في دوافع التحول في السياسة الأمريكية تجاه إيران

0 243

لم يكن مفاجئا للذين تابعوا سير مفاوضات فينا حول الملف النووي الإيراني، في الشهور الأخيرة، توقيع الاتفاق النووي مع إيران. فقد بدا واضحا تصميم إدارة الرئيس باراك أوباما، على التوصل إلى صيغة اتفاق معها حول هذا الملف. وقد أعاد ذلك إلى الذاكرة مشهد المفاوضات بين أمريكا وكوريا الشمالية، أثناء عهد الرئيس بيل كلينتون، والتي انتهت بتوقيع اتفاق مماثل، للاتفاق الذي جرى توقيعه مؤخرا مع طهران.

لماذا تحركت الإدارة الأمريكية في هذا الوقت بالذات، بقوة دفع غير مسبوقة، من أجل إنهاء أزمة الملف الإيراني، رغم المعارضة الشديدة لحلفائها في المنطقة، ووجود معارضة قوية لتوقيع الاتفاقية في الداخل الأمريكي. سؤال طرحه الكثير من المتابعين، لمجرى السياسية الأمريكية التقليدية في العقود الأخيرة. طرحت إجابات عدة، لكن الغائب في تلك الإجابات هو وضعها في سياق المتغيرات الدولية، والتحولات في موازين القوة.

لقد اكتسبت إيران فيما مضى، قوتها السياسية، من موقعها الجغرافي، ومن الثروة النفطية التي تمتلكها. وقد جاء التحول الأخير، ضمن تحولات دولية ملحوظة، لم يكن الاتفاق على هذا الملف بدايتها، فقد سبقته تحولات كونية، لعل أبرز ملامحها، تطبيع العلاقات الأمريكية مع كوبا الاشتراكية، ورفع الحصار عنها. وأيضا، تنفيذ الرئيس أوباما لوعوده، بالانسحاب العسكري من أفغانستان والعراق. والأهم من ذلك كله هي التصريحات المتكررة من قبل عدد من المسؤولين الأمريكيين، بأن الكون يتجه إلى عالم متعدد الأقطاب.

وفيما يتعلق بإيران، موضوع حديثنا، فإن أهميتها بالنسبة للغرب، منذ نهاية الحرب الكونية الثانية واستعار الحرب الباردة تكمن في أنها الطريق الآمن شرقا، إلى عموما آسيا، وقد منحها ذلك لقب “طريق الحرير”.

إنها أيضا النقطة العازلة بين الجليد الروسي، وما جرى التعارف عليه مجازا بالدب القطبي، وبين المياه الدافئة في الخليج العربي، حيث يوجد أضخم احتياطي للنفط فوق كوكبنا الأرضي.

كما أن لها أهمية جيوسياسية، كونها من جهة، تقع في القلب من القوس المطوق للاتحاد السوفييتي سابقا وروسيا الاتحادية حاليا، والمكون من باكستان وأفغانستان وإيران والعراق وتركيا. ومن جهة أخرى، فإنها تجاور من جهة الشرق، الوطن العربي، بثقله التاريخي والسياسي والاقتصادي. وقد أكدت العقود السبعة المنصرمة، تأثير ذلك في رسم السياسات الأمريكية بالمنطقة، ابتداء من مشروع إيزنهاور لملء الفراغ، إلى حلف بغداد، وحلف المعاهدة المركزية، التي انطلقت في مطالع الخمسينيات من القرن المنصرم.

وكانت إيران طيلة حكم الشاه، قطبا رئيسيا، من أقطاب التحالف الأمريكي بالمنطقة، إضافة إلى أنها من الدول الرئيسية المنتجة للنفط.

ومنذ مطالع هذا القرن، أثبتت القيادة الإيرانية، للأمريكيين أن بالإمكان الاعتماد عليها، في الأزمات الكبرى، كالاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق. وفي كلا الاحتلالين، لعبت القوى الصديقة لإيران في البلدين، دورا أساسيا في إنجاح العمليات السياسية التي أعقبت الاحتلال. كما أن للتنسيق الإيراني المباشر مع الأمريكيين دور كبير مساعد، في تسهيل عملية الاحتلال.

لقد ضعف دور إيران في حسابات صناع القرار الأمريكي، بعد قيام الثورة الإسلامية فيها. وقد تزامن ذلك مع التدخل العسكري السوفييتي لأفغانستان، في مطالع الثمانينات حيث غرق جيشه في ذلك المستنقع، وهيأ مستلزمات سقوطه وسقوط الجمهوريات التابعة والحليفة له في نهاية ذلك العقد.

ومنذ ذلك الحين، تربعت الإدارة الأمريكية، من غير منازع على عرش الهيمنة الدولية. وحسم الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب في حينه الأمر، بعد حرب الخليج عام 1990، بأن القرن العشرين أمسى قرنا أمريكيا، وأن أمريكا مصممة على أن يكون القرن الواحد والعشرين قرنا أمريكيا أيضا.

لقد انتهت مرحلة الثنائية القطبية، وانتقل العالم إلى مرحلة القطب الأوحد. لكن شهر العسل الأمريكي لم يستمر طويلا. فالأسباب التي أدت إلى شيخوخة الاتحاد السوفييتي، كمنت في سياسات أمريكا أيضا. لقد وسعت الإدارة الأمريكية، من حضورها العسكري، في عهد الرئيس بوش وكلينتون وبوش الثاني، ليعم هذا الحضور، مجمل الكرة الأرضية.

ودخلت في حروب كثيرة، في راوندا والصومال والبوسنة، وباناما، وقامت باحتلال أفغانستان والعراق، ولم يكن لها بعد اكتمال حضورها سوى النقصان. فقد كان هذا التوسع على حساب اقتصادها، وبالضد من المصالح المباشرة لدافعي الضرائب. فكانت ترجمة ذلك انهيارات اقتصادية كبرى، بدأت بأزمة الرهن العقاري، متسببة في أزمة اقتصادية عالمية، عمت أركان كوكبنا الأرضي.

أما غريمها السابق، الذي تحول إلى روسيا الاتحادية، فكان من حسن طالعه، أن فترة سبوته لم تستمر طويلا. لقد استيقظ الدب القطبي مجددا بعد عقد من سقوط إمبراطوريته، وعادت روسيا الاتحادية مجددا بقوة للمسرح الدولي، مؤكدة حضورها القوي خلال ما عرف بالربيع العربي. وتجسد ذلك باستخدامها المتكرر لحق النقض في مجلس الأمن الدولي.

وتم ذلك بالتزامن مع الصعود الكاسح للاقتصاد الصيني، وتشكيل منظومات دولية جديدة، اقتصادية وعسكرية، مناوئة للسياسية الأمريكية، كمنظومة البريكس وشنغهاي. ومع هذه العودة، برزت مجددا مناخات الحرب الباردة. فوفقا للتصريحات الأمريكية الأخيرة، على لسان وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري فإن روسيا الاتحادية تمثل حاليا أخطر تهديد حقيقي على أمن الولايات المتحدة.

جميع هذه العوامل، تمثل أسبابا وجيهة للقرار الأمريكي بحل أزمة الملف النووي الإيراني، ولتتأكد مقولة رئيس الوزراء البريطاني، أثناء الحرب العالمية الثانية، ونستون تشرشل، أن ليس هناك في العلاقات الدولية صداقات دائمة، وأن ما يحكم العلاقات بين الدول هي المصالح المشتركة.

إن هناك رغبة أمريكية جامحة لإعادة الاعتبار للجغرافيا الإيرانية، بما يتطلبه ذلك من مد للجسور وتطبيع للعلاقات السياسية مع طهران. وكان حسم قضية الملف النووي الإيراني، هو أول خطوة نحو تحقيق علاقات طبيعية وجديدة بين أمريكا والجمهورية الإسلامية. وهكذا جاء توقيع الاتفاق منسجما مع سياق التحولات في العلاقات الدولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أربعة + عشرة =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي