في تداعيات اتفاق لوزان

0 443

الحديث عن اتفاق لوزان حول الملف النووي الإيراني، لا يدخل في خانة التحليل السياسي فقط، بل هو أمر مهم متعلق باستقرار وسلامة أمن المنطقة بأسرها. فنحن نعيش في منطقة واحدة، وعلاقتنا بإيران شهدت باستمرار مدا وجزرا، ولم تكن مستقرة سياسيا، على الأقل في الحقبة التي أعقبت إعلان قيام الجمهورية الإسلامية.

في موضوع الملف النووي الإيراني، لم يكن من السهل التوصل إلى حل الأزمة، بين إيران والمعارضين لبرنامجها النووي قبل هذه المرحلة، رغم فرض حصار قاس على حكومة طهران، ورغم تهديدات متكررة بشن الحرب عليها.

قراءة الدوافع التي أدت بإيران والولايات المتحدة الأمريكية، لتقديم تنازلات محسوبة حول قضية الملف، لا يمكن فصلها عن المتغيرات المتسارعة في موازين القوى الدولية، باتجاه انتهاء مرحلة القطب الواحد، وقيام عالم متعدد الأقطاب.

الاتفاق ضمن لإيران، وإن بشكل محدود، الاستمرار في أنشطتها النووية. لكنه فرض مراقبة دولية دقيقة على أنشطتها في العشر سنوات التي تعقب التوقيع على الاتفاق. بمعنى أن إيران ستكون بعد عشر سنوات من هذا التاريخ، في وضع يؤهلها لمواصلة أنشطتها من غير مراقبة مستمرة. وقد أشار الرئيس الأمريكي، باراك أوباما إلى أن امتلاك إيران لقنبلة نووية هو أمر محتمل جدا، لكن ذلك لن يشكل تهديدا للولايات المتحدة ولحلفائها بالمنطقة، نتيجة للقوة الهائلة التي تمتلكها أمريكا في مواجهة إيران.

الاتفاق بصيغته المعلنة، سوف يرتب حقائق جديدة في المنطقة. فالبلدان العربية التي ظلت خشيتها في السابق مقتصرة، على امتلاك الكيان الصهيوني للسلاح النووي، والتي عملت من خلال مؤسسات القمة، وجامعة الدول العربية، على العمل من أجل وجود منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، ومن ضمنها السلاح النووي، تدرك الآن أن الكيان الصهيوني ليس الوحيد في امتلاكه للقدرات النووية، وأن إيران أصبحت عضوا في النادي النووي.

على الصعيد المحلي، سيكون من تبعات ذلك، أن البلدان التي تمتلك المال والقدرة، ستشعر بتهديد محتمل آخر، وبفشلها في منع انتشار أسلحة الدمار الشامل. وسوف تضطر هذه إلى العمل بجهد مضاعف، من أجل الالتحاق بهذا النادي. ولن يكون أمام “المجتمع الدولي”، ذريعة لمنعها من امتلاك القدرات النووية. وسوف يكون من نتائج ذلك انتشار التكنولوجيا النووية في المنطقة بأسرها.

وقد بدأت التصريحات تتوالى، من قبل عدد من المسؤولين في المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي، بإن امتلاك إيران للقدرات النووية، سيفرض على هذه الدول مراجعة سياساتها، والعمل على امتلاك هذه القدرات، لضمان أمنها واستقلالها.

أما البلدان العربية الأخرى، التي تعتبر دورها مركزيا في حماية الأمن القومي العربي، والتي تفتقر إلى المال، فإنها لن تتردد عندما تصبح التكنولوجيا النووية متوافرة في عدد من بلدان المنطقة، بينها الكيان الصهيوني وإيران، في اكتساب هذا النوع من التكنولوجيا، حتى وإن كان ذلك على حساب خططها التنموية، وتلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها. وسيكون من نتائج ذلك اتساع دائرة الفقر في هذه البلدان.

إن هذه المعضلة، لا يمكن حلها إلا في إطار نظام عربي، يعيد الاعتبار للأمن القومي، وينطلق من استراتيجية عربية دفاعية شاملة، تضع بعين الاعتبار الحقائق المستجدة والمتمثلة في شيوع امتلاك القدرات النووية، والتي شملت بلدانا عديدة، تعتبر في نطاق الجوار بالنسبة للأمة العربية، وعلى أرسها الهند وباكستان والكيان الصهيوني، ومؤخرا إيران..

لقد راهنت إيران، في تمسكها بامتلاك القدرات النووية، خلال أكثر من حقبة من الزمن على أوراق قوية، منها موقعها الجغرافي. ومنذ احتلال أفغانستان والعراق، في مطالع هذا القرن، وتحديدا بعد حوادث 11 سبتمبر عام 2001، أضافت إيران ثقلا جديدا لأوراقها التفاوضية. فقد قاد حلفاؤها بالبلدين المحتلين أمريكيا، وبشكل خاص في أرض السواد العملية السياسية، التي أعقبت الاحتلال الامريكي للبلدين.

ولا شك أن علاقة قيادة إيران الاستراتيجية بالحكام الجدد في العراق، مكنتها من مد عمقها الاستراتيجي غربا، لتصل إلى حوض البحر الأبيض المتوسط. وكان لذلك أيضا ثقله السياسي، على جملة الأوراق التي بحيازتها. فالأمريكيون استثمروا كثيرا في أفغانستان والعراق، ولم يكن لهم أن يحققوا نجاحا نسبيا بالبلدين من غير التنسيق وتكامل الاستراتيجيات مع طهران.

من وجهة النظر الإيرانية، وكما أعلن الرئيس روحاني، فإن الاتفاقية تفتح صفحة جديدة في العلاقات مع العالم وتساهم في إنهاء النزاعات في المنطقة. كما أنها تحفظ حقوق إيران النووية.

أما الدول الست، التي فاوضت إيران فترى أن اتفاق لوزان يقيد أنشطة إيران النووية التي ستسخر للاستعمالات المتعلقة بالأغراض السلمية فقط. ووافقت إيران على تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي التي تستخدمها في تخصيب اليورانيوم من 19 ألف جهاز إلى 6104، وستقوم بتشغيل 5060 منها فقط، بموجب هذا الاتفاق.

تشعر القيادة الإيرانية، أنها خسرت كثيرا بالحصار الاقتصادي المفروض عليها. وأن مسؤولياتها المالية في المنطقة قد تضاعفت، وأصبحت عبئا عليها. وأنها بهذا الاتفاق، ستتمكن من حل أزمتها الاقتصادية، وستحافظ على منشآتها النووية السلمية، من التدمير وتتجنب حافة الحرب، وتحافظ على مكاسبها الاستراتيجية في عموم المنطقة.

والأكثر من ذلك، أن علاقة طهران بأمريكا لن تكون من الآن علاقة بشيطان أكبر، كما روج لها إعلام طهران، منذ الثورة الإيرانية بل ستقترب رويدا رويدا، إلى أن تصل إلى حالة التحالف. وستفتح الأبواب على مصاريعها للشركات وللمستثمرين الأمريكيين، للعمل في مختلف الأنشطة الاقتصادية الإيرانية، والتعويض عما فات خلال ما يقرب من خمسة عقود. والمؤكد أن المنطقة بأسرها، بعد هذا الاتفاق لن تكون كما كانت قبله. ويبقى الموضوع بحاجة لتفصيل وتحليل أوسع في قراءات قادمة بإذن الله.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عشرين − 14 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي