لماذا مراكز الدراسات والبحوث

0 423

لماذا مراكز الدراسات والبحوث، سؤال تقريريا، يعكس الاهتمام المتصاعد بمراكز البحوث، على مستوى العالم بأسره, بالنسبة للأفراد وللمجتمعات، كما هو مهم بالنسبة لصانع القرار. وكانت أهمية هذه المراكز، هي ما دفعت بالقائمين على مؤسسة الفكر العربي،

لكي يأخذ هذا الموضوع حيزا رئيسيا، في التقرير السنوي يصدره المركز، وفي محور التكامل الثقافي الخليجي.

 

وقد ركزنا في الحديث السابق، على أهمية المراكز البحثية ودورها في مجلس التعاون الخليجي. ومن خلاله قدمنا قراءة نقدية لواقع هذه المراكز، يدفعنا إلى ذلك طموح كبير، في تطويرها وإثرائها ودعمها بالتقنيات العلمية الحديثة، لتكون قادرة على الإسهام الدفع بعمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في بلدان المجلس، اتساقا مع ما أكدته التجارب التاريخية في العالم المعاصر.

فعلى صعيد البلدان الصناعية المتقدمة، شكل حضور مراكز البحوث، معيارا يقاس بموجبه مستوى تقدم الأمم ونهوضها. ولم تعد أنشطة هذه المراكز مقتصرة على مجالات محصورة، ومحددة، بل باتت تعمل بشكل أفقي، لمعالجة مختلف القضايا العلمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وصار كل مركز يركز على حقل خاص، يكرس جهده لتناوله، ويستجلب الباحثين والمختصين، في مجال عمله.

فحيث تنشط هذه المراكز كما ونوعا، تبرز معالم التنمية والتصنيع ومكننة الزراعة، ويتطور البنيان الثقافي، وتتسع دائرة المؤسسات العلمية والأكاديمية، وحيث يغيب حضورها، يتخلف الحضور عن العصر الكوني الذي نحياه.

لقد أمست هذه المراكز، من أهم أدوات التأثير في عملية صنع السياسة العامة بالدول الحديثة. وفي هذا السياق يشير التقرير الصادر عام 2016، عن جامعة بنسلفانيا، إلى أن من جملة من الأسباب أسهمت في الصعود الكبير، لمراكز البحوث، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، من ضمنها الثورة المعلوماتية والتكنولوحية، ونهاية احتكار الحكومات للمعلومات، بسبب الانتشار الواسع للشبكة العنقودية. إضافة إلى زيادة التعقيدات، والطبيعة التكنولوجية، للقضايا الإجرائية، وتضخم أجهزة الدولة. علاوة على تضاعف أزمة الثقة في الحكومات ومسؤولي الأجهزة التشريعية للدول.

كما أشار التقرير المذكور، إلى دور العولمة ونمو أدوار الفاعلين خارج أجهزة الدولة، في النمو المضطرد لمراكز البحوث والدراسات. علاوة على الحاجة إلى المعلومات السريعة والدقيقة، وتحليلها بطريقة مناسبة، ومن قبل أشخاص مؤهلين وفي الوقت المناسب.

لقد جعلت هذه الأسباب مراكز البحوث والدراسات، من أهم الفاعلين في صنع السياسات المحلية والإقليمية والدولية، بسبب الطبيعة المعقدة للمشكلات اليومية المعاصرة، التي نتجت عن الثورة المعلوماتية، والاستخدام الواسع للشبكة العنكبوتية

كما أضفت هذه التطورات، أوضاعا مركبة، على عمليات صنع القرار. وقد أوجب ذلك، اعتماد درجة عالية من الحرفية، لكي يكون بالإمكان صناعة قرارات وسياسات صائبة، بكفاءة وفعالية.

إن تضخم الجهاز البيروقراطي للحكومات يبرز حاجة أكثر، أمام صانعي السياسات، للحصول على معلومات وتحليلات، على درجة عالية من الدقة، ليس بإمكان موظفي الدولة توفيرها، من غير دعم المراكز البحثية، عالية الكفاءة.

ولذلك برزت الحاجة الماسة، لمراكز الفكر لتؤدي، لتكون جسرا واصلا بين الأكاديميين وصناع السياسة العامة. وقد غدت هذه المراكز من أهم ركائز الحكم الرشيد في النظم الحديثة، حيث تقوم بتقديم توصيات وسياسات بديلة، لمساعدة صانعي القرار، على تبني قرارات صحيحة، وصياغة سياسات تعكس حاجات المجتمع، وتتسق مع التحولات بالساحة الدولية، وبما لا يتعارض مع المصلحة العامة.

وهكذا أصحت مهمة مراكز البحوث، تتمحور في تقديم المشورة والنصح لصناع القرار، وتقييم البرامج للدول، وتأدية دور الجسر لتبادل الأفكار والآراء، وبوابة لتأهيل الأفراد لتولي مواقع قيادية بالدولة، وبعضها يضطلع بمهمة تبرير سياسات الحكومة وكسب تأييد الرأي العام لمصلحتها.

وليس من شك في أن تأثير هذه المراكز، يتفاوت حسب قربها أو بعدها من صانع القرار. وعلى هذا الأساس، فإن تأثيرها يتوقف على مدى استجابة صانع القرار لها. ويبرز ذلك بوضوح، عند دراسة السياسات التي تتبناها الحكومات في البلدان المتقدمة، استجابة لتوصيات تلك المراكز.

وفي هذا السياق، يركز الكيان الصهيوني، أيضا على توصيات هذه المراكز، في صراعه مع العرب. ولذلك لم يكن صدفة أن يشير رئيس الدولة العبرية شمعون بيريز، في معرض وصفه ركائز المستقبل التي تعتمد عليها حكومة بلاده، في كتابه “الشرق الأوسط الجديد، إلى أن “إن القوة في العقود القادمة، في الجامعات وليس الثكنات”. وقد عبر بيريز بقوله هذا عن مدى اهتمام الكيان الصهيوني بالبحث العلمي، باعتباره ركيزة استكمال مخططه الاستيطاني، بل ومصدر القوة وفقا لتعبيره.

ولكي يكون للممارسة البحثية تأثيرها، في إيجاد نوع من التراكم المعرفي والأكاديمي في فهم وتحليل النظم السياسية، فإنها لا مناص من استنادها إلى عدة مرتكزات، أهمها أن من يقوم بتنفيذها والمشاركة في إعدادها ينبغي أن ينتمون إلى التخصصات التي يتناولون مجالاتها، كالاقتصاد والاجتماع والسياسية والإدارة والأنثروبولوجيا والتاريخ. ذلك أن من أبرز خصوصيات السياسة في البلدان العربية، ارتباطها بالتاريخ والتقاليد والثقافة والهياكل الاجتماعية. وبالتالي فإن فهم الحياة السياسية، بشكل علمي وأدق، في أي بلد عربي، يتطلب معرفة بهذه المجالات، وتكاملا منهجيا، في تحليل الظواهر السياسية من ناحية أخرى.

من المهم أيضا، تشجيع البحوث التجريبية، في دراسة قضايا ومشكلات التطور السياسي في الوطن العربي، وتحقيق التكامل بين التحليل الكمي والتحليل الكيفي في دراسة هذه القضايا. ويستتبع ذلك بالضرورة الاهتمام بالدراسات المقارنة، لأنها تتيح فهم المتغيرات السياسية التي تحدث، بشكل أفضل، وإدراك حدود الخاص والعام في التطورات السياسية الجارية. ولعل من المفيد أكثر أن تشمل المقارنة على ما هو أكثر من حالتين.

ولا جدال في إن تطوير المؤسسات البحثية، يقتضي التركيز على نقطة البداية، وهي الاهتمام بالمناهج البحثية، في الجامعات، ومعاهد الدراسات العليا، والانتقال بالبحوث من الجانب الوصفي إلى الجانب التحليلي. والخروج من الأطر التقليدية،، والمزاوجة بين التحليل الكمي والنوعي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

4 × خمسة =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي