حول قرار مجلس الأمن المتعلق بنقل السلطة للعراقيين

0 191

في التاسع من يونيو/حزيران 2004 أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1546 القاضي بالموافقة على المشروع الأمريكي المعدل بنقل السلطة إلى العراقيين بنهاية هذا الشهر يونيو/حزيران عام 2004، وإقامة حكومة عراقية مستقلة، وإحلال قوات تابعة للأمم المتحدة، متعددة الجنسية لتحل محل قوات الإحتلال.

 

ولا شك أن تحرر العراق وخروج قوات الإحتلال منه، وعودته إلى الحظيرة العربية ليؤدي دوره في تقوية العمل العربي المشترك هو شيء إيجابي، ومطلب وطني وقومي، من البديهي والمنطقي التسليم به وتأييده. لكن جملة من الأمور المتعلقة بالمسألة العراقية والتداعيات التي مرت بها، قبل وبعد العدوان الأمريكي على العراق، وإلغاء دولته كياناً وهوية، والتغيرات الأخيرة التي طرأت على الموقف الدولي، وبخاصة مواقف القوى الكبرى تجعل من العسير إصدار موقف إيجابي وواضح تجاه قرار مجلس الأمن هذا. وتلك الأمور هي بالدقة ما سنحاول تسليط الضوء عليها في هذا الحديث.

 

وحين تعود بنا الذاكرة إلى تاريخ العراق الحديث، نجد أن هذا القطر هو عضو مؤسس للأمم المتحدة التي أعلن بيان تأسيسها في مدينة سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وهو عضو مؤسس أيضا في جامعة الدول العربية، وعضو مؤسس في كتلة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومؤتمر القارات الثلاث. وله عضوية بمعظم المؤسسات الدولية بتخصصاتها المختلفة، وفي مقدمتها منظمة الأوبك والإياتا وحماية البيئة.. بمعنى أن العراق لم يكن بلدا مستعمرا، بل أنجز استقلاله منذ عام 1920، بعد ثورة شعبية ضد المستعمرين البريطانيين، شملت مدنه وقراه وأريافه. وكان هذا البلد في مقدمة الأقطار العربية التي تصدت للمشروع الصهيوني، فقد شارك جنوده في معظم الحروب والمعارك التي خاضها العرب دفاعا عن أنفسهم وعن كرامتهم في فلسطين.

 

هذه المقدمة تدفع بنا إلى الحديث عن مفهوم الاستقلال ذاته. فالاستقلال كما نفهمه هو محتوى ومضمون، محتواه السيادة على الأرض، ومضمونه الإرادة المستقلة والقدرة على استخدام الثروة واستثمارها، وتحقق الإندماج الوطني ووضوح الهوية. ذلك يعني أن الاستقلال بالدرجة الأولى شأن متعلق بالبلد، وما يحتضنه من أفراد ومواريث وهوية. ونحن هنا في الواقع إزاء معضلة صعبة، فالعراق الآن بحكم ما هو واقع فعلا على الأرض defacto لا يزال محتلا من قبل قوات أجنبية معتدية، بحكم القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة. والحديث عن الاستقلال يجب أن تتوافر فيه الشروط التي أشرنا لها، محتوى ومضمونا. وفي الحقيقة، فإننا نجد في حديث مجلس الأمن عن استقلال العراق، وفي كل ما جرى من مناقشات حول هذا الموضوع، أمرا مستهجنا يصل حد الاستخفاف بعقولنا وقدرتنا على الفهم. كيف لنا أن نقتنع بأن قيام المحتل بتنصيب عصبة من أعوانه والمؤتمرين بأوامره في مراكز، تفتقد في حدها الأدنى القدرة على صناعة القرار وتنفيذه، وتنفذ مخططات ومشاريع قوات الإحتلال، وتساهم معه في تحقيق القطيعة الوطنية وإلغاء الهوية القومية أن ذلك استقلالا، بل أنه استقلال كامل غير منقوص.

 

نحن إذا إزاء قضية جوهرية تتعلق بقرار مجلس الأمن، موضوع حديثنا هذا. ذلك أنه النسبة لما هو متوفر لدينا من معايير، فإن الأرض العراقية، التي يستمد مفهوم الاستقلال قوته المادية منها، ليست أرضا مستقلة، ولا القيادة التي أسندت لها “مجازا” السلطة في البلاد تملك سلطة اعتبارية حقيقية. فهذه السلطة لا تعبر عن إرادة العراقيين، ولا هي منتخبة منهم، وقد جيء بها، بكل تأكيد، لتشرعن للاحتلال وتنفذ مخططاته.

 

ولكي لا يكون كلامنا إغراقا في المجهول، نقول إن كل شروط الإستقلال، لا يتوفر منها شرط واحد بالنسبة لواقع العراق في الحاضر. فمن نافلة القول أنه لا توجد سيادة على الأرض، مع وجود ما يقرب من الربع مليون جندي أجنبي فوق أرض هذا البلد، بالضد من إرادة شعبه. فذلك ما يتنافى ابتداء مع مبدأ استقلال الأرض، هذا إذا افترضنا جدلا وجود القرار المستقل لدى أعلى الهرم في السلطة. أما وأن الأرض محتلة والقيادة لا تملك إرادة القرار، فإن غياب مفهوم الاستقلال يصبح مضاعفا.

 

وليس تجاوزا أن نقول إن القوات المعتدية ساهمت في تفتيت وحدة الأراضي العراقية منذ عام 1990م، حين عزلت المناطق الشمالية، المعروفة بالكردية عن بقية أراضي العراق، وأقامت حكما ذاتيا تابعا لها. وحتى ذلك الحكم الذاتي نفسه لم يسلم من التفتيت فقد تقاسم حكمه مناطقيا حزبا البرزاني والطالباني. ومن جهة أخرى، ساهم القرار الأمريكي بفرض مناطق حظر جوي في زيادة العزلة بين أبناء الوطن الواحد، وإضعاف العلاقة بين المناطق الجنوبية والمركز في بغداد. وقد تعزز هذا النهج، بعد الإحتلال مباشرة، بإعلان الفيدرالية التي هي في أحد أوجهها تنفيذا دقيقا، على الأرض، لذات الخطوط والمناطق التي تضمنها قرار فرض الحظر الجوي منذ بداية التسعينيات. وذلك يعني أن مصالح العراقيين لم تأخذ بالاعتبار، عند صياغة نظام فيدرالي قائم على أسس محاصصات طائفية واثنية. وهو أمر لا تقبل به شعوب العالم المتحضر، ومن ضمنهم الشعب الأمريكي، الذي تمزق حكومته أوصال العراق. فهذا الشعب عودنا على التفاخر بأن سر عظمته وقوته تكمن في أن أرضه إناء صهر واندماج melting pot للملايين من الشعوب التي هاجرت من مختلف بقاع العالم.

 

لا يمكن أن يقتنع عراقي أن تقسيم بلاده، وإلغاء حالة الإندماج والوحدة بين العراقيين سيكون في مصلحته. ويزيد في الطين بلة، أن ذلك يترادف مع محاولات أخرى تجري على قدم وساق لإلغاء الهوية العراقية، من خلال التنكر لانتمائها القومي. فهذا البلد العربي العريق، الذي كان حاضرة لحكم العباسيين، والذي انطلقت منه مدارس الفقه والنحو والأدب والفلسفة والتدوين، من الكوفة والبصرة، يراد له أن لا يكون بلدا عربيا، بحكم القانون الذي وضعته قوات الإحتلال، ولكنه يضم عربا عراقيين. هكذا، بالتوازي، يعمل الغزاة على إلغاء الهوية الوطنية والقومية لما بين النهرين. ولن نأت بجديد إذا قلنا أن الثروة العراقية، بموجب منطوق قرار مجلس الأمن الدولي 1546 سوف تبقى تحت هيمنة المحتل، وإن ورد ذلك بمسميات “أممية” مختلفة. ولسوف يستمر شعار “النفط مقابل الغذاء” السيء الذكر، والذي تسبب في موت مئات الألوف من العراقيين، ولكن بيافطة جديدة.

 

كان من المنطقي، أن يلتزم مجلس الأمن الدولي بالمواقف التي تبناها قبيل الحرب، والتي تمثلت في رفض العدوان على العراق، خاصة وأن تلك المواقف كانت منسجمة تماما مع الأهداف المنصوص عليها في ميثاق هيئة الأمم المتحدة، وهي حماية الأمن والسلم الدوليين. أما تمرير القرار الأمريكي، والقبول بمخططاته، على اعتبار أن الاحتلال أصبح أمرا واقعا، فإنه تنكر للشرعية الدولية وخروج على ميثاق هيئة الأمم الذي يفترض في المجلس رعايته وحمايته. إضافة إلى أن من شاركوا في صنع القرار، بل أولئك الذين كان لهم الدور الأساس فيه، هم القوى التي اضطلعت بمشروع العدوان وتنفيذه، وهما الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. وكلاهما يحتلان مقعدا دائما في مجلس الأمن، ويتمتعان بحق نقض قراراته باستخدام الفيتو. وهنا ينطبق قول الشاعر: فيك الخصام وأنت الخصم والحكم.

 

ولعل هذه واحدة من أهم المعضلات التي واجهتها وتواجهها السياسة الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانبثاق هيئة الأمم المتحدة. فلو أننا قمنا، على سبيل المثال، بحصر الاعتداءات على الشرعية الدولية ومبادئ الأمم المتحدة، لوجدنا أن معظمها نفذت من قبل عضو أو أكثر من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، بما يعني غياب العدل والتهديد المستمر للسلام والأمن الدوليين. ومن سوء طالع البشرية، أن القوة كانت وما تزال هي ميزان العدل بالنسبة للساسة الكبار. فمن يملك السلاح ويملك المال والاقتصاد هو الذي يصيغ القوانين ويملك حق ليها وحرفها متى ما كان ذلك في مصلحته. وقد جاء حق استخدام النقض ليضيف إلى قوة الدول الكبرى ثقلا آخر.

 

وينسحب هذا القول على كثير من القضايا، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني في العودة وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني. فهذا الحق الذي تكرسه مبادئ القانون الدولي وشرعة الأمم، قد ووجه بعشرات الفيتو الأمريكية. ولم يبق لدول العالم الثالث، أو المسحوق، سوى صرخات تائهة في أروقة الجمعية العامة لهيئة الأمم، وتوصيات ما تلبث أن يلفها غبار النسيان. وهكذا فإن استقلال العراق ومستقبله لن تصنعه قرارات الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، ولا مبعوث كوفي عنان بل إرادة العراقيين أنفسهم.

 

أمام هذه الحقيقة الجلية، والواقع الدولي، والإقليمي المرير لن يبقى لدى العراقيين من أمل في طرد الإحتلال واستعادة استقلال بلادهم سوى التماهي مع إيقاع أزيز الرصاص وصوت البنادق، وعمليات المقاومة، وانتفاضة باسلة في الفلوجة، يتردد صداها في بغداد والموصل وكركوك والنجف والكوفة، وبقية مدن العراق وأريافه، معلنة تمسك العراقيين بهويتهم الوطنية والقومية، ودفاعهم عن استقلال بلادهم، في حراك مستمر وبوتائر متصاعدة على طريق صناعة فجر العراق الواعد الجميل.

 

ــــــــــــــــــ

 

yousifsite2020@gmail.com

 

 

د. يوسف مكي

تاريخ الماده:- 2004-06-16

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

5 × خمسة =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي