صعود نحو خط الفقر

2
​​​​​​​​د. يوسف مكي
تصاعد عدد البلدان العربية، التي يعيش غالبية سكانها تحت خط الفقر، لتشمل أقطارا عريقة، كان لها اسهاما مركزيا في الانبعاث العربي، وفي النهضة الثقافية، الذي بدأت طلائعها منذ نهاية القرن التاسع عشر. وترجع أسباب تردي الأوضاع الاقتصادية لأمور عديدة، بعضها خارجي مباشر، وبعضها الأخر، يعود لأسباب ذاتية، مصحوبة بضغوطات خارجية مباشرة وغير مباشرة.
فسوريا على سبيل المثال، عانت من عشرية دم، أعاقت تطورها ونمائها، إثر اندلاع ما بات معروفا بالربيع العربي. غدت البلاد مختبرا لصراعات اقليمية ودولية. كان من نتائجها خروج مناطق عن سيطرة الدولة، ونهب ممتلكاتهاالممتلكات الدولة في عدد من المحافظات، وتفكيك مصانع حلب الشهيرة، ومصادرتها، وتضعضع القطاع السياحي.
وفي ظل هذه الأوضاع، يعشعش الفقر، وتتراجع قيمة الليرة، إلى أدنى مستوياتها منذ الاستقلال. والأمل كبير بأن تستعيد سوريا عافيتها، بعد استعادتها لمقعدها بجامعة الدول العربية، وعودة علاقاتها بمعظم الدول الشقيقة. إن معالجة حالة التردي الاقتصادي تتطلب برنامجا عمليا للقضاء على الفساد، والتوجه المباشر من اقتصاد الاستهلاك للاقتصاد المنتج، وعمل مختلف التسهيلات لتنشيط القطاع السياحي، وتحفيز الزيارات للمناطق التاريخية.
أما لبنان، فإنه بعاني بالإضافة إلى تركة القسمة بين الطوائف، من العجز عن مقابلة استحقاقات الناس. كما يعاني من الأزمات السياسية المتكررة، والتي نتج عنها غياب حقيقي لأجهزة الدولة. فلبنان هو الوحيد، التي تسير ماكنته الاقتصادية، في ظل غياب دائم لرئيس الدولة أحيانا، ورئيس الحكومة في أحيان أخرى. لقد جعل هذا الفراغ السياسي، البلاد مرتعا للفاسدين واللصوص. وإلى غياب شبه كامل للاقتصاد المنتج.
ولا شك أن هذا الواقع المؤلم، يضاف له العزلة المفروضة على لبنان من قبل بعض أشقائه العرب، أدى إلى تعطل النشاط السياحي، وحرمان البلاد من دخل رئيسي كبير، يتأتى من السياحة. ولعل الأيام القادمة، تسهم في تحسن أوضاع الناس الاقتصادية، بعد فتح السفارات الخليجية في بيروت، وعودة النشاط للحركة السياحية.
في اليمن تسببت الفوضى، التي أخذت مكانها منذ عام 2011، في تفتيت البلاد، وتراجع سعر العملة اليمنية، إلى أدنى مستوياتها، وإضعاف القدرة الشرائية للمواطنين، وتوقف حركة الانتاج، وتراجع العمل بالمجال الفلاحي، ووصول غالبية السكان، إلى ما دون خط الفقر. وعلى الرغم من أن هدنة بدأت منذ الثاني من نيسان/ أبريل بالعام الماضي بين المتصارعين، لم يتم التوصل بعد لتتسوية سياسية، تضع البلاد على السكة الصحيحة.
وحين نأتي إلى مصر، البلد الأكثر كثافة سكانية بالوطن العربي، فإنها شهدت استكمالا سريعا في بنيتها التحتية، شملت شق شوارع كبرى وبناء جسور ضخمة بالمدن الرئيسية والطرق السريعة، غطت الجزء الأكبر من البلاد. كما شهدت بناء العاصمة الإدارة الجديدة، وتوسعا في بناء أحياء كبرى، في شرق القاهرة وغربها. وفي ظل غياب الوفرة في المال، وضعف سوق الإقراض العربية، اضطرت الحكومة، لاقتراض مليارات الدولارات من الخارح، وبشكل خاص من صندوق النقد الدولي.
وأمام عجز الحكومة عن سداد الديون، وبسبب من برامج التشقف التي فرضها قبل صندوق النقد الدولي، انخفض سعر الجنيه المصري أمام الدولار. وبلغت الفجوة بين سعره القديم والسعر الحالى أكثر من الضعف. وترامن ذلك مع تراجع الدور الاقتصادي للقطاع العام، وتقليص مساحة الأراضي الزراعية، لصالح السكن، بسبب الكثافة السكانية في أكثر المناطق الوزراعية خصوبة.
وقد عالجت الحكومة المصرية الوضع الراهن، بمنع استيراد البضائع الأجنبية بالعملة الصعبة، مما أثر سلبا على أوضاع المستشفيات والمراكز الصحية ومستودعات الأدوية. وفي هذا السياق، يطالب بعض الخبراء الاقتصاديين المصريين، بالتوجه نحو الاقتصاد المنتج، والتوقف عن الاقتراض من الصناديق الدولية، وحماية المنشآت الصناعية المحلية. وتلك حلول ستضع أعباء كبيرة على المواطن المصري، لكن الانتقال من اقتصاد الاستهلاك إلى الاقتصاد المنتج، يبدو أمرا لا مفر منه.
وللأسف فإن حالة العوز التي أشرنا لها لا تقتصر على البلدان التي أشرنا لها، بل تشمل بلدانا أخرى لا مجال لتناولها في هذا الحديث القصير. والحل الحقيقي للأزمة، كما نراه يكمن في تحقيق التكامل الاقتصادي بين البلدان العربية، وصولا إلى الوحدة الاقتصادية. وحماية الصناعة الوطنية، وزيادة الضرائب التصاعدية، بحيث لا تشمل القاعدة العريضة من الناس، بل الأكثر ثراء وقدرة منهم. وربما يسهم تأسيس بنوك تسليف عربية، بنسب أرباح منخفضة، في حل عملي لجوانب كثيرة من أزمات التردي الاقتصادي الراهنة.
فعسى أن يكون لهذه الصرخة، صوتا مسموعا، قادرا على الوصول لمن يعنيهم الأمر.

التعليقات مغلقة.

د.يوسف مكي