تونس ما بعد الاستفتاء على الخبز والحرية

0 417

منذ أجبر الرئيس التونسي السابق زين العابدين، على ترك منصبه، قيل الكثير وكتب الكثير عن انتفاضة الشعب الشقيق. وكان الاحتفاء بالحدث استثنائيا، شمل الأرض العربية، من البحر إلى البحر. وخلال الأسبوعين الماضيين، تأكد بما لا يقبل الشك، أن الستار قد أسدل على مرحلة، وأن مرحلة جديدة مغايرة، قد بدأت تأخذ مكانها في تاريخ تونس.

 

لم تكن الهبة الشعبية في تونس غريبة على شعبها، فتاريخ كفاح هذا الشعب، الذي امتد أكثر من 130 عاما، منذ الاحتلال الفرنسي، هو أكبر شاهد على حيوية هذا الشعب. وقد ألهبت كتابات المناضل عبد العزيز الثعالبي، ووثيقته الرائعة، تونس الشهيدة، طريق الكفاح، وغدت قصيدة الشاعر، أبو القاسم الشابي، إرادة الحياة، أغنية تعلو بها الحناجر، وتتصدر المظاهرات المطالبة بالاستقلال، لتتحول لاحقا إلى أنشودة يرددها المجاهدون والمقاومون في كل مكان من الأرض العربية، في مواجهة الاحتلال والاستبداد.

لكن المواجهة الحقيقية، مع المستعمر، لم تبدأ إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بتأسيس الجبهة الوطنية التونسية عام 1945، والإعلان عن تشكيل الاتحاد العام التونسي للشغل، وأحداث صفاقس العمالية الدامية. فبعدها بسنوات قليلة، تقدم الوطنيون، عام 1952، بمذكرة لمجلس الأمن الدولي، مطالبين باستقلال بلادهم. وبعد عام من هذا التاريخ، أعلن المقيم الفرنسي العام في تونس، عن استعداد فرنسا منح البلاد استقلالها الداخلي. وفي عام 1957 انتزع شعب تونس استقلاله. ومع إطلالة حزيران (يونيو) 1959 تم الإعلان عن أول دستور للجمهورية التونسية. وفي 15 تشرين الأول (أكتوبر) 1963، تم جلاء آخر جندي فرنسي عن القاعدة الجوية التونسية، بنزرت.

بعد الاستقلال تولى الرئيس الحبيب بورقيببة الحكم، وساد نظام حكم الحزب الواحد. وتم القضاء على مختلف أشكال المعارضة، وجرم العمل السياسي والنقابي، خارج إطار معادلة الحزب الحاكم. وشاخ النظام، ومع شيخوخته، أصبح التكلس والجمود وتعطيل مصالح الناس، هو القانون العام. وفي عام 1987، قام زين العابدين بن علي، الذي كان رئيسا للوزراء آنذاك، بانقلاب على سيد قرطاجة، ووضعه في الإقامة الجبرية. واستبشر التونسيون خيرا بالحدث، لكن الأمور عادت إلى سابقاتها، حيث عمت المحسوبية والوجاهات والفساد، واقتصر بلوغ المنافع على رجالات السلطة وأجهزة القمع، وانتشرت البطالة، وغابت فرص العمل. وتزامن ذلك مع غياب شبه كامل للحريات، ومؤسسات المجتمع المدني، وحق التعبير، واحترام الرأي والرأي الآخر.

وكانت الانتفاضة الأخيرة، استفتاء على الحرية والخبز، وتماهيا مع واقع موضوعي، بهدف مقابلة الاستحقاقات الوطنية، واعتبار الإنسان القيمة العليا والأساس لأية مشروعية سياسية.

ورغم أن الوقت لا يزال مبكرا، لتقديم قراءة دقيقة لما حدث، وتأثيراته المستقبلية على مستقبل تونس، فإن استثمار ما برز على السطح من تطورات، وما هو متوافر من معلومات عن مستوى التوازنات الاجتماعية والسياسية التونسية، يتيح لنا اقتناص المفاعيل، التي كان لها الدور الحاسم في النتائج التي برزت في منتصف هذا الشهر، بعد مغادرة الرئيس السابق نهائيا لسدة الحكم.

أول ما يلفت النظر، أن تونس كانت حتى وقت قريب جدا، ضمن واحات السلام العربية، قياسا إلى الأوضاع المتوترة في عدد من البلدان العربية. وكانت التقارير الاقتصادية الصادرة عن منظمات دولية، تشير إلى انتعاش اقتصادي ونمو مطرد في دخل الفرد. وقد جاءت الأحداث الأخيرة لتكشف هشاشة تلك التقارير، وعدم دقة مضامينها.

كانت القشة التي أشعلت الانتفاضة الشعبية، هي إقدام شاب جامعي، عاطل عن العمل من منطقة سيدي بوزيد، على حرق نفسه، بعد أن قاده حظه العاثر لأن يصبح بائع خضار متجول، اصطدم برجال الأمن، بسبب القوانين البيروقراطية، التي تحرم على أمثاله الحصول على لقمة العيش.

النقطة الثانية، الجديرة بالانتباه، هي أن الهبة بدت عفوية وغير منظمة. وكان عمودها الفقري الشبان الصغار. وأن دور الأحزاب السياسية، التي كانت محظورة عن العمل، بموجب القانون، حتى لحظة سقوط النظام، بقي هامشيا، رغم محاولات زعماء هذه الأحزاب إبراز أنفسهم كقادة وموجهين، وكعناصر فاعلة في تقرير مستقبل شعب تونس.

ما حدث في تونس، يطرح أسئلة مهمة على الفكر السياسي، عن أسباب الثورات الاجتماعية. هل اندلاع الثورات الاجتماعية، هو فعلا نتاج غلبة الفاقة والجوع؟ أم أنه نتاج بروز قوى حية جديدة تجد في بقاء النظام القائم معوقا لمصالحها؟ أو هو نتاج نضج سياسي أفقي يشمل مختلف بنيات المجتمع، من قاعه إلى سفوحه؟. وهل يعني وجود هذه القوانين: الفاقة والجوع، وبروز القوى الحية، والوعي السياسي، حتمية التغيير، أم أن ذلك رهن لشروط موضوعية أخرى. بمعنى أنه لو انطبقت هذه الشروط على بلد آخر، هل يمكننا الجزم، دون حذر أن هذا البلد مقبل على ثورة مماثلة كتلك التي أخذت مكانها في تونس؟

الوقائع التاريخية، تجيب بالنفي على معظم هذه الأسئلة. فلا يكفي أن يتوافر شرط أو أكثر، أو حتى هذه الشروط مجتمعة، ليتحقق انتقال نوعي، من مرحلة إلى أخرى، يتغير بموجبها النظام السياسي القائم. ولو كان الأمر كذلك، فإن المسطرة تشير إلى وجود عدد كبير من بلدان العالم، مرشحة الآن لتحولات مماثلة كتلك التي أخذت مكانها في تونس، وضمنها بلدان عربية كثيرة. إن تيدا سكوكبول، تشير في كتابها عن الثورات الاجتماعية، إلى أن العامل الحاسم في التغيرات الدراماتيكية، يعود إلى ردة فعل أجهزة الدولة ونوعية استجابتها على ما يواجهها من أحداث وتحديات. بمعنى آخر، إن مستوى مهارة أداء البناء الفوقي، في التعامل مع الأحداث العاصفة هو الذي يحدد النجاح أو الفشل في تثبيت الأمن وبعث الحياة لدعائم استقرار النظام.

أسئلة مشروعة، تتطلب منا إعمال الفكر، من أجل أن تكون قراءتنا أكثر دقة لما يجري من حولنا. وحين نعود إلى التجربة التونسية، تواجهنا مسألة أخرى. فالهبة الشعبية لم تستمر طويلا، والحسم جاء سريعا، بما يعيدنا إلى سكوكبول مرة أخرى. لماذا تتمكن أنظمة بوليسية من التصدي لشعبها، وتنجح في قمع حركته، في حين تعجز أخرى؟.

هنا يأتي الجواب التونسي، في حدث أخذ مكانه قبل يوم الحسم، في 13 من هذا الشهر، حين تصدى الجيش، لرجال الأمن وهم يعترضون بهراواتهم وأسلحتهم وقنابلهم المسيلة للدموع للمسيرات الشعبية. كان اصطدام الجيش بالمؤسسة الأمنية، يعني انفراط عقد الدولة. وأن نظام زين العابدين، لم يعد بمقدوره الاستناد على أجهزته في مواجهة الهبة الشعبية. وهكذا كان قراره المنطقي بالرحيل، بعد أن رأى بأم عينيه أن انهيار النظام أصبح محتما.

نحن إذا أمام لوحة، بدأت تفاصيلها تتضح أكثر فأكثر. هناك هبة شعبية، يقوم بها الشباب، وفراغ سياسي للأحزاب السياسية، بمعنى أن الهبة عفوية في تركيبتها، ولا تحمل مشروعا سياسيا. وهناك من جهة أخرى، صراع بدى جليا بين المؤسستين اللتين يفترض فيهما حماية الحكم، وبالتالي حماية الأمن والنظام في البلد. هذا الصراع يطرح مسألة أخرى جوهرية، حول المستقبل السياسي لتونس. هل كانت ردة فعل مؤسسة الجيش عفوية كما بدت على السطح؟ أم أنها بردة فعلها العنيفة تجاه مؤسسة الأمن كانت تضع اللبنات الأولى لتسلم الحكم لصالحها، باعتبارها المؤسسة التي تصدت للأمن أثناء قمعه للمتظاهرين، ودافعت عن الشعب، حيث يبدو تسلمها للسلطة في سياق موضوعي، ويقابل بالرضى والحماس الشعبي.

تلك أسئلة مشروعة ستتكفل الأيام المقبلة بالإجابة عنها. لكن المشهد التونسي يبقى في حاجة إلى المزيد من القراءة والتحليل والمقارنات والمقاربات، بغية فك المزيد من الرموز والطلاسم، وذلك ما نعد بتناوله في أحاديث مقبلة ـــ بإذن الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

3 × أربعة =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي