لماذا العودة للملف إيران النووي الآن؟!

0 368

جاءت النتائج المعلنة للقاء وزير الدفاع الأمريكي، ليون نانيتا برئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وتصريحاته التي أعقبت ذلك لتؤكد صحة ما توصلنا إليه بالمقالة السابقة، عن صعوبة إقدام إدارة الرئيس الأمريكي، باراك أوباما على قيادة تحالف عسكري بمشاركة الكيان الصهيوني، بهدف توجيه ضربة للمنشآت النووية الإيرانية.

 

أوضح الوزير الأمريكي، أن أي ضربة عسكرية توجه لإيران، سيكون من شأنها تهديد الاقتصاد العالمي. وقد اتسقت هذه التصريحات مع تصريحات لمسؤولين بالجيش الأمريكي لشبكة سي ان ان عبروا فيها عن قلق أمريكي متزايد من هجوم إسرائيلي محتمل ضد إيران، وأن الاستخبارات الأمريكية ضاعفت مراقبتها للأنشطة العسكرية في تل أبيب وطهران.

تهدف إدارة أوباما، بتكرار هذه التصريحات، البروز بمظهر الحياد، فيما يتعلق بأي هجوم عسكري إسرائيلي قد تقدم عليه ضد إيران، في محاولة للتنصل من شبهة التنسيق مع الإسرائيليين، حول الملف النووي الإيراني. لكن ذلك لا يغير كثيرا من الحقيقة التي يعرفها الجميع، عن الترابط الاستراتيجي بين الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية. إن هذا الترابط الاستراتيجي يجعل من الصعوبة التسليم بإمكانية عدم معرفة الأمريكيين لخطط واستراتيجيات حلفائهم الصهاينة، خاصة وأن هذه التصريحات، تتزامن مع الإعلان عن استعداد لتدريبات عسكرية أمريكية- إسرائيلية مشتركة، يشارك فيها 5 آلاف جندي من جيشيهما.

وحسب تصريحات لمساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية- العسكرية اندرو شابيرو، فإن الغاية من هذه التدريبات هي محاكات سقوط الصواريخ البالستية، وسبل الحماية منها، في حالة حدوث حرب بالمنطقة. وهذه التدريبات العسكرية من وجهة نظر خبراء عسكريين، هي الأكبر في تاريخ علاقات الدولتين.

يبدو أن جميع الأطراف المعنية بقضية الملف، تعمل على خلط الأوراق، وأن الأمريكيين ليسوا في وارد الدخول في مغامرة عسكرية أخرى، بعد فشل مشاريعهم في العراق وأفغانستان. فهم الآن في وضع مشابه لحالهم بعد هزيمتهم في الهند الصينية في نهاية الستينيات من القرن المنصرم. فقد سادت آنذاك ما عرفت في حينها بعقدة فيتنام، العقدة التي تسببت في امتناع المؤسسة العسكرية الأمريكية لعقدين من الزمن، عن الدخول في أية حرب على مستوى العالم، والاكتفاء بالمكاسب التي حققوها، بعد الحرب الكونية الثانية، في صيغة قواعد وأحلاف ومعاهدات. وكانت حرب الخليج الثانية، التي قادها الرئيس الأمريكي، بوش الأب والنصر السريع الذي تحقق للأمريكيين فيها مفتاحا للتخلص من تلك العقدة.

لن تعكر الإدارة الأمريكية فرح شعبها، بمناسبة انسحابها من العراق وعودة جنودها إلى وطنهم، وسيكون على المؤسسة العسكرية الأمريكية، الانتظار طويلا، كي تمتص نتائج فشلها، في أفغانستان والعراق، قبل أن تقرر الدخول في مغامرات عسكرية جديدة.

وبالنسبة لأي تحليل سياسي، ليس من المعقول الركون لأية تسريبات إسرائيلية حول اقتراب موعد توجيه ضربة عسكرية لطهران. فالمشاريع الساخنة والحساسة، كهذه لا تطرح علنا، بل يجري التخطيط لها سرا في الغرف المغلقة، وغرف العمليات العسكرية، وأمام الخرائط. وتأخذ دائما في الحسبان حسابات الأرباح والخسائر.

ولعل الهجوم الإسرائيلي، على مفاعل تموز النووي في بغداد في مطالع الثمانينات من القرن المنصرم، هو خير دليل على صحة قراءتنا. فلم تتحدث إسرائيل آنذاك عن مشروع للهجوم على العراق، بل خططت له في الظلام، وحين أعطى رئيس الحكومة الإسرائيلية، مناحيم بيجن الأمر بالتنفيذ، انطلقت الطائرات الإسرائيلية في تعتيم شامل، وكانت مؤامرة التنفيذ دقيقة وكاملة. وكان على الكيان الصهيوني أن يخوض معركة إعلامية شرسة لتبرير هجومه على بغداد، بعد التنفيذ وليس قبل ذلك.

هذه القراءة ستصطدم سؤال ملح ومنطقي، لماذا إذا قرع طبول الحرب؟ وما هو الهدف من عودة الحديث عن احتمال الهجوم على طهران في هذا الوقت بالذات؟!.

هنا تبرز عدة فرضيات، تسعفنا بها قراءة المشهد السياسي في المنطقة بأسرها، تقدم لنا أجوبة منطقية ومعقولة لكنها تبقى بحاجة إلى التدقيق والتمحيص. لعل أهمها عقدة خروج الأمريكيين من العراق وأفغانستان، التي تحدثنا عنا.

نرصد في هذا الاتجاه، تزامن الانسحاب الأمريكي، من العراق تحديدا بأمرين، يبدوان غريبين في سلوك إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، أولهما تصاعد التهديدات العسكرية بحق إيران، والثاني، إعلان أوباما نيته توسيع دائرة الحركة العسكرية الأمريكية لتشمل شرق آسيا. وأن الخروج من العراق وأفغانستان سيجري التعويض عنه في أماكن أخرى.

إن إدارة أوباما تسعى للتعويض عن الفشل باستعراض عسكري غير مكلف للقوة، بما يحقق بعضا من التوازن النفسي للمؤسسة العسكرية ويعيد لها الاعتبار.

هذه قراءة رغم منطقيتها، لكنها تبقى في خانة الفرضية.

الفرضية الثانية، أن المنطقة حبلى بعواصف وبراكين، بعضها تتعلق بالتحولات الدراماتيكية التي أخذت مكانها في الواقع العربي، منذ مطلع هذا العام، وبعضها الآخر يتعلق بالملفات الدولية الشائكة المفتوحة منذ عدة سنوات.

ولإيران في هذه الملفات حصة الأسد. فلإيران صلة مباشرة بملفات ثلاثة، على الأقل. الملف النووي، وملف المحكمة الدولية ضد قتلة رئيس الوزراء السابق، رفيق الحريري، وملف محاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطون. وكلها ملفات ساخنة. والأهم أن إيران تتحالف مع القيادة السورية، التي أصبحت موضع هجوم من قبل أطراف دولية عدة. ولا شك أن من بين أهم الأوراق التي تملكها القيادة السورية، تحالفها مع حزب الله اللبناني وإيران. بالتأكيد لدى سوريا أوراق أخرى مهمة، لكنها خارج سياق موضوع هذا الحديث.

هذه الملفات لا تزال مفتوحة، وجميعها مطروحة أمام مؤسسات دولية. فالملف النووي مُودع لدى وكالة الطاقة الذرية، وقد جاء تقريرها الأخير في غير صالح إيران، يما يرجح زيادة الضغوط على طهران، لفتح منشآتها أمام هذه الوكالة للتيقن من سلمية المشروع النووي الإيراني. وبالمثل، يجري التعامل مع قتلة الحريري، والاتهامات موجهة لأفراد من حزب الله بارتكاب جريمة الاغتيال. وتطورات الأوضاع في لبنان لا تشي بأن حزب الله على استعداد للخضوع للضغوط الدولية. والقول هذا ينطبق على اتهام إيرانيين بمحاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطون، إذ لا يوجد حتى اللحظة ما يؤكد استعداد إيران للتجاوب مع التحقيقات التي يقترحها مجلس الأمن، بذريعة إجلاء الغموض المرتبط بهذه القضية.

الضغط على إيران للتعامل، إيجابيا مع هذه الملفات الساخنة، بما يتماهى مع الرغبات والمصالح الأمريكية، وأهمها فك التحالف الإيراني مع سوريا، والامتناع عن دعم وتأييد حزب الله، يمكن أن تكون فرضية صحيحة، لتبرير عودة الملف الإيراني مجددا إلى واجهة الأحداث. لكن ذلك لا يجيب بشكل كاف وحاسم على السؤال أزمة الملف الإيراني إلى أين؟! ليس هذا فصل المقال، فالأبواب لا تزال مشرعة للمزيد من القراءة والتحليل في محطات قادمة.

********

yousifmakki@yahoo.com


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثمانية + عشرة =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي