صراع الجبابرة

29

في خطاب ألقاه الرئيس الأمريكي، جو بايدن، في مطالع الأسبوع المنصرم، وجهه من بولندا، قريباً من الحدود الأوكرانية، ومن المعارك التي تدور رحاها على أراضيها، قال ما مضمونه إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «لا يمكنه البقاء بالسلطة»، بما اعتبر من قبل الكثيرين، وعلى رأسهم الإعلام الروسي، دعوة أمريكية صريحة لتغيير النظام السياسي القائم في روسيا، وهو التصعيد الأكبر في الحملة العدائية التي تقودها الولايات المتحدة ضد روسيا.
وقد أثار هذا التصريح ضجة عالمية كبرى، ليس لمجرد اعتباره تدخلاً مباشراً في شؤون دولة مستقلة فقط، بل لأن الكلام كان تحريضاً ضد زعيم دولة كبرى، في وقت تسود فيه الخشية من أي تصعيد سياسي، ومن تدحرج الأوضاع إلى مواجهة عسكرية بين القوى الكبرى، واتجاهها إلى ما لا يحمد عقباه.
قيل الكثير بشأن هذا التصريح، ولم يتردد خصوم الرئيس الأمريكي بايدن داخل الولايات المتحدة، وعلى رأسهم دونالد ترامب في اتهام الرئيس بالخرف بسبب تقدم العمر، وبأنه الأسوأ بين الرؤساء في تاريخ الولايات المتحدة، على الإطلاق، حسب تعبير ترامب.

وقد اعتبرت تلك المواقف من قبل عدد من المحللين السياسيين، جزءاً من الصراع المحتدم، بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، على حيازة مقاعد أكبر، في الكونجرس ومجلس الشيوخ، في دورة الانتخابات القادمة.
من جانب آخر، حذر المرشح الرئاسي السابق، بيرني ساندرز، من مخاطر سياسة «الناتو» ومن مخاطر التصعيد الأمريكي ضد روسيا، وأنه قد يتسبب في انزلاق الأمور إلى مواجهة عسكرية مباشرة، تؤدي إلى اشتعال حرب عالمية ثالثة.
واقع الحال أن الرئيس بايدن لم يكن سباقاً بالتاريخ الأمريكي، إلى مهاجمة الرؤساء الذين يختلفون مع السياسة الأمريكية، ولم يكن وحده الذي يطالب بتنحي رئيس دولة عن موقعه. وسجل رؤساء الولايات المتحدة في هذا السياق واسع جداً. فقد وصف الرؤساء الأمريكيون خصومهم من زعماء الدول الأخرى، بأقذع النعوت، وعملوا في العلن على إزاحة الرئيس الفنزويلي، ومن قبله الكوبي. وأطاحت المخابرات الأمريكية رئيس تشيلي المنتخب اللندي سيلفادور.
ومن قبل في الوطن العربي، هوجم جمال عبد الناصر وصدام حسين ومعمر القذافي، ووجهت لهم أقذع النعوت، بما في ذلك توصيفهم بالنازية والفاشية والديكتاتورية، بل وأسسوا محطات إذاعية خاصة لتحريض شعوبهم على الثورة ضدهم. وقائمة رؤساء الدول الذين هوجموا من قبل رؤساء أمريكيين طويلة يصعب حصرها في هذا المكان.
حاول بايدن لاحقاً التخفيف من حدة هذا التصريح، بالقول بأن خطابه المشار إليه، لم يعنِ به الدعوة لإسقاط النظام الروسي. ولكن لهجة التخفيف لن تغير من الواقع شيئاً، فقد سبق السيف العذل. لقد كشف الخطاب المذكور، عن مكنون ما يتمناه الرئيس، وعن نوايا إدارته في توجيه الصراع الغربي نحو روسيا، بدلاً عن الصين، التي كان التصدي لنهوضها ضمن أولويات برنامجه في الحملة الانتخابية التي أوصلته إلى البيت الأبيض.
العالم بأسره يمر الآن بمرحلة خطيرة جداً نتيجة رود الأفعال الغربية، رغم أن جميع الأطراف المنهمكة في الصراع الدائر بأوكرانيا، تشير إلى حرصها على ألا تتسبب الحرب الروسية على أوكرانيا في اشتعال حرب عالمية ثالثة. ومن الصعوبة بمكان تقدير مدى الانهيارات الاقتصادية التي ستعاني منها البشرية جمعاء، جراء العقوبات الاقتصادية التي فرضتها أمريكا وأوروبا على روسيا. وقد بدأت مؤشرات ذلك بشكل واضح، في التضخم الكبير، بأسعار البضائع، وبشكل خاص مصادر الطاقة.
وبالتأكيد لم يكن لهذه الحرب أن تشتعل، لولا تمسك الإدارات الأمريكية المتعاقبة، منذ حقبة التسعينات من القرن الماضي، بتمدد حلف الناتو إلى شرق أوروبا، وتشجيع الحكومة الأوكرانية على الالتحاق به. لقد طالب الروس مراراً وتكراراً، بأن يكون نظام الأمن في القارة الأوروبية متوازناً وأن يستند إلى الندية والتكافؤ، وأن يتوقف الناتو عن التمدد شرقاً، ولكن مطالبهم تلك قوبلت بآذان صماء، فكانت النتيجة هذه الحرب، بويلاتها الكارثية، التي باتت تشكل تهديداً حقيقياً للسلم العالمي.
نتائج الحرب الكارثية سوف تبقى معنا إلى مراحل طويلة، وسوف تلقي بظلال كثيفة على الأوضاع الاقتصادية والسياسية في العالم. وستودي حتماً إلى انبثاق نظام دولي جديد، لن يكون ثنائي القطبية، أو متعدد الأقطاب، بل سيستند إلى سياسة الكتل الكبرى، وتقسيم العالم إلى محاور تتبع كل منها واحدة من الكتل القوية الجديدة.
إن موضوعي الأزمة الاقتصادية، وانبثاق الكتل الكبرى من المواضيع الحيوية المهمة، التي هي بحاجة إلى تكثيف في القراءة والتحليل في مقالات قادمة.

 

التعليقات مغلقة.

د.يوسف مكي