حوار أجراه الأستاذ محمد جميل أحمد ونشر في مجلة الحوار

0 165

1 ــ ما تمر به المنطقة العربية من اهتزازات كيانية وحروب مفتوحة على المجهول؛ هل هو جزء من صيرورة ثورية أم فوضى غامضة؟ج- ليس بالإمكان توصيف ما حدث بالوطن العربي، قبل خمس سنوات، والذي تستمر تداعياته معنا حتى يومنا هذا، بالعملية الثورية، وهو أيضا ليس فوضى غامضة. فالعملية الثورية، لها شروطها وأدواتها ومناخاتها، وجميعها لم تكن متوفرة في الحراك الشعبي الواسع، الذي وصف تعسفا بالربيع العربي.  والفوضى الغامضة، التي وصفت أحيانا بالفوضى الخلاقة، هي توصيف مغالط يختزل الحراك الشعبي، بشكل مبتسر، ويحوله إلى مجرد تماه مع مشاريع كونية، تهدف لتمزيق الممزق وتفتيت المفتت والأمر أعمق من هذا التبسيط بكثير.

 

الوضع العربي مثقل بأزمات كثيرة، وكان مرشحا للانفجار في أية لحظة. فهناك أزمات اقتصادية حادة في عدد من الأقطار العربية، وارتفاع في معدلات البطالة والفقر، وعجز عن مقابلة استحقاقات الناس، يقابله تغول للفساد والاستبداد. ولم يكن منطقيا أن يستمر الحال على ما هو عليه.

 

والأنكى هو ترافق هذا الواقع المأساوي، بانعدام وجود أي بوابات للأمل، حيث لم يتم طرح أي مشروع عملي، يهدف إلى تجاوز الأزمة، وإيجاد حلول عملية للخروج من النفق الصعب. لقد غلبت حالة الإنكار، من قبل صناع القرار في البلدان التي طالتها الحركة الاحتجاجية، وساد شعور عام لدى النخب الثقافية، بأنه ليس بالإمكان تحقيق أفضل مما كان.

 

وجود أجندات خارجية، لتفتيت الوطن العربي، لم يعد أمرا خلافيا. فقد أشير له منذ الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية، حيث أشار الرئيس الأمريكي هاري ترومان، أن عالم ما بعد الحرب، سيكون مختلفا، وأن المؤسسة البديلة عن عصبة الأمم، والتي ستكون تتويجا لانتصار الحلفاء، ستأخذ بعين الاعتبار مصالح المظلومين، من أقليات قومية ودينية وطائفية. إن ذلك يتطلب من وجهة نظره إعادة النظر في الخرائط السياسية، التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى، على قاعدة اتفاقية سايكس- بيكو ووعد بلفور.

 

لكن اكتشاف الأمريكيين للسلاح النووي، والتحاق السوفييت السريع بالنادي النووي، واشتعال الحرب الباردة بين القطبين الرئيسيين خلق حقائق جديدة. فلم يعد بالمقدور الحديث عن حرب مباشرة بين العملاقين. وكان البديل عن ذلك حروب الوكالة. وقد اقتضى ذلك أن يكون الوكلاء على الجانبين، الأمريكي والسوفييتي، من القوة، بحيث يتمكنان من إشعال وإدارة تلك الحروب. ولذلك تأجل الحديث عن مشروع ترومان، في تقسيم المقسم قرابة ثلاثة عقود، حيث كان هنري كيسنجر عرابه الأول، بعد معركة العبور عام 1973.

 

وتوالت التقارير في حينه، مشيرة إلى العراق، كمدماك أول في مشروع إعادة الاعتبار لحقوق الأقليات القومية، وأتباع الأديان والطوائف الدينية. أشير إلى العراق، كبلد رخو، بسبب لوحته الفسيفسائية، التي تجعل منه كيانا يفتقر إلى التجانس والوحدة. والسرد في هذا الاتجاه طويل ومرير. فمن تصريحات جيمس بيكر في مؤتمر مدريد عام 1990م، عن صياغة خارطة سياسية جديدة، أكثر دراماتيكية، من خريطة سايكس- بيكو، إلى خطوط عرض حظر الطيران العراقي، التي فرضها  الرئيس الأمريكي، بل كلينتون، إلى احتلال العراق، وتدشين عملية سياسية على أساس القسمة بين الطوائف والأقليات، إلى الظروف التي أعقبت ما بات يعرف بالربيع العربي، والتي نتج عنها تفكيك أوطان وسقوط دول.

 

إلا أن ذلك وحده، لم يكن ممكن التحقيق، لولا الرخاوة التي منيت بها الكيانات العربية، وضعف مؤسسات الدولة الوطنية، وقابليتها على التفتيت. لقد فشلت هذه الكيانات في تأسيس دول حديثة، وشكلت مؤسسات الحكم فيها على مقاساتها. وفقدت مشروعيتها، منذ عجزت عن حماية أمنها القومي، والدفاع عن حدودها، وتوفير لقمة العيش للمواطن، وفشلت في مواجهة المشروع الصهيوني الغاصب.

 

2 ــ إذا كانت من أهم مهام الدولة : (عقلنة المجتمع) بحسب عبد الله العروي ؛ إلى أي مدى نجحت الدولة العربية الحديثة في ذلك؟

 

لم توجد الدولة، حتى هذه اللحظة بمفهومها المعاصر، الذي تناوله العروي في كتاباته. ما هو متواجد لدينا هو سلطة، والسلطة في العلوم السياسية، هي غير الدولة. الدولة هي فوق المجتمع. وهي الكيان الشامل، المتمثل في المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية، تحكمها لوائح وقوانين، ونظم أساسية، ضامنة للحقوق والواجبات. وهي تمثل للمواطنة بكل تجلياتها. وشرطها وجود هياكل اجتماعية قوية، قادرة على فرض صبواتها.

 

الدولة المعاصرة، هي عبارة عن تسويات تاريخية، بين قوى، تتنافس مع بعضها، ولا أحد منها بمستطاعه حسم الصراع لصالحه. فتكون التسويات التاريخية، هي إيجاد نظم وقوانين ولوائح، تشرعن التنافس وتعقلنه. وللأسف فإن مشروع بناء الدولة المعاصرة، قد تعثر في الوطن العربي، لأكثر من قرن من الزمن، منذ بدأت مرحلة الانبعاث المعاصرة، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وتعطلت جل المحاولات للخروج من النفق.

 

وللأسف فإن الدولة الوطنية العربية، تتنافس الآن مع قوى عاتية، أكثر منها خبرة في السياسة، ولديها من مقومات القوة، السياسية والعسكرية والاقتصادية، ما يجعل من حركة دول العالم الثالث، الذي تنتمي له منطقتنا بطئية وكسيحة.

 

 

3 ــ ظل تحقيق حلم الحداثة ، مأزقا عربيا متجددا منذ أكثر من مائتي سنة كيف يمكن تجاوز الأفق النسقي لانسداد مشروع الحداثة؟

 

سؤال الحداثة، سؤال ذو شجون، فقد كان من المفترض أن يكون مشروع التحرر من الهيمنة العثمانية، مشروعا حداثيا في محتواه وتوجهاته. وبالفعل شهد النصف الثاني، من القرن التاسع عشر، بداية مرحلة التنوير العربية.

 

ومنذ البداية، اتضح اختلاف الرؤية بين من حملوا مشروع التنوير. وقد كان السؤال المركزي الذي تصدوا لمحاولة الإجابة عليه منذ البداية، هو لماذا نجح الغرب وفشلنا نحن؟!. لماذا دخل عصر التصنيع والإبداع والفلسفة والفنون، فكان في المقدمة، ونحن في المؤخرة.

 

حول الإجابة على هذا السؤال، بدأ انقسام التنويريين العرب، بين من وجد الإعاقة في الثقافة العربية، وطالب بالقطع النهائي معها، كفرح انطون وشبلي شميل، وناصيف اليازجي، ومن قبلهم أحمد فارس الشدياق، ومن قال بأن الغرب استلهم مبادئ الإسلام الحنيف، وانطلق من جوهرها، وبنى حضارته، على ضوء مبادئها العظيمة. ومن هؤلاء شيوخ الأزهر الشريف، كمحدعبده، وجمال الأفغاني، ورفاعة رافع الطهطاوي، وعبدالرحمن الكواكبي.

 

ولعل تعبير الشيخ مقولة الشيخ محمد عبده حين زار باريس، تعكس هذه النظرة، حيث قال أنه وجد فيها إسلاما ولم يجد مسلمين، أما في مصر فإنه وجد مسلمين ولم يجد إسلاما.

 

اعتمد الحداثيون العرب، ممن طالبوا بالقطع مع الماضي،  العناصر الغربية للحداثة، ممثلة في العلم والمعرفة والتقانة ودولة الحق والقانون. وقد سادهم افتتان مطلق بالحضارة الغربية، وبنموذجها السياسي.

 

عاملان أساسيان، عطلا من مشروع الحداثة العربية. الأول، هو تراجع الثقل الاقتصادي للطبقة التجارية، والطبقة المتوسطة، التي هي عنصر الخلق والإبداع في التاريخ الإنساني، بفعل اكتشاف طريق الرجاء الصالح، وتأثر الموانئ العربية، في اللاذيقية وبيروت والاسكندرية، إضافة إلى تضعضع الصناعات الحرفية المحلية، فبعل هجمة الصناعات الأوروبية المتطورة، رخيصة السعر. أما العامل الآخر، فكان تكشف غدر الحلفاء، وتنكرهم للوعود التي قطعوها على أنفسهم، بمنع المشرق العربي، الاستقلال غداة هزيمة السلطنة.

 

لقد كان الاحتلال الغربي، للمشرق العربي، وتطبيق اتفاقية سايكس- بيكو أعنف صدمة واجهها مشروع الحداثة العربي، المشروع الذي تصور أن الغربـ، هو منبع الحرية والعدالة والمساواة، فإذا بسنابك خيوله، تدوس منظومة تلك القيم النبيلة. ولذلك لم يكن صدفة أن يتراجع كثير من زعماء الحداثة، عن مشروع التنوير، ويلتحقوا بالتيار السلفي المتشدد، كما حدث لـ محمد رشيد رضا، وغيره، ممن بهرتهم مبادئ الثورة الفرنسية، وشعاراتها في الحرية والمساواة، فإذا هو يواجهون بنظرة استعلائية وعنصرية.

 

ولم يكن غريبا أن الحقبة التي أعقبت فشل مشروع الاستقلال، وهزيمة ثورة 1919م، في مصر، هي الحقبة التي نشأت فيها حركة الإخوان المسلمين، كرد فعل على المشروع الاحتلالي للمشرق العربي، ولكن باتجاهات ناكسة,

4 ــ في علاقة المثقف بالسلطة ماهي جدوى اختبار هذه العلاقة ضمن سوية موضوعية بعيدا عن ثنائية القطع والوصل؟

 

كل مشروع سياسي، هو نتاج عمل فكري، يضطلع به وينشره المثقف. مشاريع الاستقلال والتنمية المستقلة، وبناء الدولة الحديثة، هي في الأصل مشاريع فكرية. لكنها تظل معلقة بالهواء، إذا لم يأخذ بها السياسي، ورجل السلطة. ومن هنا تنشأ العلاقة بين المثقف والسياسي. علاقة صانع لمشاريع فكرية، بآخر يضطلع بتنفيذها. وما لم يتحقق ذلك فستبقى تلك المشاريع، في خانة الرومانسية.

 

لكن ذلك لا يلغي المسافات بين المثقف والسياسي، ذلك لأن الأول يتحرك في فضاء مفتوح، وغير خاضع لقوانين المصلحة. وهو لا يتحمل المخاطر المتأتية عن وضع أفكاره قيد التنفيذ. إن ذلك يضعه في موقع الرومانسي والحالم، المتطلع باستمرار إلى المستقبل، ومن غير حدود أو قيود.

 

أما السياسي، فإنه يتعامل مع اللحظة، ويتفاعل مع تجاذباتها. ويخشى دائما من الرياح والأعاصير، التي لا يعلم إلى متى وإلى أين ستأخذ به، وبكيانه. ولذلك فإنه ينطلق من حسابات دقيقة، ليس فيها مكان للمغامرة. وفي الوقت الذي لا يخسر فيه المثقف كثيرا، جراء فشل مشاريعه الفكرية، فإن السياسي يخسر كل شيء، في حال فشل مشروعه السياسي.

 

لكن العلاقة بينهما، محتمة طالما وجدت مشاريع فكرية، وجدت صدى إيجابيا لدى السياسي. وتصبح العلاقة بينهما، أشبه بقانون الفعل والاستجابة. وتبقى حاجة كليهما لبعضهما، حاجة وجود، يسيران جنبا إلى جنب، يتقدم المثقف في أفكاره، ويضطلع السياسي بتنفيذ تلك الأفكار. وأحيانا ما تؤدي التطبيقات إلى مراجعات فكرية يضطلع بها المثقف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ستة − 1 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي