عدوان على الذاكرة وتسعير للفتنة

0 411

لماذا يكرهوننا؟! سؤال تكرر على ألسنة عدد كبير من المسؤولين والكتاب الأمريكيين، غداة حوادث 11 سبتمبر التي مر عليها إحدى عشر عاما، ولا يزال السؤال يتكرر حتى يومنا هذا. سالت منذ ذلك التاريخ مياه كثيرة. فقد أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي، جورج بوش بعد الأحداث مباشرة حربا عالمية

على الإرهاب. وشهد العالم هجمة غير مسبوقة على العرب والمسلمين، وفيها يكمن الجواب على السؤال: لماذا يكرهوننا؟!.

 

احتلت أمريكا أفغانستان والعراق. وعلى غير ما هو مألوف في الاستعمار التقليدي، كان الغزو مدمرا وماحقا. صودرت الأوطان، وفتتت عناصر مقاوماتها، وجرت إعادة صياغة هياكلها، بما يتسق مع مشاريع التفتيت، مع بعث متعمد لمكونات “ما قبل تاريخية”، غلبت الهويات الجزئية على المكونات الوطنية، واستندت على القسمة بين الطوائف، بما أسهم في تفتيت النسيج المكون للهويات الجامعة.

جرى انحياز واضح وغير مسبوق أيضا، للكيان الصهيوني. وقضم الجزء الأكبر من الضفة الغربية’ التي هي بحكم القانون الدولي، ومبادئ الأمم المتحدة وقراراتها أراض محتلة. وأصبح التفاوض بين الفلسطينيين والصهاينة، يجري على أقل من 47% من أراض الضفة. وطوي ملف حقوق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم، ربما للأبد. وتسابق الرؤساء الأمريكيون، الواحد تلو الآخر بالتأكيد على يهودية قدس الأقداس، واعتبارها العاصمة الأبدية للكيان الغاصب.

وخلال عقد من الزمن، جرى تدمير منهجي، لخمسة جيوش عربية، كان العراق هو المحطة الأولى، في مشروع التدمير، بحيث لا تستطيع هذه الأوطان الدفاع عن نفسها، عند تعرضها للعدوان. وبذلك تفقد الدولة الوطنية الحديثة، واحد من أهم عناصر حضورها. ليس ذلك فحسب، بل إن الصمغ اللاصق لهذه البلدان التي جرى تركيبها، بعد الاستقلال، تفكك بفعل الحروب الأهلية التي شهدها عدد من البلدان العربية. ويجري الآن العمل على تفكيك الجيوش العربية في عدد آخر من الأقطار العربية، من خلال استنزاف قوتها.

لم يتصور أحد أن يتجاسر أعداء الأمة، على أهم عنصر من حيوية وبقاء الأمتين العربية والإسلامية. وأن يوجه الخنجر مباشرة إلى عقيدة المسلمين بشكل مباشر. لقد استهدفت في هذا العقد ذاكرة المسلمين ومعتقداتهم أكثر من مرة.

والهدف كما بدا واضحا الآن هو أن تنتقل الحرب من تفتيت الأوطان وتمزيق الجيوش. فالعقيدة الدينية ليست مجرد طقوس وعبادات ولكنها حاضن لما تختزنه الأمة في وجدانها من مواريث تراكمت وترسخت عبر عقب تاريخية ممتدة، وشكلت هوية عنوان الأمة وهويتها.

أدرك الفرنسيون أثناء احتلالهم للجزائر أن احتواءها لن يتم إلا باقتلاع جذورها، وترويض كبريائها، وإجهاض التزامها بمواريثها، التي يختزلها الدين واللغة والتاريخ، مسهمة في تحديد مكوناتها النفسية، ورسم معالم شخصيتها. وهي بالذات، ما تستمد منها الأمة المنعة والقوة، وفي أعلى القمة تأتي رسالة الإسلام السمحة الخالدة، التي هي الركن العصي، في استنهاض الإرث والمخزون الحضاري للعرب والمسلمين على السواء.

مؤخرا، عاود المرجفون والمشككون في دين الله عدوانهم، الذي مورس بشكل دراماتيكي، قبل عدة سنوات، برسوم كاريكاتورية نشرها إحدى الصحف الدنماركية، في إساءة واضحة للرسول الأعظم محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام. الآن يخرج فيلم أمريكي، أكثر خزيا وعدوانية، على المسلمين وعقيدتهم ونبيهم، في تحد واضح واستهجان بردة فعل المسلمين. فتكون النتيجة عودة لأعلام القاعدة ترفع في عدد كبير من المدن العربية، ويعود للتطرف حضوره القوي في البلدان العربية والإسلامية.

لا بد أن يتداعى قادة العرب والمسلمين لوقف هذا العبث، فوقف التطرف مرهون باستعادة العرب لكرامتهم، وإعادة الاعتبار لمعتقداتهم، ولن يجدي تعلل الغرب بحرية الرأي والتعبير. فالكل يعلم أن ذلك ينسحب عليه منا ينسحب على غيره من ازدواجية المعايير لدى الغرب، حين يتعلق الأمر بحقوقنا.

لماذا يكرهوننا؟! سؤال يملك الغرب وحده أن لا يعاد طرحه مجددا، بأن ينتفي المنطق الأرسطوي الذي يعتبر بعض البشر أقل استحقاقا، ويصنفهم في حالة الكائنات غير المكتملة إنسانيا.. نقول إن لنا حقوق، وفي ضمانها يتحقق ميزان العدل، ولن نكل أو نمل عن المطالبة بها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أربعة × 3 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي