جدل الجغرافيا والتاريخ: الصراع الروسي التركي نموذجا

0 518

لم يكن إسقاط طائرة السيخوي العسكرية الروسية من قبل تركيا، وما أعقبها من انهيار للعلاقات السياسية بين روسيا وتركيا، سوى القشة التي قصمت ظهر الجمل. فهذه العلاقات ظلت مرشحة للانهيار، وبشكل خاص، منذ انطلاقة ما عرف بالربيع العربي،

الذي وجدت فيه تركيا فرصة لتوسيع مناطق مصالحها الحيوية، في حين وجدت روسيا في ذلك تقليصا لحضورها في ضفاف البحر الأبيض المتوسط.

 

وعلى هذا الأساس، فإن إسقاط الطائرة الروسية من قبل الأتراك، وبعض النظر عن اختلاف سردية الطرفين حول طبيعة ومكان الحدث، ليس مهما في هذه القراءة، إلا بقدر علاقته، بصدام الاستراتيجيات بين البلدين.

لقد ظلت العلاقة التركية الروسية، لعقود طويلة مأزومة، ومحكومة بثقل التاريخ. ولسوء طالع هذه العلاقة، فإن هذا التاريخ، كان دائما مثقلا بما يعيق تطورها بشكل إيجابي، وبما يخدم مصالح البلدين. فشهور العسل، النادرة والمتقطعة بين البلدين، سرعان ما تصطدم بهذا التاريخ، متراجعة، مسافات طويلة إلى الوراء.

حدث الطائرة ذاته، ليس استثنائيا، ويمكن حدوثه بين أي بلدين متجاورين، كما هي الحالة الآن بين تركيا وسوريا، فلا أحد بإمكانه أن يجادل، في احتمال وقوع الخطأ، في منطقة مشتغلة، منذ خمس سنوات، وتكتظ بعشرات الطائرات العسكرية من جنسيات مختلفة، تتواجد في سوريا تحت ذريعة محاربة الإرهاب. وكان بإمكان تركيا تجاوزه باعتباره خطأ غير مقصود، والحال هذا ينطبق على روسيا، التي يمكنها هي الأخرى، اعتباره خطأ تركيا يمكن احتماله، ولا يكون مدعاة، للتراجع عن علاقة بين البلدين، وصفت قبل أقل من عام بالاستراتيجية، خاصة وأن الطرف التركي أعرب عن أسفه، ومضى إلى ما هو أبعد من ذلك بالقول بأنه لو علم بهوية الطائرة لما أقدم على إسقاطها.

لفهم وقع ثقل التاريخ، في هذه الأزمة، تجدر الإشارة، إلى أن الدب القطبي عمل باستمرار، منذ العهد القيصري، واستمرارا بالحقبة الشيوعية، وما بعدها للوصول إلى المياه الدافئة بالخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط. وقد حال وجود النظام الإمبراطوري في إيران والسلطنة العثمانية، دون تحقيق هذا الهدف الروسي الأثير.

في الحرب العالمية الأولى، شاركت روسيا إلى جانب الحلفاء، في الحرب ضد السلطنة العثمانية. وكان من نتائج هذه الحرب سقوط النظام القيصري الروسي والسلطنة العثمانية، بشكل مدو، على السواء.

ففي روسيا القيصرية، التي دخلت الحرب، في ظل ظروف اقتصادية غير مواتية، صوت الجنود الهاربون من الجبهة بأقدامهم العارية، وبطونهم الخاوية، ضد الحرب، وانتهىت الأمور بانهيار أمني والاقتصادي، وارتفاع معدلات الجريمة، بما هيأ الأسباب حكم القيصر، و انقضاض البلاشفة لاحقا على السلطة.

أما السلطنة، التي شكلت، مع الشاهنشاهية الإيرانية، متراسا قويا يحول دون تقدم الروس إلى الجنوب، والتي انتابها الوهن، كانت الحرب الكونية الأولى، بالنسبة لها، بمثابة رصاصة الرحمة. لكن نتيجة الحرب، لم تحقق لحكام روسيا الجدد، ما صبوا إليه، من التسلل جنوبا، سواء باتجاه الخليج أو نحو البحر الأبيض المتوسط.

لقد انتهت الحرب العالمية الأولى، بوصول مصطفي كمال أتاتورك للحكم في تركيا، وتحولها إلى النظام العلماني، وبتحالف أتاتوركي مع الغرب الخصم اللدود للشيوعية، استمر حتى يومنا هذا. والحال ذلك لم يختلف كثيرا عن إيران، التي بقيت عصية على الروس.

في نهاية الحرب الكونية الثانية، عمل الروس مجددا على الاقتراب جنوبا، فاحتلوا أذربيجان، وبعض الأجزاء الشمالية من إيران، حيث أقاموا نظاما شيوعيا عام 1948، فيما أطلقوا عليه ب جمهورية مهاباد. ومهاباد هي منطقة كردية، وبالنسبة للأتراك والإيرانيين، فإن بقاء هذه الجمهورية يحمل خطرين لا يحتملان. أولاهما قيام دولة كردية، يمكن أن تكون مستقبلا بذرة لدولة قومية تضم الأكراد في إيران والعراق وتركيا وسوريا، وتشكل تهديد لأمنهما القومي. أما الخطر الآخر الجاثم، فهو تأسيس دولية شيوعية، على حدودهما مباشرة، دولة تستمد قوتها وحضورها، من تحالفها مع الاتحاد السوفييتي.

أما الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، فإن قيام جمهورية مهاباد، هو خارج القسمة، ولا يمكن القبول به، لأنه اعتداء على سيادة دولة حليفة، كما أنه يشكل تهديدا للخليج العربي، الذي تأكد في حينه، أنه يمتلك مخزونا هائلا من الذهب الأسود، سيجعل مالكيه، يمتلكون مفاتيح خزائن العالم.

ولذلك مارس الغرب مختلف أنواع الضغوط على السوفييت، للانسحاب من مهاباد، ولتتقدم على إثر ذلك الانسحاب، قوات الشاهنشاه، فتطيح بالنظام الشيوعي، وتعدم قياداته.

ظلت العلاقة بين تركيا وروسيا محكومة بثقل التاريخ. فالأتراك لم يكونوا ليغفروا لروسيا، إسهامها في إضعاف سلطنتهم. والروس لم يكونوا ليغفروا لتركيا، شكلت متراسا غير قابل للكسر، يحول دون وصولهم لحوض الأبيض المتوسط.

وحين حدثت الحركة الاحتجاجية في سوريا، رأت فيها تركيا استمرارا للحراك الذي حدث في مصر وتونس، وأن تمكن المحتجين من إسقاط الدولة السورية، سيمكن الإخوان من تشكيل إمبراطورية إخوانية، في أربع دول هي تونس ومصر وتركيا وسوريا، وربما اليمن لاحقا..

أما روسيا بوتين، فرأت أنها بسقوط الدولة السورية، ستفقد آخر موقع استراتيجي بحري لها في حوض المتوسط. ولم يكن ذلك مقبولا مطلقا، لحكومة تتهيأ للبروز مجددا وبقوة للمسرح الدولي. ولذلك وجدت في الأزمة سبيلها، لتأكيد حضورها السياسي والعسكري، مجددا ولكسر احتكار تركيا للضفة الشرقية، من هذا البحر.

وهكذا يصنع جدل التاريخ والجغرافيا، القرار السياسي، في كل من موسكو وأنقرة. وستظل العلاقة بين البلدين، كما هي بين البلدان الأخرى، محكومة بهذا الجدل، إلى أن تنتصر الجغرافيا على التاريخ، وهو ما لا تلوح بوادره، حتى الآن في العلاقة بين البلدين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

12 − 1 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي