ماذا سيحمل لنا العام الجديد

0 426

الحياة قانونها التراكم، والتحولات التاريخية، لا وإن اتخذ مشهدها شكل الصدمة والطابع الدرامي، فإنها ليست معزولة عن تلك التراكمات. وقد جرت العادة أن ينبري المحللون السياسيون، عند نهاية أية عام، أو في مطلع العام الجديد، بتقديم قراءات استشرافية،

عما يحمله العام الجديد، من آمال وتطلعات، ولسان حالهم يردد: ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

 

في مطلع هذا العام، يبدو العالم، مشدودا، للعملية الانتقالية في سدة الرئاسة الأمريكية. فهناك رئيس منتخب جديد، سوف يؤدي اليمين الدستورية، كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، في العشرين من هذا الشهر. ورغم أن هذا الرئيس، هو مرشح الحزب الجمهوري، لكن حملته الانتخابية، اتسمت بلغة مغايرة، لأقرانه من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. فقد أدان صراحة الاحتلال الأمريكي للعراق، واستخدم في حواراته لغة تصالحية مع روسيا بوتين. لكنه من جهة أخرى، يعلن رفضه للاتفاق النووي الذي وقعته بلاده مع إيران. ومن جهة أخرى، يعلن رفضه للحروب التي شنتها بلاده، لاسقاط نظم سياسية، وأن هدفه سوف يتركز في الحرب على الإرهاب.

لكن الجمهور العربي، بشكل خاص، اعتاد على عدة لغات للرؤساء الأمريكيين. لغة قبل الوصول إلى سدة الرئاسة، ولغة أخرى بعد قسم اليمين، ولغة ثالثة في الشهور الأخيرة من إدارته.

يمكن القول بقليل من التردد، أن عامنا الذي يوشك على الرحيل، كان عاما صعبا على الجميع. فالإضافة إلى اتساع دائرة الفروقات بين الغني والفقر، واتساع مظاهر الجوع والأمية والأمراض، في عدد كبير من بلدان العالم الثالث، شهد العالم تغولا مريعا لجرائم التطرف، حصدت آلاف الأرواح، في مناطق واسعة من كوكبنا الأرضي. ترى ما الذي ستكون عليه لغة الرئيس بعد أدائه اليمين القانون وتسلمه سدة الرئاسة في أواخر هذا الشهر.؟!

إذا كان علينا أن نستشرف منذ الآن سياسة الرئيس القادم، فليس لنا فعل ذلك اعتمادا على تصريحاته أثناء حملته الانتخابية، بل لا بد من فحص أسماء قائمة الأشخاص المرشحين، لتولي الوزارات السيادية في حكومته، ومواقع الأمن والاستخبارات والجيش. وكلها تشير إلى أن الرئيس القادم دونالد ترامب تعمد اختيارهم من بين الصقور. وبعضهم كان له مواقف متشددة، ومساندة للعدوان على العراق، وتقف من دون تردد إلى جانب السياسات الاستيطانية للكيان الصهيوني الغاصب.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار، أن أمريكا هي دولة مؤسسات، وأن أي رئيس أمريكي، ليس بمقدوره تجاور قوى المصالح وجماعات الضغط، والقوى الفاعلة في هياكل الدولة، ومن بينها مؤسسات الدولة، أمكن لنا القول، أن سلوك الرئيس الجديد، لن يكون استثناء بالمطلق، عن سلوك نظرائه من الجمهوريين الذين تسلموا سدة المنصب الرئاسي سابقا.

وإذا انتقلنا في قراءتنا الاستشرافية، إلى الصعيد الاقليمي، فإن الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر، شهدت انعقاد انعقاد مؤتمر استانا2 في العاصمة الكازاخستانية، بكلمة ألقتها أمينة الدولة في جمهورية كازاخستان غولشار أبديكاليكوفا التي أكدت على أن الأزمة الإنسانية في سوريا تعد من أخطر الأزمات في العالم، وأن “كازاخستان تدعم كل التحركات الهادفة لتسوية النزاع من خلال تقديمها أرضية للسوريين للحوار فيما بينهم”. وأن هذا اللقاء سيساهم في الحل السلمي للأزمة السورية وتنشيط عملية جنيف واستكمالها”.

وإذا وضعنا هذا المؤتمر في سياق موضوعي، من حيث ربطه بالتحولات السياسية الإقليمية، وباجتماع وزراء روسيا وتركيا وإيران، والتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، بضمانة روسية- تركية، أمكننا القول، بتحول سياسي ملحوظ، لصالح التوصل إلى حل سلمي، للأزمة السورية، بما يؤمن مصالح القوى غالبية القوى الإقليمية، المنخرطة في الأزمة.

من جانب أخر، يضيق الجيش العراقي، ومعه الميليشيات المساندة له، الخناق على وجود داعش في محافظة الموصل، وربما يشهد الربع الأول من هذا العام، عملية طرد داعش من هذه المحافظة، لكن الأزمات المستعصية للعراق سوف تتواصل، لأن حلها رهن لتحول في الفكر والممارسة للقيادة الحاكمة. ولن تنتهي أزمة العراق، إلا بمصالحة وطنية حقيقية، تنتفي فيها لغة الكراهية والأحقاد، ولا يستثنى منها أي مكون من المكونات السياسية الوطنية العراقية. مصالحة كهذه ينبغي أن تعيد العراق إلى هويته العربية، التي استمد منها حضوره التاريخي.

من جانب أخر، يواجه العالم، تحدي الإرهاب. وكان العام المنصرم، قد ختم أيامه الأخيرة، بأسبوع مميز في قسوة أحداثه ووحشيتها، شمل بلدانا عربية وإسلامية وأوروبية، وكان المشهد الأقسى والأفظع في المشهد العبثي السيريالي، هو تفخيف الأطفال، وإرسالهم لمحرقة الموت، في مشاهد يصعف وصفها. حوادث إرهاب بالأردن ومصر والعراق وتركيا وألمانيا، وإرسال أطفال بأحزمة ناسفة، بحق الميدان في سوريا، ومصرع لرجال أمن بالكرك الأردنية، ومصرع للسفير الروسي في تركيا، وهو يلقي خطابه وسط حشد من الجمهور.

ولم يكن ما حدث في الأيام الأخيرة، سوى تصوير كاريكاتوري، واقعي، لأحداث ممتدة أكثر من ثلاثة عقود، شملت جميع القارات. وفي كل حدث هناك شهداء وضحايا ومصابين، ودمار وخراب. وقد تحول الإرهاب، في السنوات الأخيرة، إلى إلى حرب عالمية، لا تستثني من أجندتها ومخططاتها أحدا، بما يفرض على المجتمع الدولي، عدم الاكتفاء بالمؤازرة اللفظية، واستنكار الحدث، بل الانتقال إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

لا بد أن تشمل تكون المواجهة للإرهاب، مواجهة دولية شاملة، تضيق الخناق على مجموعات التطرف، حيثما وجدت، والتصدي لأسباب الفوضى، وانعدام الأمن وبشكل خاص في البؤر المتوترة، التي غالبا ما تكون أماكن أثيرة لتمركزها. ولعل هذه الخطوة العملية هي السبيل لملاحقة الإرهاب وكبح جماحه. هل سيكون العام الجديد عام عودة الوعي، بأهمية دحر التطرف وعودة الأمن والسلام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

5 × 2 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي