قراءة مغايرة للتاريخ

2

​​​​​​​​​د. يوسف مكي
حرض على كتابة هذه المقالة، عجز المجتمع الدولي، وتحديدا مجلس الأمن عن اتخاذ موقف قوي تجاه حملة الإبادة التي تمارسها إسرائيل، بحق الفلسطينيين، وبشكل خاص ما يجري بقطاع غزة. إن ذلك يؤكد بوضوح وجود خلل في الهيكلية والأسس التي يستند عليها ميثاق الأمم المتحدة، والمؤسسات الأخرى، الناظمة للعلاقات الدولية. وهي أسس لا تعكس حقائق القوة وتوازناتها، بقدر ما تعكس انهماك الفاعلين السياسيين الدوليين في حينه بأمور بدت أكثر أهمية.
ولكي تتضح صورة ما نقصده، نعود إلى المشهد الدولي، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهو مشهد فرضته النتائج الميدانية لتلك الحرب، حيث وصل الجيشان السوفييتي والأمريكي، إلى قلب العاصمة الألمانية، برلين، وبناء على خط التقابل بين الجيشين، انقسم العالم إلى شرق وغرب، فما هو شرق برلين من دول أوروبية، بات ضمن الكتلة الإشتراكية، وما هو غربها بات ضمن المصالح الحيوية الأمريكية. وقد عبر ذلك عن نفسه باستراتيجيات وأحلاف، كان الأبرز بينها، حلف وارسو الذي ضم الدول المنضوية عقائديا وعسكريا، بالنطاق السوفييتي، أما غرب أوروبا فتم ربطه بحلف الناتو.
لماذا قبل سكرتير الحزب الشيوعي السوفييتي، جوزيف ستالين، أن تكون الغلبة في مجلس الأمن الدولي، للولايات المتحدة وحلفائها، بحيث بات يتشكل من خمسة أعضاء دائمين، هم كل من أمريكا وبريطانيا وفرنسا، وصين شيانج كاي شيك، ولم يتبق للاتحاد السوفييتي وحلفائه سوى مقعد واحد. وستالين يدرك أن مجلس الأمن الدولي، بطريقة تشكيله لا يعكس مطلقا حقائق القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية في حينه، ومع ذلك قبل به. أسئلة جوهرية ليس بالإمكان تجاهلها.
ففرنسا، على سبيل المثال، والتي باتت من الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن، جرى احتلالها بالكامل من قبل الجيش النازي، وتأسست مقاومتها، بقيادة الجنرال، شارل ديجول، من خارج أراضيها، وبدعم قوي وقف خلفه رئيس الحكومة البريطانية ونستون تشرشل، وسانده الرئيس الأمريكي، هاري ترمان، بتردد، في الأيام الأولى. ومع ذلك منحت فرنسا عضوية دائمة بالمجلس.
وبريطانيا ذاتها، كانت عاصمتها لندن، تتعرض للقصف الجوي الألماني بشكل يومي، وكان من عناصر صمود الدولة وتماسكها، وجود شخصية كارزمية أسطورية، هي شخصية تشرشل، التي شدت من أزر الشعب البريطاني، وعززت مقاومته في وجه الغزو النازي. وكانت خطبه النارية والوعد الذي قطعه بأن شعبه سيقاتل النازية في السهول والوديان، وفي كل مكان من أسباب فشل الغزو الألماني.
أما الصين، فكانت منشغلة قبل الحرب بسنوات طويلة، بمقاومة الغزو الياباني لأراضيها، ولا شك أن هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، كان لها الدور الكبير في انجاز استقلالها. وأثناء الحرب، ساندت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي على السواء، النضال الصيني. لكن الوضع قد تغير كثيرا، بعد اندلاع الثورة الصينية، وهزيمة شانح كاي شيك، وهروبه إلى جزيرة تايوان، واستيلاء الشيوعيين، بقيادة ماو تسي تونج، على البر الصيني.
فقد ساند السوفييت قيام الصين الشعبية، بينما تمسكت أمريكا، بشانج كاي شيك، الذي ظل رئيسا للصين الوطنية، حتى وفاته عام 1975. وهنا أيضا يواجهنا سؤال جوهري آخر: لماذا قبل الاتحاد السوفييتي، الحليف الرئيسي للصين الشعبية، بأن تبقى عضوية مجلس الأمن الدائمة للصين الوطنية، حتى عام 1970ـ بعد استعار الصراع العقائدي بين البلدين، ولم يطالب بأن تكون العضوية من نصيب الصين الشعبية، التي تسيطر على أكثر من 95 في المائة من البلاد.
لقد تسلمت الصين الشعبية، مقعدها الدائم بمجلس الأمن، ليس بضغط روسي، بل بإرادة أمريكية، حيث قام هنري كسنجر مستشار الرئيس نيسكون لشؤون الأمن القومي، بزيارة للصين، وافقت الإدارة الأمريكية على أثرها بسحب عضوية الصين الوطنية من المجلس ومنحها للصين الشعبية.
الاتحاد السوفييتي، هو الذي دفع القسط الأكبر من التضحيات في الحرب العالمية الثانية، حيث بلغت الخسائر البشرية، في بعض التقديرات، ما ينوف على الثمانين مليون شخصا. ويعود إلى روسيا، الدور الأكبر في هزيمة المشروع النازي. وعلى صخرة صمودها تحطم هذا المشروع. ومع ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية، التي دخلت الحرب متأخرة، هي التي قطفت ثمار النصر.
لقد دخلت الولايات المتحدة الحرب، إثر الهجوم الياباني على بيرل هابور، بجزر هاواي في أواخر عام 1941، بعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتحديدا في السابع من ديسمبر من نفس العام. وكانت أراضي الاتحاد السوفييتي قد تعرضت لأول هجوم نازي مباشر قبل ذلك بخمسة أشهر.
والحال مختلف جدا بين الهجوم النازي على الأراضي السوفييتية، والهجوم على بيرل هاربور. فالأول، كان هجوما مباشرا على العمق السوفييتي، بينما جرى الآخر، على منطقة نائية في قلب المحيط بجزيرة هاواي. وكان فشل الهجوم على الأراضي الروسية، بداية التقهقر والهزيمة للمشروع النازي، وكانت التضحيات على تلك الجبهة، كما أشرنا ضخمة ومهولة.
هل كان انشغال ستالين، بهضم ما قضمه من أراض في أوروبا الشرقية، سببا في تجاهله للقضايا الجوهرية التي طرحناها، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يستمر العجز حتى يومنا هذا، أم أن هنالك أسباب أخرى، ينبغي البحث عنها. تلك أمور متروكة للتاريخ، وللمزيد من التفصيل والتحليل.

التعليقات مغلقة.

د.يوسف مكي