روسيا وتركيا في مواجهة الأزمة

0 420

زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تركيا قبل عدة أسابيع، والتقى برئيس حكومتها، رجب طيب أردوغان، وانتهت الزيارة بنقلة استراتيجية في العلاقة بين البلدين، الذين شهدت علاقاتهما لحقبة طويلة توترات سياسية عديدة.

لقد توجت الزيارة بتوقيع عدة اتفاقات اقتصادية، على رأسها، قيام روسيا بمد أنبوب للغاز، يمر عبر الأراضي التركية، إلى أوروبا، وصولا إلى البحر الأسود، لتصديره إلى أوروبا، وبطاقة سنوية 63 مليار متر مكعب، بينها 14 مليار متر مكعب ستذهب إلى تركيا لتكون بديلا عن أوكرانيا. وبتطوير العلاقات الاقتصادية بينهما، في مختلف المجالات.

لقد شكل هذا اللقاء، وما نتج عنه من توافقات استراتيجية، نقطة تحول في تاريخ البلدين، المشوب بصراعات طويلة، منذ عهد السلطنة العثمانية، وقياصرة روسيا، حتى يومنا هذا. وكان لروسيا القيصرية دور مشارك في الإطاحة بالسلطنة العثمانية. ولم تخرج روسيا من الحرب العالمية الأولى، إلا بعد سيطرة الشيوعيين على الحكم. كان هناك باستمرار موقف روسي عدائي تجاه سياسات الأتراك بحق الأرمن والشراكسة.

وإثر سقوط السلطنة، وبروز الحقبة الكمالية التركية، اتجهت تركيا الجديدة بقوة نحو الغرب. وحين انتهت الحرب العالمية الثانية، وتشكل حلف الناتو، انضمت تركيا إلى عضويته، بما وضعها، خلال الحرب الباردة، في الصف المعادي للاتحاد السوفييتي. وكان دورها بارزا في الأحلاف العسكرية، التي تشكلت لتحاصر السوفييت في خاصرتهم الجنوبية. فكانت عضوا فاعلا في حلف بغداد ومعاهدة السنتو، إضافة إلى عضويتها في الناتو، مما جعلها أداة فاعلة في القوس الممتد من باكستان شرقا، إلى تركيا غربيا، لتطويق الاتحاد السوفييتي.

ومن هنا تأتي أهمية هذا التحول الاستراتيجي في العلاقات بين البلدين. فقد فتح صفحة جديدة، وطوى سنين من الكراهية والقطيعة بين البلدين.

إن قراءة التطورات الأخيرة، في العلاقة بين روسيا وتركيا، ستكون صعبة وغير كافية، من غير وضعها في سياق سعي تركيا المستمر، للانضمام بالاتحاد الأوروبي. والذي ظل يصطدم برفض الأوربيين، تحت ذريعة عدم استيفاء تركيا لمعايير حقوق الإنسان. وقد ظلت تركيا لحقب طويلة تغالب التوجه نحو البلدان العربية، منذ نهاية السلطنة، عدى الدول التي ارتبطت معها بمعاهدات وتحالفات عسكرية، في الخمسينات من القرن المنصرم.

وحين سقوط الاتحاد السوفييتي، ومعه دول الكتلة الاشتراكية، في أوروبا الشرقية، أمسى الاقتصاد الحر نهجا للقارة الأوروبية. وتحولت علاقة روسيا، مع الغرب من حالة الصدام إلى الشراكة. وجرى تعاون مشترك بين الشرق والغرب في مختلف المجالات, وانضمت دول أوروبا الشرقية تباعا للاتحاد الأوروبي. واتجهت روسيا نحو تعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية بخصومها السابقين، ومن ضمنهم تركيا.

ومرت روسيا، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي بمرحلة صعبة. فلم يكن سهلا الانتقال من نظام سياسي واقتصادي، لنظام آخر، من غير تكاليف. لقد بهت دورها الإقليمي، وتعطل حضورها في المسرح الدولي. لكن تعافيها السريع، الذي ارتبط بقيادة بوتين، بعث الرغبة، باستعادة دورها الإقليمي والدولي. فكان تدخلها في جورجيا، وأكرانيا، وتحالفها مع الصين، واستخدامها المتكرر لحق النقض، الفيتو في مجلس الأمن الدولي.

لقد جددت سياسات بوتين، أجواء الحرب الباردة. وأدت لصدام بلاده مع الغرب. ففرض الأخير عقوبات اقتصادية على بلاده. وكان من نتيجة ذلك، أن بدأت القيادة الروسية في البحث عن مخارج لأزمتها الاقتصادية. فاتجهت نحو الشرق. وتأتي زيارة بوتين هذه سياق السعي لإيجاد متعاملين جدد في مجال استيراد الغاز والنفط. والعمل على الفكاك من الحصار الاقتصادي، المفروض من أمريكا والغرب على بلاده.

من جهة أخرى، توجهت تركيا للجنوب، بعد فشلها في الانضمام للاتحاد الأوروبي. وحين توصل حزب العدالة والتنمية للسلطة، طرحت حكومة أوردغان شعار صفر مشاكل. وعززت علاقتها بالحكومة السورية. وتبنت مواقف مناصرة للقضية الفلسطينية، فأرسلت السفينة التركية مرمرة، محملة بالأدوية والأغذية، لقطاع غزة، كتعبير عن رفضها للحصار المفروض على القطاع، الذي تديره حركة حماس، المرتبطة مع حزب الحرية والعدالة في الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين. وقد تعرضت البحرية الإسرائيلية لها قريبا من الشواطئ الفلسطينية، وقامت بضربها.

هذه الصورة تغيرت فجأة، بعد حدوث “الربيع العربي”. فقد اتخذت تركيا مواقف مؤيدة للإخوان المسلمين. وساد أردوعان إحساس بأن العثمانية تبعث من جديد. وقف مؤيدا لثورات تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، وأتبع ذلك بالتدخل المباشر في السياسات الداخلية للدول العربية.

وحين اندلعت الأزمة السورية، عمل أوردوغان على استثمارها وبدأ يتحدث عن تبعية حلب وريفها للأتراك. وكان الموقف الروسي قد حال بينه وبين أحلامه. عول كثيرا على الأمريكيين ودول الاتحاد الأوروبي على التدخل العسكري، كما حدث في ليبيا، وتمكينه من الاستيلاء على حلب، لكنهم خيبوا أمله في تحقيق ذلك.

وحين أعلنت الإدارة الأمريكية الحرب على الإرهاب، وقف ضدها، واقترح بدلا عن ذلك إقامة دولة إسلامية بقيادة داعش بمحافظة الأنبار ونينوى والجزء الشرقي من سوريا. وحين لم تستجب الإدارة الأمريكية لمقترحاته، اقترح تشكيل منطقة عازلة في الشمال السوري، على الحدود مع بلاده. ومرة أخرى ووجه اقتراحه الخذلان. فكان البديل هو الاقتراب من روسيا.

سيتواصل التقارب بين روسيا وتركيا، وينتظر أن يعلن في الأيام القادمة، بناء تشكيل مجمع روسي للغار في تركيا، على الحدود اليونانية. لكن هذه العلاقة لن تتسبب في حدوث تغيير بطبيعة تحالف تركيا مع الغرب. وفيما يتعلق بالأزمة السورية، فأن الطرفين أكدا اختلاف مواقفهما حول سبل حل الأزمة. ورغم ذلك، فإن من المستعبد أن لا يؤثر تطور العلاقات، على التوصل إلى صفقات وحلول أكثر واقعية تجاه هذه الأزمة، بين البلدين.

روسيا وتركيا، تعانيان من عزلة دولية خانقة، وعجز في الميزان المدفوعات، ولعل هذا التقارب هو الخطوة العملية التي لا مناص منها، لفك هذه العزلة، وتحسين أوضاعهما الاقتصادية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

11 + ثمانية عشر =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي