مائة عام على اتفاقية سايكس- بيكو

0 464

كان إقدام طالب صربي، على اغتيال ولي عهد النمسا، الشرارة الأولى التي أشعلت الحرب العالمية الأولى. وقد وجد الحلفاء في هذه الحرب فرصة سانحة لإطلاق رصاصة الرحمة، على الرجل المريض في الأستانة، وإنهاء السلطنة العثمانية، التي فقدت كثيرا من ممتلكاتها في البلقان، قبل ذلك بوقت طويل.

 

التحق عرب المشرق بالحلفاء، وبشكل خاص، شريف مكة وثوار بلاد الشام، في مخطط الإجهاز على السلطنة، وإلحاق الهزيمة بجيشها، وشاركوا بالحرب بوعد نيل الاستقلال، عن الحكم التركي، وتشييد إمبراطورية عربية، بحدود وخرائط جرى الاتفاق عليها، مع المندوب السامي البريطاني في القاهرة، السيد مكماهون.

شهدت سنوات الحرب الكونية الأولى، مناورات عديدة، من قبل الحكومة البريطانية،، تسببت في تقديمها وعودا متضاربة، ترضى مختلف الأطراف التي تحالفت معها بالحرب. فقبيل اندلاع الحرب، أعطى البريطانيون، وبواسطة مندوبهم السامي في القاهرة، وعدا للشريف حسين بن على، بتنصيبه ملكا على الإمبراطورية العربية، الموعودة والتي ستكون إحدى ثمرات الحرب.

ومن جهة أخرى، اتفق البريطانيون مع الفرنسيين، في اتفاقية سرية، باتت معروفة بسايكس – بيكو على تقاسم تركة السلطنة العثمانية، فيما بينهم بالمشرق العربي. كما قدموا وعدا للحركة الصهيونية، عرف بوعد بلفور، ضمن تأسيس وطن قومي يهودي على أرض فلسطين.

وحين انتهت الحرب العالمية الأولى، نفذت اتفاقية سايكس- بيكو بالكامل، ووضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، كمقدمة لازمة لتعبيد الطريق لهجرات يهودية واسعة، من كل أصقاع الأرض لهذه البلاد، تمهيدا لإقامة الوطن القومي اليهودي، ليعلن عن قيام الكيان الصهيوني، واعتراف هيئة الأمم المتحدة به، إثر نكبة فلسطين، عام 1948، فيتم تشريد مئات الألوف من الفلسطينيين، ويبقى الحلم الفلسطيني في قيام الدولة المستقلة، فوق التراب الوطني، مغيبا حتى هذه اللحظة.

جرى التفاهم النهائي بين البريطانيين والفرنسيين، على تقاسم ممتلكات السلطنة العثمانية، في بداية عام 1916، وتضمنت بالنص اقتسام منطقة الهلال الخصيب، المكونة الآن من سوريا ولبنان والعراق والأردن وفلسطين. وقد صادقت الامبراطورية الروسية، على تلك الاتفاقية، ومنحتها تأييدا مسبقا.

كانت المفاوضات حول بنود هذه الاتفاقية السرية، قد تمت في الفترة من نوفمبر عام 1915م، وشهر مايو، عام 1916 بين الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو، والبريطاني مارك سايكس، وشهدت تلك الفترة، تبادل وثائق تفاهم بين وزارات خارجية فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية.

وقد تم الكشف عن الاتفاق البريطاني الفرنسي الروسي، بوصول الشيوعيين إلى سدة الحكم في روسيا عام 1917، مما أثار غضب الشعب العربي، وبشكل خاص في المناطق المعنية بالتشكيل الجديد للخريطة السياسية. وقد أحرجت هذه التسريبات، فرنسا وبريطانيا. وقد برزت ردة فعل الثوار العرب، ضد تلك الاتفاقية، في عدد من المراسلات، التي تمت بين قيادة الثورة العربية، وأيضا مراسلات الشريف حسين مع المندوب السامي البريطاني في القاهرة، مكماهون.

ووفقا لاتفاقية سايكس- بيكو التي تقترب هذه الأيام، من مئة عاـم تم تقسيم الهلال الخصيب بين البريطانيين والفرنسيين. فحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الشطر الغربي من الهلال: سوريا ولبنان والموصل في العراق. أما بريطانيا فامتدت مناطق سيطرتها، من طرف بلاد الشام الجنوبي ممتدا بجهة الشرق، ليشمل بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا.

كما تقرر وضع فلسطين تحت إدارة دولية، يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا. ولكن الاتفاق استثنى مينائي حيفا وعكا، التي نصت الاتفاقية على منحها لبريطانيا وعكا على أن يكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا. وبالمقابل، منحت فرنسا لبريطانيا حق استخدام ميناء الاسكندرونة الذي كان من المفترض، بموجب الاتفاقية، أن يقع في حوزتها.

لاحقاً، وتخفيفاً للإحراج، بعد كشف هذه الاتفاقية من قبل الحكام الجدد في روسيا، وبعد تكشف وعد بلفور، صدر كتاب تشرشل الأبيض عام 1922، ليوضح بلهجة مخففة أغراض السيطرة البريطانية على فلسطين. إلا أن محتوى اتفاقية سايكس-بيكو قد سبق التأكيد عليه في مؤتمر سان ريمو عام 1920.

أقرت عصبة الأمم وثائق الانتداب على المناطق المعنية في شهر يونيو 1922. وعقدت في 1923 اتفاقية جديدة عرفت باسم معاهدة لوزان لتعديل الحدود التي أقرت في معاهدة سيفر. وتم بموجب معاهدة لوزان التنازل عن الأقاليم السورية الشمالية لتركيا الأتاتوركية.

تحقق استقلال هذه البلدان لاحقا، عن الاحتلالين، البريطاني والفرنسي، بعد الإنهاك الذي عانى منه الفرنسيون والبريطانيون، جراء خسائرهم الكبيرة في تلك الحرب، وـتأسس النظام العربي الرسمي، ممثلا في جامعة الدول العربية، أخذا بعين الاعتبار حقائق التاريخ والجغرافيا والدين واللغة، التي تجمع الشعوب القاطنة في المنطقة الممتدة من الخليج العربي شرقا، إلى المحيط الأطلسي غربا. كما استقلت بقية البلدان العربية، لتلتحق بهذا النظام.

لكن بنود هذه الاتفاقية، بقيت في معظمها سارية المفعول، حتى يومنا هذا. وفي ظل الحرب الباردة، عجزت جامعة الدول العربية، عن تحقيق أهدافها في التكامل العربي، على كل الأصعدة، وحماية الأمن القومي. بل إنها عجزت، حتى هذه اللحظة، عن تحقيق الحدود الدنيا، من التنسيق المشترك، حيال القضايا المصيرية. ولم يكن حالها بعد نهاية الحرب الباردة، بأفضل من سابقه.

بعد مائة عام على توقيع هذه الاتفاقية، يمكن القول أن نتائجها ستظل تلاحقنا إلى أن يدرك العرب، أهمية تجاوز روحها، من خلال التمسك بالمواثيق والمعاهدات التي تراكمت في أرشيف جامعة الدول العربية، ومن ضمنها معاهدة الدفاع العربي المشترك، والأمن العربي الجماعي، وتحقيق التكامل الاقتصادي العربي، وصولا إلى نوع من العلاقة الكونفدرالية، وذلك وحده الطريق الصحيح لمواجهة مختلف التحديات والمخاطر التي واجهتها وتواجهها الأمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

19 + خمسة عشر =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي