غزة تحت الحصار والموقف العربي مؤجل حتى إشعار آخر

0 233

قبل أن يغادر الرئيس الأمريكي، جورج بوش المنطقة العربية عائدا إلى بلاده، بادر الصهاينة يوم الثلاثاء الماضي بارتكاب مجزرة رهيبة، عندما أقدمت قوات الاحتلال الصهيوني على قتل 19 شهيداً وعشرات الجرحى في مجزرة إرهابية وقعت في حي الزيتون بقطاع غزة، لتستمر بعدها حملة إبادة بشعة، استهدفت اغتيال قيادات حركة المقاومة، وفرض حصار قاس شمل إغلاق المعابر وقطع الكهرباء وحرمان المدنيين من الماء والدواء… جرائم حرب متواصلة ضد الإنسانية، مؤكدة من جديد، ما سبق أن رددناه مرارا وتكرارا من أن المشروع الصهيوني، منذ بدايته، وحتى يومنا هذا هو مشروع حرب.

 

أكثر من مليون ونصف المليون من الفلسطينيين يعيشون أوضاعا مزرية وحالا كئيبة… أطفال يصرخون من الجوع، ومنازل تلفها العتمة وزمهرير الشتاء، فلا نور ولا مدافئ، ولا لحاف كاف، وأمهات تقطعت بهن السبل، حيث لا طعام ولا دواء. ومراكز صحية عاجزة عن تقديم أي شيء بسبب نقص المعدات وما خلفه الحصار. ووزير الحرب الإسرائيلي، إيهود باراك يعلن صراحة، وبصفاقة أن القادم أعظم، متوعدا الفلسطينيين باجتياح غزة في حال إقدام حماس على تنفيذ عمليات عسكرية ضد الكيان الغاصب، ردا على مجازره المتكررة، في الوقت الذي تمارس فيه قواته عمليات القتل العمد بحق الفلسطينيين، من المدنيين العزل.

 

لقد أكدت أحداث غزة، بما لا يقبل الجدل، جملة من الحقائق أهمها أن السلام العادل، لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل توازن عسكري استراتيجي عربي، تدعمه الإرادة والتصميم على نيل الحقوق. وأن التسليم والتفريط، مآله تقديم المزيد من التنازلات. إن السلام الحقيقي هو الذي يحقق الأمن، وليس ذلك الذي يقود الأمة إلى أنفاق مسدودة، يكون من نتائجها مزيد من الاحتراب والصراع بين أبناء الوطن الواحد، ومزيد من التمزق والتفتت والضياع.

 

وأكدت هذه الحوادث أيضا، أن على العرب الاعتماد على أنفسهم، وعلى قواهم الذاتية من أجل انتزاع حقوقهم، دونما تعويل على مساندة أحد. فلا الشرعية الدولية أثبتت قدرتها على حماية الفلسطينيين، ولا الوسيط الأمريكي، أثبت موقفا نزيها ومحايدا.

 

لقد فشلت الأمم المتحدة طيلة العقود الماضية في تقديم أي شكل من أشكال الدعم لحماية المدنيين الفلسطينيين من القصف الهمجي الصهيوني. أما الوسيط الأمريكي، فإنه لم يترك أي فسحة، لتفسير موقفه بغير الانحياز الفاضح للخصم. فهذا الوسيط، الذي اصطبغت سياسته، في السنوات الأخيرة، بوجه استعماري فاقع وقبيح، جعل من بلاده محتلا لأرض عربية بتاريخ عريق، هي العراق، لا يمكن الثقة بأنه سيقف مع العدل، عندما يتعلق الأمر بحقنا في العزة والكرامة، واسترداد أرضنا ومقدساتنا.

 

لا يمكن للعرب، بعد كل ما جرى في غزة، الوثوق في خارطة طريق، صممتها إدارة أطلقت العنان للكيان الغاصب لإبادة الفلسطينيين، معتبرة مقاومة الشعب المظلوم لاسترداد حقوقه إرهابا ينبغي التصدي له بقوة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن هذا الوسيط لم يتردد بتقديم وعد يقضي بتأييد قيام “إسرائيل” بسلخ الكتل الاستيطانية الصهيونية الضخمة عن الضفة الغربية، تحت ذريعة أن أي تسوية سياسية يجب أن تراعي الحقائق القائمة على الأرض، وأقرّ وفق ذلك مبدأ عدم العودة إلى حدود عام 1967. وقد جاء الموقف الأمريكي المنحاز تجاه جدار الفصل العنصري الذي يخترق الأراضي الفلسطينية المحتلة بالضفة الغربية، ويلتهم مساحات واسعة منها، متسقا مع مواقفه الأخرى تجاه الفلسطينيين.

 

ليس ذلك فحسب هو مستوى التحيز الأمريكي الفاضح للكيان الصهيوني، فقد ألغى بوش حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأكد على يهودية دولة “إسرائيل”، ودعا إلى إنشاء دويلة فلسطينية، تفتقر إلى مقومات السيادة، هزيلة ومجزأة ومقطعة الأوصال، على نسبة صغيرة من أرض فلسطين التاريخية، لا تمثل سوى جزء صغير من الأراضي التي احتلها الصهاينة في عام 1967. دويلة محاطة بالتجمعات الصهيونية الاستيطانية الكبيرة، دويلة لا تحتوي على مدينة القدس، التي ستظل وفقا لتصريحات قادة الصهاينة ولرسالة الضمانات التي أرسلها بوش لشارون عام 2006، العاصمة الأبدية الموحدة للكيان الغاصب.. دويلة يرابط الجنود المحتلون على معابرها وعلى حدودها مع الأردن ومع مصر، ويقررون من يسمح له بدخولها أو الخروج منها… دويلة كانتونات معزولة عن بعضها، ومحاطة بالمستوطنات وجدار الفصل العنصري.

 

لم يكتف الوسيط بهذا الحد من التحيز، فقد أعلنت الإدارة الأمريكية أن القضاء نهائيا على حركة حماس في غزة هو شرط لنجاح أي مفاوضات سلام. وتبع ذلك إعلان قادة الصهاينة أن غزة “كيان معاد”. وبالتأكيد فإن تزامن الإشارة إلى ضرورة القضاء على حماس، واعتبار غزة كيانا معاديا، هما المقدمة اللازمة لإعداد مسرح الجريمة، بمتواليات منطقية. إن القضاء على حماس، يقتضي بالضرورة القيام باجتياح عسكري واسع للقطاع، واستباحة “الكيان المعادي” من قبل الصهاينة، وتدميره والتنكيل بأهله، وجعلهم عرضة للموت بالقصف أو بالمرض أو الجوع.

 

وما دام الوسيط، قد أعطى الضوء الأخضر للعدوان، بمباركته وتأييده لتصفية حماس، وطردها من السلطة في غزة، وما دام العالم المتحضر قد بارك هو الآخر، هذه التصفية، فسوف يواصل العدو حرب الإبادة والقتل حتى نهايتها، في ظل مباركة دولية، وصمت عربي ثقيل، وكئيب.

 

أصوات عالمية محدودة جدا، عبرت، وسط هذا التعتيم عن سخطها واستيائها من العدوان الصهيوني، على غزة، وكسرت حاجز الصمت لعل أبرزها وأشجعها، وصف خبير الأمم المتحدة، جون درجارد “للإسرائيليين” بالقتلة، واعتبارهم مجرمي حرب، ينبغي أن يحاكمهم العالم على جرائمهم.

 

وكان الصوت الآخر، هو صوت مقرر اللجنة الدولية لحق الإنسان في الغذاء، جان زيغلز، الذي وصف الوضع بالقطاع بأنه مأساوي. وترك الأرقام تتحدث عن نفسها، مشيرا إلى أن هناك65% من سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة يعانون سوء تغذية دائماً. وهناك 15.5% من الأطفال دون سن العاشرة يعانون تشوهات عصبية نتيجة سوء التغذية. الماء مشكلة كبيرة جداً، نحو 80% من المياه الجوفية سواء في الضفة أو في القطاع تصب إما في “إسرائيل” أو في المستوطنات. وفيما يتعلق بالحصار فإن هناك 285 من المدن والقرى الفلسطينية معزولة بالكامل نتيجة حصار جيش الكيان العبري. والنتيجة أن النشاط الزراعي أصبح محدودا جدا، على الرغم من أن الأرض شديدة الخصوبة.

 

أما البيت الأبيض فقد جاء على لسان ناطقة، غوردن جوندرو: “أن الإدارة الأمريكية تأمل من الإسرائيليين تحري الدقة في ضرباتهم ضد الناشطين، وتدعو الفلسطينيين إلى الكف عن قتل الإسرائيليين الأبرياء”… “إن إسرائيل تمارس دفاعا شرعيا عن نفسها”، لكن المرجو منها أن تتخذ “الخطوات الممكنة” لتفادي إلحاق الأذى بالمدنيين على غرار ما تقوم قواتنا المسلحة في العراق وأفغانستان…

 

إنها إذاً ليست لحظة امتحان لمصداقية الوسيط الأمريكي، ولكنها امتحان للذين راهنوا على احتمال بروز موقف نزيه. بل لحظة امتحان لمصداقية الانتماء إلى هذه الأمة، ولحظة امتحان لمدى الالتزام بالمعايير الأخلاقية والدينية، حين ينتخي الشرف العربي والكرامة العربية، واستغاثات الأرامل والثكالى ودماء الشهداء، وجراحات الصغار. ولحظة امتحان أيضا لكل المواثيق والمعاهدات التي وقعها العرب مع بعضهم، حين يوضع الموقف الصحيح على المحك. وهي فرصة أيضا، قد لا تعوض، لتأكيد تلاحم الأمة، وتفاعل مكوناتها التاريخية والثقافية، ليس فقط ليتسامى الفلسطينيون فوق الجراح ويعيدوا وحدتهم الوطنية، بل ولتؤكد الأمة العربية جمعاء، قيادات وشعوب للعالم بأسره حضورها من جديد، في لحظة مفصلية وعصيبة من تاريخها، ولتجعل من دماء الشهداء العزيزة التي سالت، ولا تزال تسيل في كل مكان من الأرض العربية مانعا مائيا عظيما، يحول دون العبور إلى ضفاف الخنوع والتسليم والهزيمة. ولنجعل من نجمة الصبح، مسرى الرسول، ومهد المسيح، أرضا لا تتقن غير اللكنة العربية.

 

yousifsite2020@gmail.com

 

اضف تعليق

اسمك بريدك الالكتروني

 

تعليقك:

تعليقات

 

* تعليق #1 (ارسل بواسطة احمد ابو السعود)

 

مع احتلرامى لرأى الكاتب اقول انهاذا كان العرب قدجربوا طريق الحرب والمقاومة لمدة تجاوز سبعين عاما فلما لا يعطوا الفرصة لطريق المفاوضات لمدة أشهر قليلة لاتزيد على عام وينتظروا النتائج بعد أن يتوحدوا خلف قادتهم ويروا اذا كانت وعود اسرائيل ومن خلفها صادقه ام لا وكما يقول المثل( خذ الكذاب لحد باب الدار)ولن يخسر العرب شيئا اذا فعلوا ذلك.

 

* تعليق #2 (ارسل بواسطة ناصر جميل)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الاستاذ يوسف مكى المحترم

المراهنه على بوش او المسار الاستسلامى هو انحدار نحو العاويه

المؤسسه الرسميه العربيه ( حكام العرب) يتحملون المسؤليه كاملة0 لك على الجانب الاخر الشعب العربي مسؤول هو ايضا بسكوته عن هؤلاء الحكام

تحياتى وامنياتى

 

 

ناصر جميل

 

* تعليق #3 (ارسل بواسطة ابو الضياء)

 

انا لا اقول الا ان نحن لم ولن ننتصر على الاعداء الا بعد التوحد العربي الاسلامي والعربي وشكرا

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

16 − 1 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي