ثمانية عشر عاماً على احتلال العراق

0 301

تصادف هذه الأيام مرور ثمانية عشر عاماً، على احتلال العراق. لتبدأ مرحلة مظلمة في تاريخ هذا البلد العريق. وقد جاء هذا الاحتلال بعد حصار قاس للبلد الشقيق لم يشهد له في التاريخ المعاصر مثيلاً، استمر منذ مطالع التسعينات، وتواصل حتى عشية الاحتلال.

وبررت الإدارة الأمريكية احتلالها للعراق بامتلاكه أسلحة الدمار، وشبهة وجود علاقة للنظام الوطني السابق بتنظيم القاعدة. وبثبات بطلان تلك الدعاوى، بدلت إدارة بوش هدفها، إلى نشر الديمقراطية في بلاد الرافدين.

هذا الحديث معني بتداعيات الاحتلال، وأهدافه الحقيقية، وموقعه بالصراع على الأرض العربية، واستراتيجيات تفتيتها، والتي تم الإفصاح عنها أحياناً، وتبييتها في معظم الأحيان.

لم تخفِ الإدارة الأمريكية عزمها على احتلال عدد من البلدان، غداة إعلان الحرب العالمية على الإرهاب، فقد أعلن الرئيس جورج بوش (الابن) إثر حوادث 11 سبتمبر 2001 عزم بلاده احتلال مجموعة من البلدان أطلق عليها في حينه «محور الشر»، في إشارة مماثلة واضحة لدول المحور الذي تحالفت أمريكا ضدها في الحرب العالمية الثانية، وأن العراق هو المحطة الأولى، في هذه الاحتلالات.

لكن ظروفاً عدة حالت دون استكمال تلك الاستراتيجية، أهمها تعثر المشروع في محطته الأولى، بسبب المقاومة العراقية الباسلة له، والتغير السريع في موازين القوة الدولية. وأيضاً انتهاء الدورة الرئاسية الثانية، للرئيس بوش قبل استتباب الأوضاع لمصلحة أمريكا، في أرض السواد، وإسدال الستار على حقبة المحافظين الجدد الذين خططوا لتلك الاستراتيجية.

والاحتلال الأمريكي للعراق هو المشروع الأخطر الذي واجهه العرب في تاريخهم المعاصر. وهذا التقدير من قبلنا ليس من قبيل المبالغة، بل لأسباب عدة جديرة بالتسجيل.

أول هذه الأسباب، أن الاحتلالات السابقة للأرض العربية، من قبل الاستعمار التقليدي، جاءت استمراراً لاحتلالات سابقة، وفي ظل سبات طويل للنهضة العربية. فشمال المشرق العربي، تم احتلاله مباشرة، بعد سقوط السلطنة العثمانية، وكانت تلك الأقطار تحت هيمنة العثمانيين، وتم انتقالها بعد انتهاء الحرب مباشرة إلى هيمنة الفرنسيين والبريطانيين. ولم يختلف الأمر في وادي النيل، وبلدان المغرب العربي، حيث كان للعثمانيين، حضور مباشر في أرض الكنانة، وحضور اعتباري في جميع بلدان المغرب العربي.

واحتلال العراق من قبل الأمريكيين مختلف جداً عن تلك الاحتلالات. فقد مثّل عودة للاستعمار في غير زمنه، والهدف بلد مستقل عضو في جامعة الدول العربية، وفي هيئة الأمم المتحدة، ومعترف باستقلاله، وبنظامه، من قبل الأسرة الدولية. وأخذ هذا الاحتلال مكانه بعد خمسة عقود، منذ بدأت الأقطار العربية، بالإمساك بزمام مصائرها وأقدارها، وبعد أن اتجهت الشعوب العربية نحو بناء نهضتها ومستقبلها. ومن هنا وجه المفارقة الأولى بين الاحتلالات القديمة، والاحتلال الأمريكي للعراق.

السبب الأول، في مخاطر ذلك الاحتلال، هو أن الاحتلالات السابقة، وُوجهت بأرضية وطنية وأهداف مشتركة، وتوقفت عند الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس- بيكو، ووعد بلفور، في حين هدف احتلال العراق إلى تقسيم المقسّم، وتفتيت المفتت، فكان خطوة أعلى نحو تفتيت الأمة. والأخطر، هو أن المشروع، لم يهدف إلى تحقيق تفتيت في الجغرافيا فقط، بل امتدت المحاولة إلى النفوس، من خلال السعي إلى تفتيت المجتمع العراقي إلى أقليات وطوائف وشيع، يتمترس كل منها عند حدود انتماءاته الجزئية، ويغيب معها المفهوم العملي والواقعي للوطن.

وقد عكست محاولات التفتيت تلك ظلالها على شكل المقاومة العراقية، ومواقع انطلاقها وقواعدها الآمنة لفترة طويلة. كما تسببت ببروز التطرف المذهبي في بعض صفوفها، وتصاعد دور تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وفي انتشار ظواهر الإرهاب، والقتل على الهوية، من قبل الميليشيات المناصرة الاحتلال.

ولم تقف محاولة المحتل عند تلك الحدود، بل إن سعيه المرير لإحكام الطوق على العراق، فرض الحاجة إلى الاستعانة بالقوى الإقليمية شرق العراق، وشماله، للإسهام في إنجاح مخطط التفتيت. وليس بالمقدور القول إن تلك المخططات باءت بالفشل الذريع. لقد تركت تلك المحاولات ندوباً عميقة في المجتمع العراقي، بحاجة إلى المعالجة. وشرط ذلك، هو عودة العراق سليماً معافى، وتخلصه من تركة الاحتلال، ومن طغيان التدخلات الإقليمية في شؤونه، ومن غير ذلك، سيبقى العراق، متسربلاً بأغلاله.

إلغاء دستور برايمر الذي قسّم العراق، إلى محاصصات طائفية وإثنية، وإنهاء حقبة الاجتثاث للقوى الوطنية المناوئة للاحتلال، وإلغاء التحيز والتهميش، وتحقيق المصالحة مع مختلف المكونات السياسية العراقية، وعودة العراق المحرر لعمقه العربي والاستراتيجي، هي سبل تعافي العراق، ليساهم مجدداً في نهضة العرب، ودعم قضاياهم المصيرية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة × 1 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي