها الكيان الصهيوني، والمعروف بنظام الشرق الأوسط الكبير، أو الجديد. وهل تسير الإدارتان الآن بنفس الاتجاه، اتجاه تغيير النظام الإقليمي العربي، بآخر شرق أوسطي، ولكن بطريقة تفاوض مختلفة، لا يكون وقودها الحديد والنار؟ بمعنى آخر باللجوء إلى الاحتواء بدلا عن المجابهة العسكرية؟. وهذه الأسئلة رغم جوهريتها، ستطرح هي الأخرى أسئلة أخرى لن تقل أهمية وإلحاحا عن التي جرى طرحها. وفي مقدمتها التساؤل عن مصير الاحتلال الأمريكي للعراق، ومخاض الولادة الجديد… هل اكتمل هذا المخاض الجديد، وأصبحت الفوضى الخلاقة من فعل الماضي؟ أم أننا نتجه بالفعل إلى فوضى خلاقة من نوع آخر؟ نوع لا يكون في الاحتكام مباشرة إلى السلاح، وأننا فعلا أصبحنا نتجه إلى حالة من الاسترخاء، على الصعد الإقليمية على الأقل؟.

 

وإذا كان الأمر كذلك، وهو مجرد افتراض، فما هو مصير خطة أولمرت لإعلان الخارطة النهائية للكيان الصهيوني، والتي اعتبرت حرب يوليو في لبنان عام 2006، وإقامة الجدار العازل بالضفة، والمضي قدما في بناء المستوطنات اليهودية، وربما الصراع بين أطراف السلطة الفلسطينية، فتح بالضفة وحركة حماس بالقطاع مقدمات لها؟.

 

إن الإجابة على هذه الأسئلة لا تكفي فيها قراءة ما هو بارز على السطح.. إنها بحاجة إلى التأويل أكثر منها إلى التفسير… ذلك أن التفسير يتعامل مع ما هو مرئي من الحوادث والحقائق، أما التأويل فإنه يغوص في العمق، يحاول معرفة الأسباب الحقيقية من خلال تفكيك ما يبدو أنه أحجيات وطلاسم، يعمل للكشف عنها، ومعرفة كنهها كمقدمة لازمة للتأويل.

 

وأول ما ينبغي الإحاطة به هو أن الصراعات السياسية، لا تتكون في الغالب بسبب سوء فهم الأطراف الضالعة فيها لبعضها، وليست حاصل حواجز نفسية ينبغي كسرها، بل تعبير عن صراع إرادات ومصالح، تأخذ أشكالا مختلفة، وتستخدم فيها عدة وسائل، مباحة وغير مباحة. وتأخذ صيغة مفاوضات بين الأطراف المتنازعة، تكون مراحلها الدنيا، أحيانا الزيارات الماراثونية وطاولات المفاوضات، وحين تعجز لغة الكلام، يكون ارتطام الحديد وفوهات البنادق، وزئير الطائرات وقصف المدافع مساحات أخرى مفتوحة للتفاوض. ويتوقف هذا النوع من التفاوض، حين يسلم أحد الأطراف بغلبة الطرف الآخر عليه… فتكون القوة هي القانون، وتصبح هي ميزان العدل، في عالم لا يعترف إلا بسحرها. أو يتوصل الفرقاء إلى نتيجة يدرك كلهم فيها باستحالة الحسم العسكري، وأن الطريق المتبقي والمتاح هو طريق التفاوض السلمي.

 

في الأراضي التي احتلها الكيان الصهيوني، عام 1967، لا يبدو أن الكيان الصهيوني، في الواقع الميداني، قد توصل مكرها إلى نتيجة القبول بالتسليم بحقوق الفلسطينيين. بل إن الممارسات الإسرائيلية الحالية في الضفة الغربية بدءاً بسياسة هدم آلاف منازل المواطنين الفلسطينيين في المناطق التي صنفتها اتفاقيات أوسلو بالمناطق (ج) مروراً بالأمر العسكري رقم 378 والذي يحوِّل مدينة نابلس وخمس عشرة بلدة وقرية في محيطها إلى منطقة طوق أمني لتمرير مشروع عزل المحافظة عن مناطق الأغوار الفلسطينية وانتهاءً بعطاءات وزارة الإسكان الإسرائيلية لبناء وحدات استيطانية جديدة تقدمها هذه الحكومة هدية للمستوطنين في الذكرى الواحدة والأربعين لاحتلال مدينة القدس العربية، كلها تؤكد أن الكيان الصهيوني، ماض في سياسة التهويد والتوسع على حساب مصالح وحقوق الشعب الفلسطيني.

 

وعلى الجبهة السورية، ليس هناك احتكام إلى السلاح بين القيادة السورية والكيان الصهيوني. وكان المتوقع حتى وقت قريب، أن يجري تسخين هذه الجبهة، كبداية لفرض حقائق جديدة على الساحتين اللبنانية والفلسطينية. وبضمن تلك الحقائق تحييد الموقف السوري تجاه سلاح حزب الله في لبنان، وإنهاء أو تجميد التحالف الاستراتيجي السوري الإيراني، وإغلاق مكاتب حماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديموقراطية لتحرير فلسطين في دمشق، وإنهاء حالة الحرب مع الكيان الصهيوني، والمشاركة فيما تطلق عليه الإدارة الأمريكية بـ “الحرب على الإرهاب”. وذلك مقابل تسوية مشكلة الجولان المحتل، والاعتراف الأمريكي بشرعية النظام، وإزالة اسم سوريا من قائمة الدول المارقة.

 

كانت مقدمات التوجه الأمريكي الجديد، تجاه سوريا قد بدأ الإفصاح عنها عبر تصريح للرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر أثناء زيارته لسوريا عندما أعلن أن طريق السلام لا بد أن يمر عبر دمشق. وقد جاء هذا التصريح متماهيا مع تقرير بيكر- هاملتون حول الأوضاع في العراق، والذي أكد على أهمية الدور السوري في الخروج من المأزق العراقي واستقرار المنطقة. وقد جاءت هذه المقدمات جميعها، وسط تهديد أمريكي آخر بتوجيه ضربة عسكرية للمواقع السورية وإسقاط النظام، في عملية ابتزاز واضحة للنظام السوري لكي يقبل بالدخول في مفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين دون تلكؤ.

 

وهنا أيضا يبرز سؤال مهم آخر، لماذا تحدث هذه المفاوضات الآن؟ فمن جهة، يعرف الجميع أن الإدارة الأمريكية الحالية تلعب بالوقت الضائع. إن السعي من قبل الحزبين الجمهوري والديموقراطي للفوز بكرسي البيت الأبيض قد بدأ، وإن المعركة محتمدمة، ولم تتضح حتى الآن معالمها، وربما ننتظر لفترة أطول كي تتضح حظوظ المرشح للفوز بهذا الموقع. وستكون الفترة القادمة فترة انتظار. وربما يفسر ذلك جزئيا على الأقل أسباب غياب أي دور أمريكي بالمفاوضات الجارية حاليا، بين الصهاينة والسوريين بتركيا.

 

ومن جهة أخرى، فإن المفاوضات الإسرائيلية مع سوريا تحدث في مرحلة انتقال رئيسية بالحكم في تل أبيب. فهناك توقع كبير باستقالة أو خلع رئيس الوزراء الصهيوني أولمرت من منصبه، بعد فضيحة تسلمه ما يقرب من 150 ألف دولار من رجل الأعمال اليهودي الأمريكي تالانسكي، الذي أكد في التحقيقات، أنه دفع هذا المبلغ لأولمرت على مدى 15 عاما، وفي مظاريف يتسلمها باليد، فوفقا لاستطلاعات الرأي فإن ما يزيد على 70% من الإسرائيليين يطالبون أولمرت بالاستقالة.

 

لماذا إذن الآن؟ هذا السؤال مع جملة الأسئلة التي تصدرت هذا الحديث، وبالأخص ما يجري على قناة دمشق- تل أبيت والوساطة التركية ستكون حديثنا في الأسبوع القادم بإذن الله تعالى.

 

اضف تعليق

اسمك بريدك الالكتروني

 

تعليقك:

تعليقات

 

* تعليق #1 (ارسل بواسطة ماجد الخالدي)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أخشى أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة .. من يدري لعل هذا العام هو موعد ما يريده يبشر به حمقى هذا العالم من فوضى تسبق السلام العالمي من يدري المعطيات لا تبشر بخير والعياذ بالله من كل شرور كل الحمقى!

 

 

ارسل تعليق

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

18 − خمسة =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي