تنمية الاحتلال: النموذجان الألماني والياباني

0 198

في الحديث السابق حاولنا  قدر ما تتيحه المساحة، أن نفند الادعاء الذي يطرح من قبل بعض اللبراليين العرب الجدد، بأن مشروع الهيمنة الأمريكي المعد للمنطقة ليس كله شراً، مشيرين إلى النموذجين الألماني والياباني باعتبارهما الدليل على أن المشاريع الإمبريالية يمكن أن تعجل بالتطور الاقتصادي وتحقيق التنمية بكافة تشعباتها. وقد أكدنا على أن الأمريكيين لم يحتلوا بلدانا متخلفة، بحاجة إلى الأخذ بيدها نحو المدنية والحضارة، بل احتلوا بلدين متكافئين معهم من حيث التراكم المعرفي والقدرة الاقتصادية والعسكرية، وأن البلدين قد استنهضا، بعد الحرب، مخزونهما الحضاري للمضي قدما في طريق البناء والتنمية.

 

وقد أشرنا إلى أن مشروع مارشال، الذي جرى تنفيذه في ألمانيا واليابان، كان في محصلته يصب في خدمة المشاريع الأمريكية، ويخدم المصالح الاستراتيجية للمحتل، وأنه ينبغي أن يدرس في إطار الصراع الذي احتدم بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة في تلك الحقبة، والتي شهد خلالها العالم نوعا جديدا من الحروب، عرف فيما بعد بالحرب الباردة. إن تحليل التطورات التي أخذت مكانها في البلدين المحتلين ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار انبثاق الحرب الباردة بين الكتلتين، الرأسمالية والشيوعية، بعد الحرب العالمية الثانية، وأثر ذلك على صياغة السياسة الأمريكية والأوروبية الغربية تجاه ألمانيا واليابان، بشكل ساهم في تغذية الطفرة الصناعية والنمو الاقتصادي في هذين البلدين.

 

فيما يتعلق بألمانيا، كانت هي المركز الرئيسي لدول المحور (ألمانيا، إيطاليا، اليابان). وكانت هزيمتها في الحقيقة هي الإعلان عن كسب الحلفاء للحرب. وكانت معركة الحسم لهزيمة النازية قد انتهت بدخول الجيشين الأمريكي، والسوفيتي إلى ألمانيا. الجيش الأمريكي مع بعض القوات البريطانية والفرنسية من الجهة الغربية، والجيش السوفيتي من الشرق. وعند نقطة معينة قسمت ألمانيا إلى قسمين. ولم يكن للشعب الألماني خيار في ذلك التقسيم، بل لقد دفع هذا الشعب ثمنا باهظا نتيجة ذلك التقسيم، حيث انشطرت العائلة الواحدة إلى أكثر من شطر، بعضها تواجد في الشرق والبعض الآخر في الغرب. وانتهت الحرب بقيام دولتين ألمانيتين الأولى: ألمانيا الاتحادية، وعاصمتها بون، والثانية ألمانيا الديمقراطية وعاصمتها برلين. تبنت الأولى، كما شاء لها المحتل الأمريكي الطريق الرأسمالي، وتبنت الأخرى، كما شاء لها المحتل السوفيتي، الطريق الاشتراكي.

 

بعد اكتشاف القنبلة النووية وتأجج الصراع على النفوذ في العالم بين العملاقين، السوفيتي والأمريكي، أصبحت برلين وبون مركزين استخباريين وعسكريين مهمين في الصراع بين القوتين العظميين. كان التسلل والتسلل المعاكس يجري على قدم وساق. وكان كثير من الألمان الشرقيين قد أخذوا في مراحل لاحقة يهربون إلى ألمانيا الغربية، طلبا للحرية والحياة الأفضل. وكانت الاستخبارات الروسية تبعث بعملائها إلى الغرب، والعكس أيضا صحيح، حيث كانت الاستخبارات الأمريكية هي الأخرى تنشط، ليس فقط في ألمانيا الشرقية، ولكن في عموم أوروبا الاشتراكية. وكان للاستخبارات الأمريكية دور لا يستهان به في دعم المتمردين أو المنشقين أو الإصلاحيين، لا فرق، وفي دعم حركات التمرد على السياسات السوفيتية في بولندا بمنتصف الخمسينيات، وتشيكوسلوفاكيا بنهاية الستينيات. وكان الصراع العقائدي هو الآخر، قد تمكن من شطر العالم بأسره بين مناصر للطريق الاشتراكي، وآخر مناصر للطريق الرأسمالي.

 

في بداية الخمسينيات، أخذ الصراع العقائدي يأخذ أشكالا فكرية، تمكنت خلالها المدارس الماركسية من أن توسع مواطئ أقدامها في كثير من بلدان أوروبا الغربية، والعالم الثالث، بل وفي الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها. وقد دفع ذلك بإدارة الرئيس الأمريكي، دوايت أيزنهاور أن يوكل إلى رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية، ومؤسسها، آلان دالاس، بالقيام بهجوم معاكس، على الصعيد الأكاديمي. وقد نتج عن التعاون المشترك بين البنتاجون وسي آي إيه عقد مؤتمرات علمية انتهت إلى تبني جملة من النظريات السياسية، على الطريقة الرأسمالية في عرض البضائع. كان من أبطال المنظرين لها ألموند بويل وسيدني فيربا وسام هانتينجتون. وكان والت روستو، مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي، قد جاء بنظرية المراحل، التي قال فيها بحتمية انتقال العالم إلى النظام الرأسمالي، والطريق الديمقراطي.. وأن المجتمعات الإنسانية، إذا ما اختارت الطريق الرأسمالي فإنها ستصل حتما إلى مرحلة الانطلاق.

 

كان الصراع العقائدي، بعد نظرية والت روستو، وتبني الإدارة الأمريكية لها قد انتقل إلى مرحلة جديدة، من صراع عقائدي وعسكري واقتصادي واستخباراتي إلى مرحلة بناء النموذج الرأسمالي. وكانت ألمانيا الغربية، بإمكانياتها وموقعها الجغرافي والاستراتيجي، وبالفرص المتاحة فيها هي المكان الذي جرى اختياره ليكون النموذج المستقبلي، الذي يفترض أن تحتذيه أوروبا الشرقية.. وكان التسلل المستمر والمكثف من الشرق الألماني إلى الغرب، يعكس بشكل عملي نجاح النموذج.

 

لقد تنبه السوفييت لمخاطر هذا النموذج، في وقت مبكر، على ثبات واستقرار الأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية فقاموا ببناء جدار برلين، ليكون عازلا بين الشرق الألماني وغربه. وقد بقي الجدار قائما إلى بداية التسعينيات، حتى انتهاء الحرب الباردة، بل إننا نكاد نجزم أن اليوم الذي شهد سقوط جدار برلين، هو التاريخ الحقيقي لنهاية تلك الحرب.

 

هكذا إذن نستطيع القول إن النمو الذي شهدته ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية كان بفعل مجموعة من العوامل، بعضها ذاتي، مرتبط بالإمكانيات الاقتصادية والمادية والتراكم المعرفي والحضاري في البلاد، وكان ذلك متحققا قبل الاحتلال، واستمر إلى الأعلى بوتائر متسارعة بعد الحرب، وبعضها الآخر موضوعي، ارتبط بموقع البلاد، كونها في القلب من القارة الأوروبية، وأيضا في القلب من العالم، قريبا من آسيا وإفريقيا وسواحل المتوسط. فهي بذلك مركز ملائم للاستثمار والتسويق.

 

وكانت أيضا مركزا ملائما لوجود القواعد العسكرية، التي ستحقق للأمريكيين جملة من الأهداف، يأتي في المقدمة منها ضمان تنفيذ اتفاقية الاستسلام التي وقعها الألمان، دون قيد أو شرط، غداة احتلال بلادهم من قبل الأمريكان والسوفييت. ومن جهة أخرى، فإنها المكان الأنسب لنصب مظلة عسكرية أمريكية لحماية الحلفاء في أوروبا الغربية، ولمواجهة المخاطر العسكرية السوفييتية، ليس على أوروبا وحدها، بل وعلى السواحل الأمريكية أيضا. وكان وجود قواعد نووية أمريكية في ألمانيا الغربية، بالقرب من الاتحاد السوفييتي، يعطي الأمريكيين مزية خاصة، حيث لا تكون هناك حاجة ملحة لاستخدام الصواريخ الكبيرة، العابرة للقارات.

 

كما ارتبط ذلك أيضا، بالصراع العقائدي ومحاولات الاستقطاب الدولي. والأهم من ذلك بكثير، أن ألمانيا، بحكم كل تلك العوامل، أصبحت المكان الملائم، والأنسب لبناء النموذج الرأسمالي الديمقراطي، الصناعي المتقدم، الذي تمكن بالفعل من اجتذاب اهتمام الآلاف من مواطني أوروبا الشرقية. وقد كان لهذا النموذج، دون شك، بالإضافة إلى عوامل أخرى، دور رئيسي في هزيمة المشروع السوفيتي والتعجيل في انتهاء الحرب الباردة.

 

بقي أن نقول إن تناول التجربة الألمانية قد استغرق هذا الحديث، ولم يبق أمامنا إلا أن نعد القارئ الكريم بتناول التجربة اليابانية في حديث آخر بإذن الله.

 

yousifsite2020@gmail.com

 

 

د. يوسف مكي

تاريخ الماده:- 2006-02-22


 

2020-06–0 2-:03

سرى من راى من العراق

كيف تعوق حواس الشخص بهذه الصورة، ويصبح كل شئ تجارة وياريتها تجارةمربحة وانما هي تجارة الفتات

من اين لكم هذه المعلومات “تجمع الاف من الشيعة حول الضريح” هل نسيت ام تناسيت ان المدينة تخلومن الشيعة وان الالاف هم من ابناء المدينة خرجوا غاضبين لان قدم صولاج دنست الارض الطاهرة

انها جزء من المؤامرةعلى اطيب مخلوقات الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

16 + اثنا عشر =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي