خطوة أمريكية أخرى باتجاه بلقنة العراق

0 451

قبل أقل من عشر سنوات، تبنى الكونجرس الأمريكي، قرارا غير ملزم تقدم به النائب السابق، ونائب الرئيس الأمريكي، جوزيف بايدن قضى بتقسيم العراق لثلاث دول: دولة كردية في الشمال، وأخرى شيعية في الجنوب وثالثة، فيما صار يعرف بالمثلث السني.

الخطوة الجديدة التي تبناها الكونجرس الأمريكي، وإن كانت لم تشير مباشرة إلى تقسيم العراق، لكنها في نتائجها، تشكل خطوة عملية على طريق وضع مشروع بايدن قيد التنفيذ.

وقد جاءت هذه الخطوة في صيغة مشروع تقدم به النائب ماك ثورنبير رئيس اللجنة العسكرية بمجلس الشيوخ الأمريكي، طالب فيه وزيري الدفاع والخارجية، في حكومة الرئيس أوباما بمطالبة الحكومة العراقية إعطاء السنة والكرد دورا أكبر في الحكم، وبشكل خاص في قتال تنظيم داعش.

ولا شك أن من الصعوبة عزل هذا المشروع، عن المحاولات الأمريكية، التي دأبت عليها الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ مطالع التسعينيات من القرن المنصرم، باتجاه تقسيم العراق. وكانت بداية ذلك خريطة الحظر الجوي التي نفذتها إدارة الرئيس كلينتون، والتي رسمت السيناريو الأول لشكل الخارطة المرتقبة، لما صار يعرف ﺒ”العراق الجديد”.

لقد ترسخت خريطة الحظر الجوي هذه بعد الاحتلال الأمريكي للعراق مباشرة، بعد الإعلان عن العملية السياسية، التي هندس لها المندوب السامي الأمريكي السفير بول برايمرز، العملية التي شكلت الهيكل السياسي للعراق، على أساس المحاصصة بين الطوائف والأقليات، وغيبت مفهوم المواطنة.

ولم يكن تحقيق ذلك بالأمر السهل، من غير تزامن تطبيقه، مع التدمير الممنهج للدولة، وحل الجيش العراقي، والتنكيل بالمعارضين العراقيين للاحتلال الأمريكي. وأيضا مع تحفيز لروح الانتقام والثأر، وهجمة حاقدة على تاريخ العراق، ومرتكزاته الثقافية، شملت المتحف العراقي وجامعة بغداد، ودور الكتب ومؤسسات الدولة. وكان للغوغاء ولقادة الميليشيات التي قدمت مع الاحتلال وعلى ظهور دباباته الدور الأكبر في اغتيال العراق.

وقد كانت تلك الأحداث موضع تغطية من مختلف وسائل الإعلام العالمية، بما في ذلك الصحافة والقنوات الفضائية الأمريكية. لكن وزير الدفاع الأمريكي في حينه، رامسفيلد لم يتردد عن وصف ذلك بأنه ممارسة أولية للديمقراطية، لشعب لم يتعود لعقود طويلة على ممارسة الحرية. واصفا ما كان يجري في العراق بالفوضى الخلاقة.

كانت مبررات طرح مشروع بايدن لتقسيم العراق، هي وضع حد للعنف والحيلولة دون تحول العراق إلى دولة تعمها الفوضى. ورغم أن القرار المذكور اعتبر غير ملزم، لكن الأحداث التي تلته، أكدت أن عملية تقسيم العراق تجري على قدم وساق.

مشروع النائب ماك ثورنبير، رئيس اللجنة العسكرية في مجلس الشيوخ، هو خطوة عملية باتجاه تنفيذ مشروع التقسيم. فقد رهن المساعدات العسكرية الأمريكية، للحكومة العراقية بإشراك السنة والكرد في الحكم، مطالبا بالإسراع في صياغة تشريع قانون الحرس الوطني.

لقد هددت اللجنة العسكرية في مجلس الشيوخ، بأنها ستحجب المساعدات عن الحكومة العراقية، ما لم يتم الاستجابة لطلباتها، وأنها ستحيل معظمها للكرد والسنة. وذلك يعني افتراض وجود مؤسسات معترف بها تمثل الأقليات والطوائف، وتتلقى الدعم نيابة عنها.

بمعنى آخر، يجيز القانون المقترح من قبل الكونجرس الأمريكي تقديم مساعدات عسكرية، لجهات غير حكومية، تحت مسمى الأقليات في العراق. ويشير صراحة إلى أن 25% من المساعدات العسكرية الأمريكية ستقدم لهذه الأقليات، لكن تنفيذ الصرف سيتم بالتنسيق مع حكومة بغداد. إلا انه يعود للمراوغة مرة أخرى، مؤكدا نية التقسيم، بالإشارة إلى أن 60% من اﻟ25% ستعطى مباشرة إلى السنة والكرد إذا كانت إدارة أوباما لا ترى أن هناك “تقدما مرضيا” تقوم بها الحكومة العراقية لإدماج الأقليات وإطلاق سراح بعض السجناء الذين لم توجه لهم أية تهم، ومعالجة المظالم السياسية.

الأمر الخطير في هذا المشروع، هو أنه يعكس رغبة صناع القرار الأمريكي، في التعامل مع قوات البشمركة ومقاتلي العشائر السنية ككيانين منفصلين عن الجيش العراقي بحيث تستطيع أمريكا تقديم الدعم المباشر لهم دون حاجة للرجوع للحكومة العراقية. وذلك ما يدشن الأرضية لتطبيق مشروع بايدن سيء الذكر حول تقسيم العراق.

إن القرار آنف الذكر، يوكل إلى قوات البشمركة الكردية وقوات العشائر السنية مهمة الأمن الوطني في مناطقهم. وسوف يكون الحرس الوطني السني المزمع إنشاؤه، المعادل لقوات البشمركة في المناطق الكردية، وللجيش العراقي، في المناطق المتبقية تحت سلطة بغداد. بحيث يتقسم العراق لثلاث دول منفصلة، لا سيطرة للحكومة المركزية عليها.

ولن يغير من طبيعة الموقف شيئا، تصريح السفارة الأمريكية في بغداد، بأن قرارات الكونغرس الأمريكي لا تعكس بالضرورة السياسة الخارجية المتبعة حيال الدول، وأن الذي يمثل هذا التوجه هو الرئيس باراك أوباما الذي بإمكانه استخدام حق النقض لإبطال مشروع الكونغرس، فالقرارات التشريعية، إذا ما جرى تكرارها تتحول إلى أمر واقع، وسوف تشكل عنصر ضغط حقيقي على صانع القرار الأمريكي ولن يكون بمقدور أي رئيس نقضها في المستقبل.

التجارب التاريخية، للعلاقة مع أمريكا تؤكد أن قرارات الكونجرس، لا تسقط بالتقادم. وأنها ترصف الأرضية لقرارات مستقبلية حاسمة. والرغبة الأمريكية في تقسيم العراق لم تبدأ الآن، بل جرى الحديث عنها منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، كمنطقة رخوة، وأعيد التأكيد على التقسيم، بطرق مختلفة، منذ عام 1990، واعتبرت مناطق الحظر، صورة لعراق المستقبل.

رفض تقسيم العراق، ليس مجرد نداء عاجز، تطلقه القوى التي أسهمت في تنفيذ العملية السياسية، التي قسمت العراق بين الطوائف والأقليات. ورفض مشروع التقسيم لن يكون جديا، ما لم يبدأ برفض العملية السياسية التي شيد النظام الحالي استنادا عليها.

إن تحقيق المصالحة الوطنية، وبناء جيش عراقي قوي، وإلغاء الميليشيات الطائفية، وعودة العراق إلى محيطه العربي، وإلغاء قرارات الاجتثاث، إعادة الاعتبار للهوية التي صنعت تاريخه. هي خطوات جوهرية على طريق مناهضة بلقنة العراق، وما لم يتم تحقيق ذلك فلن يكون أمام العراق سوى المزيد من الفوضى والأعاصير.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

8 + 15 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي