عودة للنخاسة بأردية مغايرة

0 251

مفهوم أن تنتشر بالبلدان الصناعية المتقدمة الجرائم المنظمة، وأن يكون هناك أدوار رئيسية، في السياسة والاقتصاد لمافيا المخدرات وتجارة السلاح والرقيق الأبيض. فتلك الجرائم تمثل الوسائل الأكثر نجاحا وسرعة لجني المال، وتكديس الثروات. وهي في أنشطتها هذه، غير القانونية، لا تحتاج للتلفع بشعارات وأقنعة إنسانية، فالهدف فيها واضح، والسبيل لتحقيقه واضح، والمال متوفر، والبضاعة مطلوبة، والمبدأ الاقتصادي المعروف بقانون العرض والطلب هو بشكل دائم إلى جانب مافيا المخدرات والجنس والسلاح.

 

وحتى حين نشرت أخبار اختطاف أطفال تترواح أعمارهم بين ست وسبع سنوات، من بلدان كانت، ولا تزال، ضمن قوس الهيمنة الفرنسية القديم الممتد في القلب من القارة الأفريقية، اعتبرنا ذلك سلوكا إجراميا فرديا، وانتهاكا للقوانين، يمكن حصر مسئولية اقترافه، في مرتكبيه لوحدهم، دون تعميم ذلك على الدول والمجتمعات الغربية، أخذا بقول العلي القدير: “ولا تزر وازرة وزر أخرى”، وعملا بالقاعدة القانونية المعروفة، القاضية بحصر العقوبة في مرتكب الجريمة، ورفض تعميمها على الجميع.

 

لكن ما بدا غير مفهوم هو ردود فعل وسائل الإعلام، والحكومات الغربية تجاه جريمة الخطف، وتلقيها النبأ بدم بارد. لقد بدا ذلك مستغربا، وغير منسجم مع شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، التي يرفعها الغرب، والتي صارت، في السنوات الأخيرة بشكل خاص، تصم بضجيجها الآذان ليل نهار. والأكثر غرابة في الأمر هو موقف الحكومة الفرنسية، الطرف الأول المعني بالقضية كون المجرمين الذين حاولوا تنفيذ عملية الاختطاف هم مواطنون فرنسيون، وكانت وجهة الخاطفين ومكان عرض بضاعتهم، هي فرنسا، حيث تتواجد أسواق جديدة للنخاسة، بأردية إنسانية ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.

 

القصة باختصار، كما أوردتها وكالات الأنباء هي أن منظمة فرنسية غير حكومية، قيل أنها تعنى بحقوق الإنسان تدعى «أرش دي زويه» أسسها إطفائي فرنسي في إحدى ضواحي العاصمة باريس بعد كارثة تسونامي. هذه المنظمة وسعت أنشطتها خلال الشهور الماضية، وأعلن القائمون عليها أنهم نظموا حملة من أجل إنقاذ أطفال دارفور متعهدين بإحضار عشرة آلاف طفل إلى فرنسا واتصلوا لهذه الغاية بعائلات فرنسية راغبة في تبني أطفال أو استقبالهم.

 

وتكشف لاحقا، كما أوضحته التحقيقات أن هذه المنظمة عرضت أن تدفع العوائل التي ترغب في تبني الأطفال مبالغ مالية تتراوح بين 2000 و8000 يورو للطفل الواحد ووقعوا اتفاقات معها. وعند اقتراب موعد التنفيذ أواخر الشهر الماضي أعلن أن السلطات التشادية أحبطت محاولة إقلاع طائرة خاصة، تقل 103 أطفال تتراوح أعمارهم بين عامين وخمسة أعوام ينتمي غالبيتهم لقبائل الزغاوة التي تعيش على جانبي الحدود التشادية- السودانية جهة دارفور. واتضح أيضا، من التحقيقات أن سوق النخاسة الجديدة هذه لا يقتصر عملها على خطف الأطفال وفصلهم عن أهلهم، لغرض بيعهم على من يرغبون في التبني، ولكنها أكثر فظاعة وهولا، فالعرض مقدم أيضا لعصابات المنحرفين جنسيا في أوروبا، والذين لا يترددون عن انتهاك عرض الأطفال، أو حتى قتلهم وبيع أعضائهم. وكانت التهم التي وجهتها السلطات التشادية للمختطفين صريحة وواضحة: بيع الأطفال لجمعيات لوطية… قتل الأطفال للاتجار بأعضائهم… تبني الأطفال، دون موافقة من أهاليهم، بما يتناقض مع المبادئ الإنسانية، وتعاليم الدين الإسلامي.

 

كانت أولى ردود فعل الحكومة الفرنسية قد جاءت على لسان وزيرة الدولة للشئون الخارجية وحقوق الإنسان الفرنسية، راما ياد التي قالت “إن باريس لم تكن قادرة على بذل مزيد من الجهود لوقف محاولة منظمة “ارش دو زوي” نقل الأطفال من تشاد إلى فرنسا.. بذلنا أقصى جهدنا وقمنا بكل ما نستطيعه لوقف تنفيذ العملية”. وقد حمل هذا الاعتراف اعتذارا أقبح من الفعل, فقد أقر بعلم حكومتها المسبق بعملية غير مشروعة، تعد تعديا على المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، التي أنيط بالوزيرة صيانتها. لم توضح الوزيرة كيف حصلت العصابة المجرمة على تأشيرات دخول فرنسية للأطفال، من دون السؤال عن ذويهم ومن يمثلهم، وكيف تم استغفال الجانب السوداني أو إهماله إن لم تكن هناك نيّة مبيّتة. كما لم توضح لماذا فشلت حكومتها في منع العملية، لكن القيمين على منظمة “أرش دو زوي” المسئولة عن عملية الخطف يؤكدون أن سلطات باريس لم تمنعهم بشكل واضح من القيام بعمليتهم!.

 

لم يختلف كثيرا موقف الرئيس الفرنسي، نيقولاي ساركوزي عن موقف وزيرته لحقوق الإنسان. فقد أدان العملية ووصفها بأنها “غير قانونية وغير مقبولة”. لكنه ذهب، إلى تشاد على وجه السرعة ليخلص بعض من قاموا بها، وأعاد ثلاثة صحفيين وأربع مضيفات إسبانيات، وحاول نقل المحاكمة إلى فرنسا، ثم أكد موقفا مناوئا لاستقلال تشاد وعدالتها، إثر احتجاجات شعبية هناك، على محاولات نقل المحاكمة إلى فرنسا، وقال ساركوزي بالنص:”سوف أذهب لإعادة الذين مازالوا هناك أيا كان ما فعلوه ، فدور الرئيس هو الاهتمام بكل الشعب الفرنسي”. والنص هنا واضح جدا، فساركوزي يرى أن حماية مواطنيه، هي في المقدمة، وفوق كل الاعتبارات، حتى وإن ضربت بعرض الحائط قوانين الدول الأخرى، وتعدت على استقلالها وخياراتها. ويهدد أن بلاده قادرة على مد ذراعها إلى حيث تريد، وأن تمنع محاكمة مواطنيها مهما كانت جرائمهم.

 

قراءة ما حدث في تشاد، بحق الأطفال السودانيين والتشاديين، وردود فعل الحكومة الفرنسية، يصعب فهمه، إذا لم نضعه في إطاره التاريخي، وفي المكون النفسي للعقل الأوروبي، المسكون بروح استعلائية، تجاه شعوب العالم الثالث. فالأطفال الذين جرت محاولة اختطافهم هم من مستعمرات أوروبية سابقة، خضعت للفرنسيين والإنجليز لحقبة طويلة. وهم في العقل الباطن للأوروبي المتمدن أحفاد للأقنان الذين جلبوا من أفريقيا لأوروبا وأمريكا ليسعدوا السيد الأبيض.

 

وكما أن للأوروبي الحق في الاستعمار، واحتكار قيم الحرية، وتحديد أنماط العيش المتحضر، ووضع مسطرة دقيقة لأنماط وأشكال الحكم، التي ينبغي أن تسود العالم، وصنع المواثيق والمعاهدات للأمم، والتفرد باستخدام حق الفيتو، وتنفيذ بنود الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فإن له أيضا حق احتكار الثروة، والتلاعب بمصير البشر، ما داموا، حسب تصنيف أرسطو غير مكتملين إنسانيا. إنها إذا غلبة لمفاهيم الاستعمار وعقليته الاستعبادية العنصرية.

 

والأردية الإنسانية فيها، المتمثلة في تضليل بعض الأسر، بإقناعهم أن الهدف هو تعليم الأطفال اللغتين العربية والفرنسية، والقرآن الكريم، وإتاحة المجال للصغار لكي يترعرعوا في بيئة أفضل ليست مستحدثة بل معاد إنتاجها. في هذا السياق، تأتي تعابير الرأفة والرعاية والرحمة الإنسانية، معادلة لمفاهيم الوصاية والحماية والإنتداب. مفردات واحدة لزمنين مختلفين يريد الأوروبي دمجهما ليصبحا عصرا واحدا، هو عصر الإستعمار. في كلتا الحالتين كان التناقض واضحا بين الهدف والشعار. هدف الاستعمار القديم كان السطو على الثروة والأرض والمعابر الإستراتيجية، والشعار هو الحماية والانتداب والوصاية، والأخذ بناصية الشعوب إلى مضمار التطور والتقدم. الهدف في خطف الأطفال هو الاتجار بهم وبيعهم لعصابات المنحرفين جنسيا في أوروبا، أو قتلهم وبيع أعضائهم في المزاد، والشعار هو توفير حياة كريمة أفضل لهم، وتجنبيهم غائلة الفقر، والقضاء على الأمية، من خلال تعليم اللغتين العربية والفرنسية والقرآن الكريم. تماثل عنصري واستشراقي آخر، لزمنين مختلفين، يجري تطبيقه منهجيا في عدد من بلدان العالم الثالث.

 

لا يختلف سلوك الحكومة الفرنسية، تجاه خطف الأطفال الأفارقة عن سلوك الإدارة الأمريكية تجاه قراصنتها ومجرميها في وادي الرافدين. وليس ببعيد عن الذاكرة جرائم التعذيب والاغتصاب للآخرين من غير مواطنيها، وحراس بلاك ووتر في غوانتانامو وأبو غريب وباغرام وموقفها مما ترتب لهم العدالة والقوانين الإنسانية من حقوق. فالإدارة الأمريكية لا توافق أيضا على محاكمة من يرتكبون الفظائع من جنودها، ولا تأخذ بقوانين المحكمة الدولية وترفض أن يخضع جنودها لتلك القوانين، فهي دولة الاستعمار الأعلى وهي فوق القانون، ومواطنوها فوق المواطنين.

 

وهذه السلوكيات، تأتي بالتأكيد متجانسة مع الموقف الأمريكي تجاه الكيان الصهيوني، ومع تصريحات الرئيس ساركوزي، التي أدلى بها إثر لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي، أيهود أولمرت والتي قال فيها ن قيام الكيان الغاصب الإسرائيلي، عام 1948م والذي طرد الفلسطينيين من ديارهم، وشكل تهديدا خطيرا مستمرا للأمن القومي العربي يمثل “معجزة القرن العشرين”. فهذا الكيان هو نموذج متقدم للعقلية العنصرية والاستعلائية للمستوطن الأوروبي، وهو تأكيد لرسوخ هذا النموذج وثباته في العالم المقهور.

 

ليست قضية خطف الأطفال الأفارقة من قبل الفرنسيين سوى وجه آخر، لعنصرية الرجل الأبيض، وهي عودة جديدة لأسواق النخاسة، لكن بأردية إنسانية هذه المرة!…

 

yousifsite2020@gmail.com

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة عشر + 6 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي