زلزال بريطاني يهز الاتحاد الأوروبي

0 477

 

اختار البريطانيون، في اقتراع عام، الخروج من الاتحاد الأوروبي. وذلك يعني في أبسط أبجدياته، أن القوة الاقتصادية الثالثة في القارة الأوروبية، لم تعد جزءا من وحدة أوروبا. وعلى الرغم من أن الوقت لا يزال مبكرا، للتنبؤ بالأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية لهذا الحدث، لكن كثيرا من المؤشرات تجعلنا نتجرأ على الخوض فيها من غير تردد.

فالحدث بحد ذاته، يمثل شرخا كبيرا، في حلم كبير ظل يراود الأوروبيين، لأكثر من سبعة قرون، منذ أيام الحروب الصليبية، وتغنوا به، ومثل تحقيقه بالنسبة لهم، وللعالم ما هو أقرب إلى المعجزة. وقد جعل قيام الاتحاد الأوروبي، من القارة الأوروبية القوة الاقتصادية الثانية عالميا، بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

وبالإمكان الآن، تصور ماذا يعني انهيار هذا الحلم بالنسبة للأوروبيين، الذين راهنوا على استمرار الوحدة، رغم التحديات التي واجهها الاتحاد، منذ تأسيسه في مطالع السبعينيات من القرن المنصرم. فالولادة لم تكن يسيرة أبدا، ولم يكن الطريق التي مضت عليه يسيرا وسهلا.

ولعل الخروج البريطاني منه، هو نتاج تراكم مرير للتداعيات التي مر بها الاتحاد عبر مسيرته، التي امتدت قرابة نصف قرن من الزمن. فهذه الوحدة لم تنشأ بين ليلة وضحاها، ولم يعززها نص فكري متكامل، يملك قابلية التطبيق على أرض الواقع. لقد تبلور المشروع تدريجيا، وانتقل من صيغة سوق أوروبية مشتركة، بدأ التهيؤ لها إثر نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة، وباتت أمرا واقعا في بداية الستينيات، حيث كانت فرنسا وألمانيا ركنيها الأساس.

ولا شك أن النظر إلى الخريطة السياسية للقارة الأوروبية، يجلي بعض الصعوبات التي واجهتها لحظة التأسيس للاتحاد. فالدولة الأوربية، تمثل كل منها، في الغالب أمة قائمة بذاتها، لها لغتها وتاريخها وثقافتها الخاصة. ويعاني بعضها مشاكل اثنية خاصة في الداخل، حيث تطالب أقليات قومية بالاستقلال، كما هو الحال في إسبانيا، مع الباسك، وبريطانيا مع اسكتلندا وإيرلندا.

وقد عاشت القارة الأوروبية، حروبا ضارية بين دولها، امتدت عشرات السنين. وفي القرن الماضي، شهدت القارة حربين عالميتين مدمرتين، حصدت الأخيرة منهما أكثر من سبعين مليون قتيل، وعشرات أمثالهم من الجرحى.

يضاف إلى ذلك، أن الدول الأوروبية، التي تشكل الاتحاد، تتفاوت كثيرا في قدراتها الاقتصادية، والعسكرية، كما تتفاوت بشكل كبير، في حجومها وتعداد سكانها، وفي ثرواتها وإمكانياتها العلمية والصناعية. وكان كل اختلاف يضيف معضلات جديدة إلى مسيرة الاتحاد.

علاوة على ذلك، فإن البنية الهيكلية لهذه الدول وعقائدها السياسية، وبشكل أكثر تحديدا أوروبا الشرقية، تختلف جذريا إلى ما قبل سقوط الاتحاد السوفييتي، ولم تكن أوضاعهم الاقتصادية بأحسن حال. وحين جرى إدماجهم بالاتحاد الأوروبي، لم يضع صانعوا القرار، في بروكسل، حسابات الأرباح والخسائر. فقد كانوا مدفوعين بطبيعة اللحظة وتجاذباتها، وبمهرجان الفرح وموسم نهاية التاريخ، الذي ساد عموم القارة الأوروبية، احتفاء بسقوط الامبراطورية الشيوعية.

لقد فرضت الأحداث المتلاحقة، وانضمام أعضاء جدد إلى الاتحاد، الذي تأسس عام 1973م، بتسعة أعضاء، لتصل عبر محطات عدة إلى خمسة وعشرين عضوا عام 2004. وكان على مركز الاتحاد أن يعيد صياغة تركيبته عند انضمام عضو جديد، أخذا بعين الاعتبار، إمكانيات العضو الوافد، والمساهمة في حل أزماته الاقتصادية، ومعالجة الإشكاليات الناجمة عن تحول البلدان الاشتراكية إلى الطريق الديمقراطي، ودمجها بمسيرة الاتحاد.

ليس ذلك فحسب، بل إن على قيادة الاتحاد أن تعيد النظر في كل مرة يلتحق بها عضو جديد في آلية صنع قراراتها، ونسبة تمثيل كل عضو داخل الاتحاد.

وحين نعود إلى الفريق المؤسس، نرى أن الدور الأساس كان، ولا يزال لفرنسا وألمانيا. وهما أُمتان عظيمتان، عاشتا حروبا ضروسة في مواجهة بعضهما البعض، انتهت الحرب الأخيرة، باحتلال ألمانيا النازية لفرنسا. ويمكن أن نتصور حجم الصعوبات التي واجهها الاتحاد، حين نطل على مستوى اعتداد كل منهما بتاريخه وثقافته وأمجاده.

فالفرنسيون، هم من أكثر شعوب أوروبا عراقة، واعتدادا بلغتهم وثقافاتهم. وقد وضعوا كثيرا من المكابح، للحيلولة دون اختراق أفلام هوليود لثقافتهم، ووضعوا لها ساعات محدودة، في إعلامهم المرئي. أما الألمان، فيفاخرون بأنهم من جنس أري، متفوق على كل الشعوب. وينطلقون من داروينية سياسية، تجاه جميع شعوب الأرض.

وليس من شك، في أن التحاق بريطانيا بالاتحاد الأوروبي، عام 1974م، أضاف إشكالات جديدة لبنيته. لقد نظر الأوروبيون باستمرار إلى بريطانيا كامتداد للسياسة الأمريكية، وأنها تابعة اقتصاديا لليانكي القابع خلف المحيط. وعلى هذا الأساس، عارض الرئيس الفرنسي شارل ديجول، ذو النزعة القومية الواضحة، التحاق بريطانيا بالسوق الأوروبية المشتركة. ولم يتمكن البريطانيون من الدخول إلى السوق، إلا بعد مغادرة ديجول موقعه الرئاسي في قصر الأليزيه.

لقد مثلت علاقة بريطانيا بالولايات المتحدة الأمريكية، إشكالية دائمة بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فهناك ما يشبه الاندماج التام في الثقافة البريطانية والأمريكية. وصناع السياسة الأمريكية هم في الغالب من البروتستانت الذين غادروا انجلترا إثر فشل الثورة الانجليزية، التي قادها المتطهرون، بزعامة أوليفر كروميل.

ويسجل المهتمون بتاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، أن جميع رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، باستثناء جون فرانكلين كنيدي هم من المسيحيين البروتستانت. وينحدر معظمهم من الأسلاف الذين هربوا من الاضطهاد الكاثوليكي، بعد فشل ثورة المتطهرين. وقد ظل هؤلاء وأحفادهم أمناء لإرثهم البريطاني، حتى يومنا هذا.

في هذا السياق، يأتي انفصال بريطانيا، عن الاتحاد الأوروبي، تماهيا مع بنية نفسية خاصة، وتجانسا مع انتماء للثقافة الأنجلو سكسونية.

تلك مقدمة لازمة لسلسلة من الأحاديث، سننشرها تباعا، بإذن الله، عن تداعيات الخروج البريطاني من الاتحاد على القارة الأوروبية وعلى العالم بأسره.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

واحد × 2 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي