حول الحرب العالمية على داعش

0 300

 

أخيرا استيقظت إدارة الرئيس الأمريكي أوباما على مخاطر إرهاب داعش على الأمن والسلام. لقد تمكن التنظيم المتطرف، من دحر معظم التنظيمات المسلحة السورية، واستولى على عدد من المحافظات بالكامل،

كمحافظة دير الزور والرقة. ثم انتقل تنظيم داعش إلى العراق، أمام ناظر الأقمار الصناعية، وطائرات التجسس الأمريكية، ذات التقنيات العالية، واستولى على الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى. ورغم صرخات الاستغاثة المتكررة من قبل الحكومة الحليفة في بغداد، لم تحرك الإدارة الأمريكية ساكنا، إلا بعد وصول داعش إلى محافظة أربيل في شمال العراق، وانهيار البشمركة، التي قيل الكثير عن حصانتها، أمام الهجمات العاتية، لقوات داعش، عندها فقط تحركت إدارة أوباما، تحت طائلة تعرض المصالح الأمريكية للخطر. لقد وجد كثير من المحللين في الخطوة الأمريكية الأخيرة، دفاعا عن مشروع تقسيم العراق، وإلا فما الذي يفسر صمت الإدارة المطبق، أمام اعتداءات داعش، التي نتج عنها طرد المسيحيين، من الموصل، الذين شكلوا مكونا أصيلا، في تاريخها لآلاف السنين.

 

ومع ذلك، لا يمكننا الجزم، رغم الضجيج العالي، بأن أمريكا وحلفائها عازمون حقا، على مواجهة داعش. فما تمخض عن اجتماع الناتو مؤخرا، لا يشي بتصميم أكيد على ذلك. فالمجتمعون أكدوا أنهم لا ينوون الدخول في مواجهة عسكرية معها على الأرض، وأنهم سوف يكتفون بضربات جوية على مواقعها. إن ذلك يعيد إلى الذاكرة تجربة المواجهة الأمريكية للقاعدة، في اليمن وأفغانستان وباكستان، التي مضى على بعضها، أكثر من ربع قرن، دون أن تتمكن من تحقيق أهدافها. لقد تضاعف نشاط القاعدة في هذه البلدان، وعجزت حكوماتها، حتى تاريخه عن القضاء عليها.

معضلة أخرى، تواجهها الحملة الأمريكية على داعش، فالذين يقاومون العملية السياسية في العراق، لا يقتصرون على داعش، بل يشاركهم شيوخ العشائر، وكثير منهم كانوا جزءً أساسيا في الصحوات، التي هزمت القاعدة قبل ثماني سنوات. ويشاطرهم في المقاومة أيضا، بقايا الجيش الوطني العراقي، الذي جرى حله بعد الاحتلال مباشرة.

كما تشاطرهم في ذلك، تنظيمات أخرى، لا تحمل أفكارا متطرفة، كأتباع الطريقة النقشبندية، وجيش المجاهدين، وجميعهم رفضوا مبايعة البغدادي بالخلافة. وهؤلاء جميعا سيكونون، لو تم التوجه عمليا نحو تحقيق مصالحة وطنية، عناصر فاعلة ومؤثرة في الحرب على الإرهاب. ولكن ذلك رهن لتحقيق انقلاب سياسي في الفكر، يعيد الاعتبار للهوية الوطنية العراقية، وينهى بشكل لا لبس فيه العملية السياسية التي استندت على القسمة بين الطوائف والأقليات، وصادرت الهوية العربية لبلاد ما بين النهرين.

والمعضلة التي تواجه مشروع القصف الجوي، بدون طيار، كما أثبت تاريخ مواجهة القاعدة في أفغانستان وباكستان واليمن، أنه كثيرا ما يكون عرضة للخطأ. وقد تسبب في حالات كثيرة، لمصرع العشرات، بل المئات من المدنيين.

المعضلة الأخرى، هي عدم فاعلية الحلف المقترح تشكيله من دول المنطقة، لمواجهة داعش. فليس هناك، كما يبدو من هو على استعداد ضمن البلدان العربية، وبشكل خاص بلدان الخليج العربي، من هو مستعد لإرسال أفراده وجنوده للقتال في العراق، لكي يقدم البلد في النهاية، على طبق من ذهب هدية للقوى الإقليمية المجاورة، كما قدم العراق من قبل لها، إثر انسحاب القوات الأمريكية من أرض السواد.

واضح أيضا، أن الحرب على داعش لن تشمل، الأراضي السورية، إلا في حال إعلان أمريكا وحلفائها، بشكل صريح، تراجعها عن دعم المعارضة السورية. لقد أكدت الحكومة السورية، على لسان وزير خارجيتها، أن أي تدخل عسكري غربي، في سوريا تحت ذريعة مواجهة داعش، سوف يعتبر عدوانا، وستعمل حكومته على مقاومته والتصدي له بكل الوسائل.

ذلك يعني أن مواجهة داعش فوق الأراضي السورية، ستحمل كثيرا من التعقيدات لصانع القرار الأمريكي، ولحلفائه في الغرب والمنطقة عموما. فالحكومة السورية، سوف تستثمر الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، من أجل كسب نقاط سياسية في صالحها، يدعمها في ذلك أن روسيا الاتحادية، ستقف معها هذه المرة، كما وقفت إلى جانبها، مرات ومرات، منذ اندلاع الأزمة فوق أراضيها، قبل ثلاث سنوات.

وعلى هذا الأساس، فإن من الصعب تصور قيام إدارة الرئيس أوباما بالتدخل العسكري المباشر في سوريا، دون تنسيق مسبق مع الحكومة السورية. والأكثر احتمالا هو أن تقتصر المواجهة العسكرية، لتنظيم داعش على ضربات جوية فوق سماء العراق وحدها، ومن غير تدخل بري، وأن تكون سوريا، خارج دائرة هذه المواجهة.

لن تحسم هذه المواجهة، بالشكل الذي يتوقع أن تجري فيه، مسألة الإرهاب. فجذور المشكلة، تكمن في العملية السياسية، التي هندس لها السفير برايمرز. والمطلوب لهزيمة داعش وأخواتها، هو تحقيق مصالحة وطنية، بين مختلف مكونات النسيج العراقي، وإعادة تشكيل الجيش العراقي، بعقيدة وطنية، غير طائفية أو حزبية, وإلغاء قرار الاجتثاث الذي تسبب في حرمان أكثر من مليون عائلة عراقية من العيش الكريم، والسماح للمهجرين بالعودة إلى أماكن سكنهم.

ينبغي العمل، على صياغة دستور جديد للبلاد، يؤكد هوية العراق العربية الإسلامية، ويكون أعلى من الانتماءات المذهبية والطائفية والعرقية. إن ذلك يعني اعتبار العملية السياسية، التي دشنت بعد الاحتلال، والمعتمدة على نظام المحاصصة ملغية، وقيام عملية بديلة، تتأسس على نظام، يكون فيه العراق وحدة متكاملة، وتسود فيه روح المواطنة الكاملة، وينال المرء حقوقه على أساس جدارته وما يقدمه لوطنه، وليس على أساس انتمائه وموقعه الحزبي. إن تشكيل حكومة وحدة وطنية، حكومة خلاص وإنقاذ للعراق، تأخذ بعين الاعتبار جملة الحقائق التي أشرنا لها، هي المدخل الحقيقي لمواجهة الإرهاب، إرهاب داعش وتشعباتها. وما لم يتحقق ذلك، فليس أمام العراق سوى مواجهة مزيد من العواصف والبراكين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اثنان × 2 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي