شارلي وحرية التعبير

0 480

مرة أخرى، تعود الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى الدين الإسلامي الحنيف من قبل صحيفة فرنسية للواجهة. فقد أقدمت الصحيفة الكاركاتورية شارلي بيدو، التي تصدر من باريس على العودة إلى نشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للرسول الأعظم، بعد أيام قليلة من تعرضها إلى هجوم إرهابي، من قبل متطرفين إسلاميين، نتج عنه مصرع أثنا عشر فردا، وجرح عدد آخر، من طاقم الصحيفة المذكورة.

الرسوم الجديدة، نشرت مع حملة تصعيد واسعة وشرسة ضد المسلمين في فرنسا، وتحميلهم مسؤولية الهجمات الإرهابية الأخيرة، على فرنسا. وقد عكس تهافت الناس، على اقتناء الصحيفة المذكورة، مستوى التعاطف مع الضحايا، حيث قفز مستوى توزيعها من ستين ألف نسخة، قبل الهجوم على الصحيفة إلى خمسة ملايين في الفترة التي أعقبت الهجوم.

الذريعة التي يتعلل بها الفرنسيون المناصرون لسلوك الصحيفة العدائي للإسلام، هو أن ذلك يتسق مع حرية التعبير التي كفلها الدستور الفرنسي. وهو قول يصعب التسليم به وقبوله على أنه أمر واقع ويتسق مع السياسات الفرنسية فيما يتعلق بحرية التعبير.

الحديث عن الحرية وحدودها، هو غوص في موضوع شائك ومركب. وقد ظل ولا يزال موضع سجال منذ القدم. وتعزز هذا النقاش بعد الثورات الاجتماعية الكبرى التي شهدها العصر الحديث. وجرى تغليب مقولة خلاصتها أن حريتك تنتهي عندما تمس حرية الآخرين. وفي هذا السياق، نصت كثير من الدساتير على تجريم ثقافة الكراهية.

ليس الأمر في الرسوم الكاريكاتورية، تحليلا نقديا رصينا، أو قراءة موضوعية حتى وإن تعرضت إلى ما هو يقين ومقدس. بل قدح وتحريض على الأديان، ومس بالمقدسات، وإشاعة ثقافة الكراهية، وتعريض بالسلم الاجتماعي.

نحن في هذه القراءة إزاء مناقشة جملة من القضايا، أهمها حرية التعبير، وما ضمنه الدستور الفرنسي حيالها. وهل فعلا كان الأمر كذلك دائما من قبل الحكومة الفرنسية، أم أن ذلك موقفا انتقائيا، يعكس موقفا غير حيادي تجاه الأديان. لا مناص من مناقشة تأثيرات ذلك على السلم الاجتماعي في فرنسا ذاتها. وأيضا خلق مناخات تسهم في تسعير الإرهاب، بدلا من العمل على توفير ما من شأنه أن يساعد على احتوائه.

الدستور الفرنسي يكفل حرية التعبير، ولكن القوانين الفرنسية، تجرم ثقافة الكراهية، ولا تعتبر القضايا التي تمس الأمن والثقافة الفرنسية مجرد وجهة نظر، يكفلها الدستور.

ولكي لا نغرق في التنظير، نشير إلى قضايا ثلاث يجرمها القانون الفرنسي. فالنازية فكرا وسلوكا مجرمة في فرنسا. فقانون حرية التعبير لا يتيح للفرنسيين تشكيل أحزاب تستلهم أفكارها من العقيدة النازية. والقوانين الفرنسية لا تجيز التشكيك في المحرقة اليهودية “الهولوكست”، بل ولا حتى التقليل من عدد ضحاياها.

ولدينا في هذا السياق، حوادث لاعتقالات ومحاكمات كثيرة لكتاب ومفكرين، تجرؤا على التشكيك في حادثة المحرقة النازية لليهود، وهي حادثة لم تكن فرنسا طرفا فيها، ولا تحمل بأي شكل من الأشكال وزرها. ومع ذلك حالت بشكل حاسم دون التشكيك فيها، أو التقليل من حجمها.

المفكر الفرنسي الراحل الكبير، روحيه جارودي تعرض للمساءلة والتحقيق والاعتقال، ليس لأنه نفى حادثة المحرقة، بل لمجرد أنه شكك في صحة الأرقام التي يذكرها الصهاينة، لعدد ضحايا المحرقة من اليهود، والتي تشير بياناتهم إلى أنهم تجاوزا الستة ملايين فردا. وقد اشتهرت حادثة ملاحقة المفكر جارودي، وتعرضت السلطة الفرنسية لانتقادات حادة وواسعة، من قبل مفكرين ومثقفين ومهتمين في داخل فرنسا وخارجها.

مثل آخر، على الموقف الفرنسي من حرية التعبير، هو ما شهدته الساحة الفرنسية من سجالات فكرية حول الهوية، وتغول الثقافة الأمريكية فيها. فقد كانت قنوات التلفاز الفضائية تعرض أفلام هوليود بشكل مكثف. وقد وجد مثقفون فرنسيون في ذلك تهديدا مباشرا للثقافة الفرنسية، وإيذانا بانقراضها لصالح ثقافة اليانكي الأمريكي. فكانت النتيجة أن صدرت قرارات من الحكومة الفرنسية، تقنن حضور السينما الأمريكية في فرنسا، وتحدد عدد الأفلام التي يمكن بثها يوميا في القنوات الفرنسية.

في الحالات الثلاث، منع الأفكار النازية والتشكيك في المحرقة ووضع حد لاختراق السينما الأمريكية خرجت الحكومة الفرنسية بشكل واضح وصريح، عن نصوص الدستور الفرنسي، التي لا تضع حدودا على حرية التعبير. وكان المبرر لذلك هو الحرص على الأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي والحفاظ على الهوية في البلاد، وتجريم ثقافة الكراهية.

لماذا إذن لا يشمل ذلك الرسوم الكاريكاتورية، التي لا تسيء إلى علاقة فرنسا بالعالم الإسلامي فحسب، بل تسيء إلى ما يقدر بعشرة ملايين مسلم، جلهم من العرب يحملون الجنسية الفرنسية، ويفترض في الدستور الفرنسي أن يوفر لهم حقوق المواطنة، بما في ذلك الحماية، وكفالة حقوقهم الدينية وعدم التعرض إلى يقينهم ومقدساتهم.

وليس منطقيا التعلل بما حدث من هجمات إرهابية، واعتبار ذلك ذريعة للتهجم على الإسلام والمسلمين. ففعل الإرهاب مجرم ومدان. وإسقاطاته هي على الجميع، من غير استثناء. وهو لم يقتصر على أتباع دين دون غيره. والمسلمون هم أول ضحاياه. وهم الذين يقتلون بالعشرات يوميا، على يد حركات الإرهاب، في سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر.

وعلى هذا الأساس، فإن التعامل مع الإرهاب، ينبغي أن يوجه إلى الإرهابيين، باعتبارهم قتلة ومجرمين، دون أن يسقط ذلك على شعب بعينه أو دين، وإلا تحولت العقوبة إلى حالة جماعية تشمل مليار مسلم، هم أول من يعانون من جرائم الإرهاب.

نعم لحرية التعبير، وضد ثقافة الكراهية، ونرفض سياسة الانتقاء وازدواجية المعايير، والكيل بمكاييل مختلفة. وينبغي في كل الأحوال، أن لا تدفعنا هذه الحوادث إلى التشرنق والعزلة، رغم شراسة الهجمة علينا. فسبيلنا إلى التقدم والتنمية والنهضة، هو أن نكون في خضم الحراك العالمي الرحب والفوار والمتحرك.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اثنان × 3 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي