حوار أجرته معي صحيفة الشروق التونسية ونشر البوم 28 اكتوبر 2023

2
1- ما هي قراءتكم لما يحدث على ضوء هذا الجدل الدائر بين تأييد المقاومة من جهة وبين من يعتبرها حربا بالوكالة تقودها إيران ضد إسرائيل؟
الذين يعتبرون ما يجري من قبل الفلسطينيين حربا بالوكالة لصالح إيران، يغيبون حقيقة الصراع مع الكيان الصهيوني. وهو صراع يمتد لأكثر من قرن من الزمن، منذ وعد بريطانيا فيما عرف بوعد بلفور، بأن تجعل من فلسطين وطنا قوميا لليهود. والحروب العربية الثلاثة التي فرضت على العرب لمواجهة الكيان الغاصب، (حرب النكبة، وحرب النكسة، ومعركة العبور) يضاف لها معارك وملاحم كالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، وحرب الاستنزاف عام 1967، أخذت مكانها جميعا قبل ولادة الجمهورية الإسلامية.
اغتصاب فلسطين من قبل الصهاينة، يرتب على العرب والمسلمين جميعا مقاومة هذا المشروع الاستيطاني. والحضور الراهن لإيران، هو انعكاس لفراغ الساحة، من قيادة عربية تتصدى بقوة وفعالية للمشروع التوسعي الاستيطاني الصهيوني. ونأمل من القلب أن لا يستمر هذا الفراغ.
وبالمناسبة، فإن انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، هو سابق بقرابة عقدين من الزمن على قيام الجمهورية الإسلامية. وقد ألجأ غياب الدعم العربي الرسمي للمقاومة والهرولة نحو التطبيع، منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد، واتفاقية وادي عربة، وأوسلو بعض المقاومين الفلسطينيين إلى التحالف مع إيران. والذين يعتبرون عمليات المقاومة الفلسطينية، جزءا من حرب الوكالة لصالح إيران، عليهم أن يطالبوا الدول العربية بأن تتسابق في ميدان الشرف على نصرة المقاومة.
2- أزمة غزة كشفت الوجه الحقيقي للغرب الاستعماري حيث الدوس على حقوق الإنسان في مفهومها الشامل، فهل سقطت هذه الورقة لا دوليا فقط بل حتى في صلب المجتمعات الغربية، (منع تظاهر، وتجريم معاداة السامية، وخنق مواقع التواصل الاجتماعي)؟
حقوق الإنسان بالمفهوم الغربي، عبر عنها إعلان الرئيس الإمريكي ويدرو ويلسون بمبادئه الأربعة عشر لحقوق الإنسان. الذي جاء في مرحلة انتقال من الاستعمار التقليدي إلى الاستعمار الجديد. واعتبر الاستعمار عملا مقيتا، وغير أخلاقي. ولكن ما جرى لاحقا من تداعيات قد أكدت جميعا أن الهدف من وراء ذلك، هو إيجاد المبررات الأخلاقية، من قبل الولايات المتحدة لإزاحة الاستعمار التقليدي والحلول محله. أما وقد تحقق هذا الهدف فلم يعد هناك من مبرر لاستخدام الشعار، الا في مواجهة روسيا حيال قضية أوكرانيا، والصين فيما يتعلق بمطالبها المشروعة باستعادة جزيرة تايوان.
فرنسا طرحت شعار حقوق الإنسان، ضمن شعارات الثورة الفرنسية في الحرية والإخاء والمساواة، لكنها ليست المرة الأولى التي تتجاوز فيه سلطاتها مضامين هذا الشعار. يكفي أن نشير في هذا السياق، إلى المواجهة البطولية الأسطورية للاحتلال الفرنسي للجزائر، وكلف هذه المواجهة التي قدمها الجزائريون عن طيب خاطر، والتي تجاوزت المليون شهيد، في معركة أراد منها الجزائريون تثبيت حقوقهم في الحرية والكرامة والاستقلال. وقد ووجه الشعب الجزائري، في الداخل والخارج بمختلف أنواع القمع والاضطهاد للحيلولة دون تحقيق هذا الهدف النبيل، المتسق جوهريا، مع أساسيات إعلان حقوق الإنسان. وعلى هذا الأساس فإن سلوك الإدارة الفرنسية تجاه المظاهرات المناصرة لحق الشعب الفلسطيني المظلوم ودعمه في معركته الباسلة، والتلفع من قبل هذه الإدارة بمعادات السامية، تأتي ضمن سياق تاريخي دأبت عليه معظم الإدارات الفرنسية السابقة، حين يتعلق الأمر بالحقوق العربية.
3- حديث عن اتساع رقعة المواجهة في المنطقة بين الاحتلال وساحات المقاومة، فما هي ممكنات الفعل المقاوم للتصدي للعدوان على غزة”.
المقاومة الفلسطينية، بمختلف أذرعها، لن تخسر باستمرار نضالها سوى قيودها. والإرهاب الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني لم يتوقف يوما. صحيح أن غزة تشهد الآن حرب إبادة غير مسبوقة، ولكن هذه الحرب، هي انعكاس لحجم الوجع، والهزيمة التي تعرض لها المشروع الصهيوني، ولن تفت في عضد المقاومة. يكفي أن نشير إلى أننا نكتب الآن بعد مرور إحدى عشر يوما، على عملية طوفان الأقصى، ورغم الصلف والوحشية وحرب الإبادة التي يشنها الصهاينة بحق غزة الصامدة، فإن عمليات المقاومة لا تزال متواصلة. والعدو هو أعجز من أن يقوم بالاجتياح البري للقطاع، لأن ذلك لو حدث، سيجعل من أرض غزة جحيما ومقبرة للغزاة.
ومن شأن استمرار المعارك وحرب الإبادة تدحرج المواقف، ودخول قوى جديدة على الصراع. وقد بدأت تباشير ذلك في المواجهات المتصاعدة على الجبهة اللبنانية، وهناك احتمال دخول قوى مقاومة في بلدان عربية أخرى، على خط مواجهة حرب الإبادة التي يخوضها الكيان الغاصب. وإذا ما تواصل القصف الهمجي على الفلسطينيين فلن يطول انتظار ما وصفناه بالتدحرج في الموقف المقاوم.
4- أنتم من الباحثين العرب المهتمين بمواضيع الوحدة والتكامل بين الشعوب العربية، فما الذي يمنع اتخاذ خطوات حقيقية لوحدة الموقف العربي شعبيا ورسميا في مثل هذه الظروف؟
الجماهير العربية، موقفها واضح وثابت تجاه نصرة القضية الفلسطينية ومقاومتها الباسلة، أما الموقف العربي الرسمي، فيتراوح بين تأييد القضية، عند البعض والهرولة نحو التطبيع مع الكيان الغاصب، عند البعض الآخر، ولحسن الحظ فإن من هرولوا نحو التطبيع هم القلة بين هذه الأنظمة. لكن ذلك لا يميزهم عن غيرهم كثيرا، ما دام الغالبية يلوذون بالصمت العاجز.
5- الفيلسوف الروسي الكسندر دوغين تحدث عن أبعاد أخروية في هذه الحرب، فهل نحن في صلب حرب عقائدية ودينية؟
بالنسبة للمشروع النهضوي العربي، فإن الصراع مع الصهاينة، هو صراع وجود، وهو استمرار لمناهضة الاحتلال والاستعمار بكل عناوينه. ولذلك فالصراع ما كان، ولن يكون صراعا دينيا، بل صراعا حضاريا، بين حركة استيطانية، تسطو على الأرض وتمارس نهجا استعماريا وعنصريا بغيضا. ونرفض تحويله إلى صراع ديني، بأي شكل من الأشكال. الكيان الصهيوني وحلفائه، وعلى رأسهم الإدارة الأمريكية هم الذين يحاولون حرف بوصلة الصراع، من صراع حضاري وجودي، إلى صراع ديني.
6- محور الشرق الجديد بقيادة روسيا والصين هل ترونه قادرا على تقديم خيارات جديدة لحل القضية الفلسطينية؟
بالتأكيد الشرق الجديد قادر على أن يلعب دورا سياسيا مهما تجاه القضية الفلسطينية. وقد بدأ في الإمساك بزمام المبادرة، وآخرها مشروع القرار الروسي الذي قدم لمجلس الأمن الدولي. وقد ووجه مشروع القرار برفض أمريكي، وباستخدام حق النقض. لكن السلوك الأمريكي لن يغير كثيرا من واقع الحال، فالتوازنات الدولية في حالة حركة دائبة، وتغير في موازين القوى. وتراجع النفوذ الأمريكي بات أمرا واقعا. والمؤكد أننا على أعتاب ولادة نظام دولي جديد، بتعددية قطبية، تستند على أركان ثلاثة: أمريكية وروسية وصينية. أما بقية الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، بريطانيا وفرنسا، فهم من نتاج الحرب العالمية الثانية، وحضورهم في المعادلة الدولية هو حضور الذنب، وليس الجسد الفاعل في صناعة السياسات الدولية. ولن يطول بنا الانتظار، حتى تتحدد معالم وشكل النظام الدولي الجديد. ولعل طوفان الأقصى يكون نقطة تحول رئيسية، وعامل تسريع في انبثاق النظام الدولي الجديد.

التعليقات مغلقة.

د.يوسف مكي