في الحروب الأهلية والثورات

0 331

 

في لقاء جمعني مع صديق، أشار إلى موقفي النقدي مما أصبح معروفا بالربيع العربي، والذي شمل معظم المقالات التي نشرتها، منذ الثورة التونسية حتى يومنا هذا. وكان مثار استغراب صديقي، أنني بدوت وكأنني أقف مناصرا لأنظمة الاستبداد والفساد، وبالضد من إرادة الشعوب. فهذه “الثورات”، هي رد فعل على مظاهر سلبية، وعلى استلاب، وتعد على حقوق الناس.

وربما اكتسب استغراب الصديق بعضا من المشروعية، لو أننا كنا في بداية موسم “الربيع”. ففي حينه كان أي موقف نقدي “للثورات”، يبدو نشازا، فالأمر في حينه يختزل، في أن الشعب أراد إسقاط أنظمة الاستبداد العربية، وكان له ما أراد. أما الآن بعد أكثر من ثلاث سنوات حيث تعم الوطن العربي المقهور، معالم الفوضى والخراب في معظم الأقطار التي شهدت “التغيير”، وتصادر الأوطان وتضيع الهويات، ولا يبدو في الأفق ما ينبئ بأننا نقترب من نهاية مشاهد الموت المرعبة، فإن نقد صاحبي لا تسعفه الوقائع.

وتبدو التجربتين، التونسية والمصرية، خارج نطاق هذا التقييم. والواقع هو كذلك، لكن مرده لا يعود إلى قدرة الشارع على الحسم، بل إلى انحياز واضح من قبل مؤسستي الجيش في البلدين إلى نداء الذين تجمعوا في الشوارع والمبادين. وكانت نتيجة هذا الانحياز، هو ترصين للحراك الشعبي، واقتصار التغيير على عزل بعض رموز النظام في البلدين، دون مس لهيكلية الدولة، ولا للطريقة التي تدار فيها أمور الحكم، ولا حتى لعقيدة النظامين الذين يفترض أن الشعب قد أسقطهما.

والنتيجة أن الشعب فرح بما أنجز، لكن وسائط العمل، واصلت سيرها، كما هو معتاد. وتلك هي أهم نتائج أي تحرك عفوي، تغيب فيه البرامج والاستراتيجيات والحوامل الاجتماعية.

بعود الحديث مجددا، عن الثورة، ولكن هذه المرة في أرض السواد. فهناك تحرك شعبي واسع في ثلاث محافظات هي نينوى وصلاح الدين والأنبار. ومن وجهة نظر البعض، فإن هذا التحرك هو استمرار للمقاومة المسلحة، التي أجبرت المحتل الأمريكي، على الرحيل، بعد منازلة ضارية مع المقامة العراقية، أفقدته الكثير من رجاله ومعداته. وأكثر من ذلك من هيبته، وتسببت مع عوامل أخرى ذاتية، في الأزمة الاقتصادية العالمية، التي بدأت مع أزمة الرهن العقاري، والتي لا تزال تلقي بتبعاتها حتى يومنا هذا.

هذه الرؤية، ترى فيما حدث ثورة، هدفها استكمال تحرير العراق. لكن الوقائع تشير إلى أنها تقف حتى الآن، وبعد ما يقرب من ثلاثة أسابيع عند حدود المحافظات الثلاث، وأنها تتعرض لهجوم معاكس من قبل قوات حكومة المالكي. وبعض قادتها يعلنون صراحة، أنها ثورة المكون السني. والعراق مكون من أعراق وأديان وطوائف، فهل يعني ذلك أنها ستقف عند المناطق التي يتواجد فيها ما يطلق عليه بالمكون السني.

وإذن فالثورة على هذا الأساس، هي مصطلح يستخدمه أي فريق، لتعضيد موقفه، وهي توصيف إيجابي، يقابله الخصوم، بمصطلحات أخرى. فالذي جرى من وجهة نظر حكام بغداد، هو عمل إرهابي، تقوده داعش وعناصر القاعدة، وبعض التنظيمات الإسلامية المتطرفة، كأتباع الطريقة النقشبندية.

وبعيدا عن التوصيفين: ثورة أو إرهاب، فإن العبرة بالنتائج. لكن المؤكد أن الطرف الذي يستخدم توصيف الثورة فيما جرى بالوطن العربي، ومنه ما يجري الآن في العراق، لا يستخدم هذا المصطلح بمدلوله الاجتماعي، المدلول الذي استخدم في الثورات الكبرى، الفرنسية والانجليزية والروسية والصينية. والذي كان له نصيب كبير في الثورات الوطنية، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وشملت عددا من بلدان العالم الثالث.

فالثورات الاجتماعية الكبرى، هي في الأصل، تعبير عن مصالح فئة أو طبقة اجتماعية، تجد في الواقع القائم معوقا لانطلاقتها ولمصالحها، ووجود هذه الطبقة أو الفئة، وما يطلق عليها بالحامل الاجتماعي، هو شرط من شروط تحقق الثورة. وذلك ما لم يتوفر في أي من الثورات التي شهدتها بلدان الربيع العربي.

والشرط الأخر، هو تجانس مقولات هذا التحول، مع مطالب عموم الناس. فهذا التجانس هو الذي يمكنها من حشد التأييد لها. ليس ذلك فحسب، بل لا بد من امتلاك قيادات التغيير، القدرة على توفير الأمن والحماية للناس. والدفاع عن الوطن والاستقلال والسيادة.

ففشل أي نظام سياسي، في مواجهة التفتيت في الداخل، هو تماما كالفشل في مواجهة العدوان الخارجي على حدود بلاده، بما يعني عدم أهليته، للاضطلاع بمسؤولياته، وفقدانه لمشروعيته.

إن مشروعية أي نظام سياسي، ينبثق عن “الثورة”، هي قدرته على تطبيق شعاراته وأهدافه، والبرامج التي حشد الجمهور من خلفه على أساس تحقيقها. وعلى هذا الأساس، فإن التغيير هو تعبير عن أفكار ورؤى وأديولوجيات واستراتيجيات، تتجسد في ممارسات وتقاليد جديدة. وهي إذن ليست تغييرا في مراكز المصالح فقط، بل تغيير في البنى والهياكل الاجتماعية، تتحقق جميعا لمصلحة غالبية الناس.

ومن هنا لا ينسحب ما جرى بالوطن العربي، من “ثورات”، على التوصيف الذي أشرنا له للثورة.

وحتى الثورات الوطنية ضد الاستعمار، لا ينسحب عليها ما جرى ﺑ”الربيع العربي”. فقد كان موضوع تلك الثورات انتزاع الاستقلال، من الاستعمار التقليدي. وقد تمكنت من تحقيق ذلك. وبعضها توقف عنده، وبعضها الآخر، انتقل إلى ثورات أخرى، بمدلولات اجتماعية مغايرة.

ما يجري الآن بالبلدان العربية، من “ثورات”، إن هو اقتصر على طائفة أو قبيلة أو فئة دون أخرى، فإنه يمهد لحروب أهلية ولمشاريع تفتيت. وقد أغرقت تلك البلدان في بحور من الدم، وبحور من الفوضى، وغياب للأمن والمأوى، وتسبب في تشريد الملايين عن أوطانها. وأيا تكون مبررات اندلاعها، فإن وجود أنظمة الفساد والاستبداد هو عمل مدان وليس بالإمكان الدفاع عنه، لكن بذات القدر ليس بالمستطاع الدفاع عن الحروب الأهلية وتفتيت الأوطان.

وقدر أرض السواد، هو أن ترتفع الأيادي العراقية لتعيد أمجاد هذا البلد العريق، بالقضاء على نظام القسمة بين الطوائف والأقليات، والتحلق حول مشروع وطني لا يستثني أو يهمش أحدا، وعودة العراق عربيا، شامخا، كما كان ديدنه، عبر تاريخه الطويل الحافل بالأمجاد والبطولات.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

2 + 10 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي