فنلندا عضو في حلف الناتو

13
​​​​​​​​​د. يوسف مكي
في يوم الثلاثاء، الموافق الرابع من هذا الشهر، أعلن انضمام فنلندا لحلف الناتو، لتحمل الرقم 31 في سجل أعضائه، وليرفرف العلم الفنلندي فوق مقر الحلف في بروكسل. وقد وصف الحدث من وجهة نظر عدد من المحللين السياسيين، بأنه تحول تاريخي، عن السياسة السابقة، التي اعتمدت الحياد، رغم الأحداث العاصفة التي مرت بها القارة الأوروبية، والتي لم تكن فنلندا بعيدة عنها. لقد تم اجتياح هذا البلد، من قبل ستالين، عام 1939، لكن ذلك لم يدفع بالحكومة الفنلندية إلى تغيير سياستها، فما الذي تغير الآن؟ وهل هناك تهديد حقيقي لأمنها؟ وما هو مصدر هذا التهديد؟!
الأسباب المعلنة لكل من السويد وفنلندا طلب الالتحاق بحلف الناتو، هي الخشية من تمدد سياسة التوسع الروسي، الذي بدأ مع العملية العسكرية بأوكرانيا لتشمل الدول الاسكندنافية, وفي رأينا فإن هذا السبب لا يصمد أمام التحليل والقراءة المنطقية لتداعي الأحداث. فأوكرانيا ليست شبيهة بفنلندا أو السويد فقد كانت لحقب طويلة جزءا من روسيا القيصرية. وباتت جزءا من الاتحاد السوفييتي حتى لحظة سقوطه في أواخر الثمانينات من القرن الماضي. والعلاقة بين روسيا وأوكرانيا محملة بمواريث ثقافية وتاريخية، لا يمكن تجاهلها، من قبل أي كان.
روسيا الاتحادية، حتى في أقصى حالات ضعفها لم تتوقف عن الحديث عن تلك المواريث وعن علاقتها التاريخية والثفاقية، بالناطقين باللغة الروسية من الأوكرانيين. وهناك من يصنف اللغة الأوكرانية ذاتها، بأنها إحدى لهجات اللغة الروسية. ليس ذلك فحسب، بل إن البلدين يتبعان لكنسية واحدة هي الكنسية الأرثوذكسية. وفي التاريخ القديم هناك تبادل في الجغرافيا بين البلدين، فتكون هذه المنطقة روسية أحيانا، وأوكرانية في أحيان أخرى. وخير مثال على ذلك هي شبه جزيرة القرم، التي عاودت روسيا الاستيلاء عليها عام 2014, بما يعني أن الصراع الروسي- الأوكراني الراهن، قد جاء ضمن سياق تاريخي لا يمكن تغاضيه، وليس له أي شبه في علاقة روسيا بالدول الاسكندفافية.
لقد حافظت السويد وفنلندا على حياديتهما لفترة طويلة، وفي أشد حالات التوتر في العالم. لم تشارك السويد في الحربين العالميتين، وكسبت ود وصداقة الجميع. وربما تكون خشيتها مبررة، لو طالبت بالانضمام للناتو أثناء الصراع العقائدي، بين الغرب الرأسمالي والشرق الاشتراكي، خاصة وأنها تشق طريقا رأسماليا، مع الاعتراف بخصوصية ذلك الطريق. ومع كل ذلك حافظت الدول الاسكندنافية على حياديتها، ولم تغرق نفسها في متاهات الحرب الباردة. وإذن فما هي الأسباب الحقيقية التي تلجؤها الآن لتغيير سياساتها.
كلمة السر كما نراها تختزل في حلف الناتو، وفي رغبة الولايات المتحدة تمدد هذا الحلف، ليطوق الجغرافية الروسية من كل الجهات. والسبب ذاته هو الذي دفع بحكومة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شن عمليتها العسكرية الخاصة، لإزاحة المسدس المشهور على رقبتها، ولمنع أوكرانيا من الالتحاق بالناتو. إنها رغبة الغرب، في انهاء سياسة الحياد بالدول الاسكندنافية، وإلحاقها بفلكها العسكري. وهي رغبة لن تسهم في تعزيز سلام تلك الدول، بل ستغرقها في مسائل لا ناقة لها فيها ولاجمل، مسائل كانت بعيدة عنها، لعقود طويلة رغم أن الجغرافيا وضعتها في القلب من تلك الأحداث.
السؤال المنطقي والبديهي الذي ينبغي أن يطرح، هو عن مدى فاعلية التحاق فنلندا والسويد، بحلف الناتو، وهل سيتكفل هذا الانضمام بحمايتهما إلى ما لانهاية من الغزو الروسي. الجواب بكل جزم، أن البلدين باتا بوابة الصراع العسكري بين روسيا والغرب. وأن من الطبيعي أن تستعد روسيا لكل الاحتمالات، وأن تكون فنلندا، التي انضمت مؤخرا، والسويد حال انضمامها في أعلى قائمة الضحايا لأي حرب نووية محتملة، كونهما عضوان في حلف الناتو. وقد نقلت الأنباء مؤخرا، تعزيز روسيا لترسانتها النووية على الحدود مع الدول الإسكندنافية، وهي حدود طويلة بكل المقاييس وقابلة للاختراق من مناطق عديدة.
تركيا تدرك مخاطر دخول فنلندا والسويد لحلف الناتو، على الأمن القومي الروسي، وتضع العراقيل من جانبهما، لتحول دون التحاقهما بحلف الناتو. تتعلل بوجود أكراد من الأتراك، معادين لسياساتها، يقيمون منابرهم الإعلامية في السويد وفنلندا. وتحقق حكومة أردوغان بهذا الموقف مكسبين، الأول مغازلة الاتحاد الروسي، الذي يعمل على إعاقة التحاق الدول الاسكندنافية بالناتو، والثاني، وهو أمر ممكن جدا، إغلاق المنابر الكردية في الدول الاسكندنافية الموجهة ضد سياسة بلاده.
أمام حالة الجنون المستعر، يبدو أن العالم بأسره مقبل على أحداث جسام، وليس علينا سوى الانتظار.

التعليقات مغلقة.

د.يوسف مكي