حول قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار في غزة

2

​​​​​​​​​​د. يوسف مكي
في يوم الاثنين الموافق 25 من شهر مارس/ آذار صوت مجلس الأمن الدولي، على “وقف فوري لإطلاق النار بين حركة حماس وإسرائيل، خلال شهر رمضان، ما يفضي إلى وقف دائم ومستدام لاطلاق النار”. وقد تم التصويت عليه دون معارضة، وامتنعت الولايات المتحدة عن التصويت، ولم تستخدم حق الفيتو، كما كان معتادا بالمرات السابقة. واللافت للنظر هو التصويت البريطاني لصالحه، وهو أيضا ما لم يكن معتادا، في السنوات الأخيرة، حين يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.
وقد قدم مشروع القرار المذكور، من قبل العشرة أعضاء غير الدائمين بمجلس الامن الدولي، بقيادة موزنبيق. ورغم دقة الكلمات التي صيغ بها القرار، والموقف الحاسم، المطالب بالوقف الفوري لاطلاق النار، فإن الإدارة الأمريكية، باتت تكرر أن هذا القرار غير ملزم، بما يشي بنواياها بالالتفاف عليه، وتجريده من أي معنى. ولا شك أن الموقف الأمريكي، شجع الجانب الإسرائيلي، على التمسك باستمرار الحرب، ورفض القرار المذكور، رغم ما يذكر عن توترات بين الحليفين الأمريكي- والأسرائيلي، وبخاصة حول الهجوم المرتفب على معبر رفح.
فسفير إسرائيل بالأمم المتحدة، حلمان أردان اعتبر القرار امتناع عن إدانة ما أقدمت عليه حماس، من هجوم على إسرائيل، في السابع من أكتوبر من العام الماضي، لكنه رحب بإدانة المجلس لأخذ الرهائن، معتبرا ذلك جريمة حرب، الى أنه في نفس الوقت، أشار إلى أن على مجلس الأمن أن لا يكتفي بالكلمات فحسب، بل ينبغي أن يتخذ اجراءات حقيقية من أجل إطلاق سراح الرهائن.
إدارة نتنياهو، ألغت رحلة كان من المقرر، أن يقوم بها اثنان من المسؤولين الإسرائيليين لواشنطن، وذلك احتجاجا، على عدم استخدام أمريكا حق النقض ضد قرار مجلس الأمن المذكور. المتحدث بإسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، جون جيربي أكد من جانبه، أن الاجتماعات المقررة بين وزير الدفاع الإسرائيلي، يوأف غالانت ومستشار الأمن القومي الأمريكي، جيك سوليفان ستمضي قدما حتى النهاية.
وقد أكد كيربي، أن امتناع بلاده، عن التصويت، ضد قرار مجلس الأمن الدولي، لا يعني تغيرا في موقفها السياسي، تجاه إسرائيل. وكان هذا القرار، قد صدر بعد فشل مشروعين صاغتهما الولايات المتحدة، واستخدمت روسيا والصين معا، حق النقض تجاههما، لأنهما كانا مسيسين، من وجهة نظرهما.
ومن وجهة نظر كثير من المتابعين للسياسة الأمريكية، ومن ضمنهم أعضاء بارزين بالكونجرس الأمريكي، فإن السياسة الأمريكية تجاه العدوان الاسرائيلي على غزة، تتسم بالمراوغة والكذب. فعضو الكونجرس بيرني ساندر، صرح بأنه يجد صعوبة في فهم عدم تحرك الكونجرس لوقف معاناة الفلسطينيين، ووقف الكارثة الإنسانية، التي يواجهونها في غزة. وقال أن بلاده متواطئة في المأساة التي يعيشها ملايين الفلسطينيين. وصرح بأنه لا يمكن أن تظل أمريكا منحازة على الدوام لأسرائيل، داعيا لمعاملة الشعب الفلسطيني باحترام وكرامة، لاحلال السلام في المنطقة.
إن الولايات المتحدة، حسب ساندر يجب أن تتوقف عن سياسة النفاق، فلا يمكن لإدارة بايدن إدانة سلوك إسرائيل، وارتكابها لجرائم حرب، وفي نفس الوقت تزويدها بأحدث الأسلحة والقنابل والعتاد لتضرب به الفلسطينيين. إن من شأن ذلك أن لا يعطي أي مصداقية لموقف الأمريكيين تجاه عمليات الإبادة التي تشنها إدارة نتنياهو بحق سكان غزة. وأشار أنه لا يمكن استجداء نتيناهو للتوقف عن قصف المدنيين، وفي اليوم التالي نرسل له آلاف القنابل.
إن ما يحدث في غزة، بحسب ساندر، هو كارثة إنسانية مروعة، بكل المقاييس، وأنه ينبغي التوقف عن القصف، والقبول بوقف إطلاق النار والسماح بمرور المساعدات الإنسانية والوقود لأهالي قطاع غزة. وأدان منح إدارة الرئيس الأمريكي بايدين، عشرة مليارات دولار إضافية لحكومة نتنياهو، لمواصلة حربه الفظيعة ضد المدنيين الفلسطينيين، واعتبرها خطوة غير مسؤولة,
يبدو أن المجتمع الدولي، لا يزال عاجزا عن وقف المذبحة التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطيين، والتي يوشك شهرها السادس على الانفراط. والمؤكد أن التواطؤ الأمريكي مع العدوان، الذي يصل حد الشراكة في حرب الإبادة، هو من أهم أسباب هذا العجز.
والأنكى هو تزامن حرب الإبادة بحرب التجويع، التي لا سابقة لها في التاريخ المعاصر. فقد نقلت قنوات التلفزة، صورا مريعة، لأطفال تحولوا إلى هياكل عظمية، نتيجة لانعدام الطعام والماء. وقد ذكرت بعض التقارير، عن مشاهدات لأطفال يشربون من مياه شيش الدخان القديمة، للتخلص من عطشهم. كما بدأت الأخبار في التواتر عن حالات وفاة لعدد من الأطفال نتيجة حرمانهم من الطعام والماء والدواء.
وقد أعلنت وزارة الصحة في القطاع، أن أكثر من عشرة مستشفيات في غزة، خرجت تماما عن الخدمة، بسبب تعرض بعضها للقصف الإسرائيلي، ومصرع عدد من الأطباء وطواقم التمريض.
المطلوب الآن، بدلا من الاستغراق في الأوهام حول أكذوبة بايدن بتبني قيام الدولة الفلسطينية، أن تتوقف حرب الإبادة على غزة، وأن يتركز الجهد العربي، على تحقيق سلام مستدام، يحمي أرواح الفلسطينيين ويصون ممتلكاتهم، ويمكنهم من حق تقرير المصير. والقيام بهذه المهمة، عمل قومي ووطني وإنساني وأخلاقي ونبيل، وليس فرض كفاية.

التعليقات مغلقة.

د.يوسف مكي