في الانتقال الديمقراطي… نحو خطة طريق

0 415

يستحضر هذا الحديث عنوانه من ندوة عقدها مركز دراسات الوحدة العربية بمدينة الحمامات التونسية في هذا الشهر. كان عنوان الندوة هو الثورة والانتقال الديمقراطي بالوطن العربي: نحو خطة طريق. وقد تشرفت بالمشاركة فيها والتعقيب على أحد أوراقها.

وحضر الندوة عدد من المسؤولين التونسيين، في مقدمتهم الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة، التي حصدت أغلبية المقاعد النيابية في الانتخابات التي جرت مؤخرا.

قدمت للندوة أكثر من عشرين بحثا، وشارك فيها ما يقرب من مائة مفكر بين باحث ومعقب ومتداخل. شملت محاورها الخبرة الثورية العالمية التي اكتسبتها الثورات والقوى الاجتماعية التي قادتها. ولم يغب عن الندوة مناقشة دور المؤسسة العسكرية، في تحقيق الحسم، بعدد من الأقطار، وبشكل خاص في تونس ومصر.

وتعرضت أبحاث الندوة أيضا، للدوافع السياسية والاجتماعية، وتحديدا انتشار ظاهرتي الاستبداد والفساد. لقد حرضت ظاهرتي الاستبداد والفساد على وضع قضيتي الحرية والعدالة الاجتماعية، في مقدمة المطالب التي رفعها الثوار العرب في كل مكان. ولم يغب عن إدارة الندوة تكريس جلسة خاصة، لمناقشة أثر الإعلام، من فضائيات ومواقع الكترونية وصحف وإذاعات، ومواقع التواصل الاجتماعي: الفيسك بوك وتويتر واليوتيوب في عملية التغيير التي شهدها الوطن العربي، سواء في الإعداد للحركات الاحتجاجية، أو في التحشيد لها أثناء الحراك الجماهيري الملحمي الذي تميزت به الثورات العربية.

وقد كرست المحاور الأخيرة من الندوة، لمناقشة الثورات العربية، كل على حدة. حيث خصص لكل بلد جلسة خاصة، وكانت الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن، في مقدمة اهتمامات الباحثين. كما جرت مناقشة الحركات الاحتجاجية في البلدان العربية التي لم يتحقق فيها الحسم، وتركزت المناقشات على أسباب تعثر الحراك الشعبي في تلك البلدان. وقد ركزت بعض الأوراق على التكيف الاستباقي الذي أقدمت عليه بعض الحكومات للجم الحراك الشعبي، بتحقيق بعض المطالب التي طمح الثائرون لتحقيقها. ونوقشت تداعيات الثورات العربية، على بقية البلدان التي لم يشملها الحراك الجماهيري، وأسباب تخلف هذه البلدان عن اللحاق بما أصبح معروفا بـ “الربيع العربي”.

ولم يفت المشرفون على الندوة التعرض للآثار التي أحدثتها الثورات في مجال توحيد الحركات والأحزاب الوطنية في البلدان التي تفجرت فيها تلك الثورات. وكان من الطبيعي أن يناقش المشاركون في ختام أعمال الندوة، مستقبل النظام العربي، والمواقف والتداعيات الإقليمية والدولية للثورات العربية.

ويبقى بعد هذه المقدمة، التي أخذت حيزا كبيرا من هذا الحديث، أن نشير إلى جملة من الملاحظات، ذات العلاقة بموضوع هذه الندوة.

فالعناوين التي تصدرت الأوراق، كما سقناها بدت في كثير من الحالات مرتبكة وواسعة، ليس بالإمكان تغطيتها بعمق في جلسة واحدة. فلم يكن بالإمكان التعامل مع الحركات الاحتجاجية، وأسبابها وطريقة اندلاعها بنسق واحد. فأوضاع البلدان العربية، غير متماثلة، بما يحتم اختلاف الأدوات، والأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورة فيها. فليس الاستبداد وحده، هو مبرر انطلاقها، وهو أيضا ليس الفقر. فهناك بلدان يرتفع فيها سقف الحرية، ولكنها تعاني من الفساد والفقر، وهناك بلدان أخرى يطغي فيها سقف الاستبداد ولكنها في وضع أفضل في مستوى معدلات الدخل بها مقارنة لغيرها من الأقطار العربية.

إن ذلك يعني بداهة، أن هناك مسوغات مركبة، لاندلاع الثورات العربية، تختلف في دوافعها من بلد لآخر، ينبغي البحث عنها. ولعل أكبر محرض على اشتعالها بوقت واحد هو ما جرى وصفه من قبل بعض الكتاب العرب بأنه موسم الهجرة للثورة، اقتباسا من عنوان رواية موسم الهجرة للشمال للطيب صالح. بمعنى أن العامل الرئيس لهذه الثورات، في هذا التوقيت بالذات هو التأثير والتأثر… بين مواطني الأمة الواحدة.

ثم أن التداعيات السياسية للثورات لا تزال في بداياتها. فبالكاد يمكن القول إن تونس استكملت بناء مؤسساتها التشريعية والتنفيذية. أما مصر، فرغم استكمالها للانتخابات النيابية ومجلس الشورى، والتصويت على التعديلات الدستورية، فإن أمامها مهمة تشكيل الحكومة، والانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في الشهر القادم، في ظل انفلات أمني لم تشهد له مثيلا مند عدة عقود. وفي ليبيا لا تزال الفوضى وانفلات الأمن سيدتا الموقف. والحال ينطبق على الأوضاع باليمن، التي نأمل أن تتعافى سريعا.

في بقية البلدان العربية التي طالها موسم الهجرة، تراجعت الثورات في بعضها، وبقيت في قوة زخمها في بلدان أخرى، دون وجود ما يشي باقتراب أزمتها من نهاية النفق. إن ذلك يعني استحالة تقديم قراءة استشرافية دقيقة تسهم في صياغة خارطة طريق للانتقال السلمي وإقامة الدولة المدنية في هده البلدان.

ولا شك، أن هذه الثورات دفعت بعدد كبير من المثقفين العرب إلى القلب منها. فقد التحقوا بركبها أثناء مراحلها الأولى قبل الحسم. وكانوا هم كتاب الدساتير، والمروجين للمبادئ والأفكار الجديدة. وهم أيضا قادة الحراك السياسي، الذي أمن للتحولات مسارها السلمي, وهم أيضا، قادة الأحزاب السياسية، التي تنافست على حصد المقاعد بالمجالس النيابية. ويشكل الفائزون منهم، الحكومات الجديدة التي تقود السلطة في البلاد بالسنوات القادمة. وذلك مشهد مغاير لم تعهده الأمة العربية منذ عقود طويلة.

إلا أن هذا الأمر ينبغي أن لا يؤخذ على علاته. ففي البلدان العربية، التي انتصرت فيها الثورات، سوف ينقسم المثقفون إلى شطرين: شطر في السلطة يتمثل دور المثقف والسياسي في آن معا، ونوع آخر بالمعارضة، يواصل التحريض على التغيير، لكنه يرنو إلى بلوغ السلطة في دورات نيابية لاحقة.

وهكذا سيضطلع المثقف العربي بوظيفة السياسي، وينتقل من المثالية إلى والبراغماتية. وسيتبقى بعض من الموقف المثالي في جانب الطرف المعارض، حتى تأتيه الفرصة في دورة انتخابية قادمة لتسلم الحكم.

وعلى الرغم من ذلك، سيبقى دور المثقف، مهما وجوهريا. فهو المبتدأ، الذي يصوغ النظريات والبرامج التطبيعية لإدارة الدولة والمجتمع. ولكنه يتحول خبرا، بوصوله للسلطة، وانتقاله إلى خانة السياسي، حيث تتاح له فرصة وضع أفكاره ورؤاه قيد التنفيذ. والخطورة هنا أن يغادر دوره كمثقف ملتزم إلى الأبد. لكن دورة التاريخ لن تتوقف. فسينبثق من رحم الواقع الاجتماعي باستمرار مثقفون جدد، سيجدون عناوين أخرى ونظريات وبرامج مغايرة لمن سبقهم. وتلك هي سنن الكون. وتبقى ملاحظات أخرى بحاجة للقراءة والتحليل والتأصيل…

yousifmakki@yahoo.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة × أربعة =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي