صفقة تبادل الأسرى… قراءة في التوقيت

0 371

 

بعد خمس سنوات من قيام حركة حماس بأسر الجندي الإسرائيلي، جلعاد شاليط ومحاولات عدة، عسكرية واستخباراتية وتفاوضية من قبل الإسرائيليين لاستعادة شاليط، توصلت حماس وحكومة بنيامين نتنياهو، بوساطة مصرية إلى مقايضة إطلاق سراح شاليط بالإفراج عن 1027 أسيرا فلسطينيا، يقبعون منذ فترة طويلة في سجون الاحتلال، من بينهم 315 سجينا محكومين بالمؤبد.

 

قوبل هذا الحدث بارتياح بالغ من الفلسطينيين والعرب، الذين وجدوا في الصفقة انتصارا للمقاومة وللإرادة الفلسطينية، مقابل التعنت والعنجهية الإسرائيلية. لقد أثبتت حماس خلال سنوات اعتقال شاليط، قدرة استثنائية على المناورة وخداع الإسرائيليين، الذين عملوا ما في وسعهم لكشف موقع تواجده. وفي سبيل ذلك قاموا بحرب وحشية على قطاع غزة واعتقلوا العشرات من قادة حركة حماس، ومن أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، واستعانوا بخبرات استخبارية أمريكية وأوروبية للمساعدة في مكان تواجد الأسير الإسرائييلي، دون جدوى. ولذلك يحق للفلسطينيين، وللإخوة في حركة حماس أن يفخروا بإنجازهم، على كل الصعد.

لكن جو الابتهاج والفرحة، لم يغيب السؤال، عن أسباب تراجع حماس عن قائمتها السابقة، التي تضمنت القائد الفتحاوي، مروان البرغوثي وأمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أحمد سعدات. لقد أدى ذلك إلى اعتبار الصفقة إنجازا منقوصا، وتراجعا عن الوعود التي قطعتها حماس على نفسها بعدم الإفراج عن شلعاط ما لم تتضمن الصفقة الإفراج عن جميع القادة الفلسطينيين القابعين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

في هذا السياق أيضا، يطرح السؤال، عن توقيت الصفقة. وفي هذا الصدد، لا مناص من التأكيد على أن المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لم تكن متكافئة، من جهات مختلفة. فالأسرى الفلسطينيون القابعون في سجون الاحتلال، يتجاوز عددهم السبعة آلاف شخص، بينما يبقى شاليط، الأسير الإسرائيلي الوحيد لدى حماس. بمعنى أن الإفراج عن العدد الذي ذكر من الأسرى الفلسطينيين، لن يؤثر على قوة الأوراق التي يملكها الإسرائيليون في مواجهة حماس. أما حماس، فإنها بتسليم الأسير شاليط للمفاوض الإسرائيلي، تخلت عن الأسير الوحيد الذي بحوزتها، ولم يتبق لديها ما تقايض عليه في أية صفقة مستقبلية، إلا إذا تمكنت من القيام بعملية أسر مماثلة.

يضاف إلى ذلك، أن إسرائيل هي قوة احتلال، وجيشها يعربد يمنة ويسرة على امتداد الأراضي الفلسطينية المحتلة، واعتقال الفلسطينيين لا يمثل مشكلة بالنسبة لها. فالفلسطينيون الذين سيفرج عنهم بموجب هذه الصفقة يمكن استبدالهم بسهولة وفي فترة قصيرة، من قادة فلسطينيين آخرين، لم تتناولهم قبضة الاحتلال بعد. هذا الأمر، لا يوجد ما يماثله بالنسبة للفلسطينيين. وإذا ما تمكنوا من تحقيق شيء مثله، فإن الأثمان التي يدفعونها باهضة جدا. ولا تزال الذاكرة تحتفظ بمجريات أحداث الهجوم على قطاع غزة عام 2009م، والجرائم الوحشية التي ارتكبتها قوات الاحتلال الصهيوني بحق القطاع، والحصار الجائر الذي فرض على القطاع طيلة السنوات المنصرمة.

أخذا بهذه الحقائق، يحضر السؤال الذي حمله عنوان هذا الحديث: عن توقيت هذه الصفقة. والجواب متعلق بعوامل موضوعية تخدم مختلف الغرماء، طرفا الصفقة.

فإسرائيل تواجه معضلات عدة، في مقدمتها التعاطف الدولي الذي حظيت مطالبة السلطة الفلسطينية الجمعية العمومية للأمم المتحدة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية. لقد وافقت الأسرة الدولية على المقترح الفلسطيني، وتمت التوصية بعرضه على مجلس الأمن الدولي، لاعتراف رسميا بالدولة الفلسطينية, ورغم أن إدارة الرئيس الأمريكي، أوباما هددت باستخدام حق النقض لمنع صدور أي قرار من مجلس الأمن في صالح الطلب الفلسطيني، فإن الأبعاد الأخلاقية تحققت في موافقة الجمعية العمومية للأمم المتحدة على المقترح الفلسطيني.

هناك أيضا الموقف الدولي الغاضب، تجاه قرار نتنياهو بناء مستوطنة إسرائيلية جديدة تضم 1700 وحدة سكنية، في القدس الشرقية، التي هي من وجهة نظر القانون الدولي أراض محتلة. إن صفقة إطلاق شاليط، تسهم في تخفيف حدة الموقف الدولي تجاه سياسات نتنياهو، وتلطف الأجواء من حوله، وتصرف أنظار العالم عن الاعتراض عن استكمال بناء المستوطنة الصهيونية شرق القدس.

يضاف إلى ذلك أن صفقة إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، ستحد من حركة الاحتجاجات والمطالبات الفلسطينية، التي عمت معظم المدن الفلسطينية، مطالبة بإلإفراج عن الأسرى، ومهددة باندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، في وجه الاحتلال الصهيوني، في وقت تنوء فيه أجهزة هذا الكيان الأمنية بحركة احتجاجات واسعة في معظم مدن فلسطين 48، مطالبة بمعالجة الأزمة الاقتصادية الحادة والقضاء على البطالة.

وبالنسبة لحركة حماس، يمكن الإشارة إلى جملة من الأسباب، أدت مجتمعة لقبولها بصفقة تبادل الأسرى مع الإسرائيليين. وفي مقدمتها رغبتها في إقناع “المجتمع الدولي” بجنوحها عن سياسة العنف، ورفع تهمة الإرهاب عن نفسها، تمهيدا لقبولها كطرف فاعل في أي محادثات جدية للتوصل إلى تسوية سلمية مع العدو الصهيوني، وبما يسهم أيضا في رفع الحصار المفروض على قطاع غزة.

في هذا السياق، تحضر المبادرة المصرية، الهادفة لتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية. إن هناك خشية من أن تتعثر محاولة تحقيق المصالحة بين الفلسطينيين، بسبب اعتراض الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي والكيان الغاصب على مبادرة كهذه، ما دامت حماس طرفا فيها. تحاول حركة حماس عن طريق قبول الصفقة مع الصهاينة، البروز بالمظهر “الواقعي”، الذي يمكن أن يكون مفاوضا مقبولا من مختلف الغرماء في أية عملية سلمية مستقبلية.

هناك أيضا، عامل آخر يذكر في هذا السياق، هو أن حركة حماس خسرت بانهيار نظام العقيد القذافي في ليبيا، طرفا مساندا. كما أن أوضاع الاحتجاجات في سوريا التي يلعب فيها الإخوان المسلمون دورا مركزيا، تشكل إحراجا لحماس الخارج، التي تتخذ من دمشق مركزا رئيسيا لها. إنها تحاول التعويض عن ذلك بتأكيد التزامها بالدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين ومواصلة التزامها بنهجها المقاوم من جهة، والتلويح بقدرتها على مغادرة استراتيجياتها السابقة من جهة أخرى.

وتبقى المناقشة مفتوحة، على أسباب وعوامل أخرى، لعل أهمها ما يجري الآن من أحداث دراماتيكية وعاصفة، تحت مسمى الربيع العربي في عدد من البلدان العربية، من شأنها أن تقلب كل المعادلات السابقة، وتعيد ترتيب وتركيب الأحداث في المنطقة بأسرها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

7 + 17 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي