تكن لحظة مراجعة

0 409

 

حسب نظرية الصراع وحل الصراع، يلجأ المتحاربون إلى طاولة المفاوضات حين تعجز وسيلة الحرب في تحقيق أهدافها السياسية . هذا القول، ينطوي على متضمنة أخرى، تعني أيضاً أن اللجوء إلى الحرب هو وجه آخر لفشل المفاوضات بين المتخاصمين، بحيث لا يبقى أمامهم سوى تقديم تكاليف أكبر لحسم الصراع فيما بينهم .

 

في الصراع مع الصهاينة، لم تكن طبيعة المشروع الاستيطاني العدواني، تسمح للعرب والفلسطينيين، بطرق باب المفاوضات، والحلول السلمية، لأن الصراع في جوهره لم يكن صراعاً حول مناطق متنازع عليها، بل كان صراع وجود وصراع حضارة . صراع وجود لأنه استهدف اقتلاع شعب فلسطين من أرضه، وإحلال مهاجرين من خارجه، جاؤوا من مختلف بقاع العالم ليكتسبوا أرضاً، هي بحكم التاريخ والجغرافيا أرض عربية، مثلت مهد بداية لشعب فلسطين . وصراع وجود أيضاً، لأن الوجود الصهيوني حجب عن الأمة كينونتها في كيان موحد يشمل البلدان الناطقة بالضاد . وصراع حضارة، لأن اغتصاب فلسطين من قبل الصهاينة، شكّل سداً فولاذياً يحول دون تقدم الأمة وحجب عنها الحق في التنمية، ومتابعة رسالتها التاريخية في النهضة، ومعايشة روح العصر .

كانت محطات الصراع، منذ وعد بلفور مواجهات مستمرة، وانتفاضات فلسطينية متكررة في مواجهة الهجرة اليهودية لأرض السلام . وكانت الهدنات المعلنة، بين فترة وأخرى، فسحة ووقفات تعبوية للصهاينة، ليعاودوا استكمال مشروعهم في حيازة فلسطين، وتأسيس وطن قومي لليهود فوق ترابها .

لذلك كان من الطبيعي أن تشهد البدايات مواجهات ملحمية بين العرب والصهاينة، في حروب ،1948 ،1956 ،1967 1973 ومنازلات أخرى كثيرة، لم تكن نتائجها باستمرار لصالح العدو . فقد شهدت كرّاً وفرّاً، وكسبنا جولات وخسرنا أخرى .

انتصرنا سياسياً في عام ،1956 ورفضنا نتائج الهزيمة عام ،1967 وحققنا معجزة العبور عام ،1973 وكانت المعادلة غريبة وعجيبة . فالانتصار العسكري كان واضحاً وحاسماً، في معركة العبور، لكن النتائج السياسية مثلت انتقالاً رئيسياً من ثقافة المواجهة إلى ثقافة القبول بالسطو على أرض فلسطين، والاستعداد للتفاوض مع الكيان الغاصب، بشروطه حول استعادة الأراضي التي احتلها، ليس في جميع محطات الصراع العربي معه، بل الأراضي العربية التي اكتسبها في عدوان يونيو/حزيران .

خلال العقود الأربعة الأخيرة، من عمر القبول بثقافة التفاوض مع الكيان الغاصب، دخلت في القاموس السياسي العربي مفردات وتعابير جديدة: الأرض مقابل السلام، والتطبيع، وكسر الحواجز النفسية، وإعطاء قوة دفع للمفاوضات . وجميعها تقتطع من حصة الحقوق العربية، وتهيئ للمزيد من التنازلات والتفريط، على حساب قضية فلسطين .

المعضلة تكمن في النظر إلى القضية الفلسطينية، وجوهر الصراع حولها . ذلك بأن المسؤولين عن صيانة الحقوق الفلسطينية، رغم كل خبراتهم في الصراع، وأيضاً رغم التطورات التي أخذت مكانها على الأرض، لم يروا في الحركة الصهيونية مشروع حرب، وفاتهم أن الآباء المؤسسين لهذه الحركة، قد اكتشفوا مبكراً، أن اكتساب فلسطين لن ينجز إلا بنفي الوجود العربي الفلسطيني، إما من خلال التشريد أو ارتكاب المجازر، أو سحق الكرامة الإنسانية . وقد تحقق كل ذلك بنسب متفاوتة .

والأنكى أن الوسيط الذي سلّم مفاتيح أقدارنا، لم يكن نزيهاً، وقد ثبت لنا ذلك طيلة تاريخ المفاوضات، حيث لم يتردد في الكشف جهاراً عن انحيازه للعدو، والنتيجة أن كل جولة من المفاوضات بين العرب و”الإسرائيليين”، في ظل الرعاية الأمريكية قضمت جزءاً من الحقوق العربية . وفي النهاية تآكلت جملة حقوقنا، وفقدنا جميع أوراقنا، ولم تعد لنا في النهاية أوراق جديرة نتفاوض عليها . وقائمة الأوراق المفقودة طويلة، يصعب حصرها، كما هي مشاريع التصفية المعبّر عنها بمشاريع السلام طويلة يصعب حصرها أيضاً .

هذه المقدمة تقودنا إلى الجدل الدائر الآن حول عودة المفاوضات المباشرة بين “الإسرائيليين” والفلسطينيين . والتي من المتوقع أن تجري في الأيام المقبلة بين قيادة السلطة الفلسطينية برئاسة “أبو مازن” وبين رئيس الحكومة “الإسرائيلية” نتنياهو .

وكما في رحلات المفاوضات السابقة، فإن ما هو متوفر لدينا من حقائق ومعلومات لا يجعلنا نثق بأن الصورة ستكون مختلفة هذه المرة عما سواها، بل العكس صحيح . فالبديهي والمنطقي أنه كلما نضبت أوراقنا ضعفت مقدرتنا التفاوضية . ونحن في هذه الجولة ندخل المفاوضات عراة من كل شيء، حتى من الإرادة .

والنتيجة هذه ليست فرضية من جانبنا، فقد عبر أبو مازن بالفم الملاّن، وبلسان فصيح، بما يغني عن كل قول عن غياب الإرادة . قال الرجل إنه تعرّض لضغوط غير مسبوقة، كي يبادر إلى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الحكومة “الإسرائيلية” بنيامين نتنياهو .

ويؤكد أبو مازن أن الضغوط التي تعرّض لها ليست اعتيادية، بل هي من النوع الذي لا يحتمل، وأنه “لا يوجد بشر يمكن أن يتحمل الضغط الذي نتعرض له” . المهم هو ليس نوع الضغوط التي تعرّض لها الرئيس، ولكن نتائجها . فالرئيس في النهاية رضخ للضغوط وقبل بالإملاءات التي فرضت عليه .

أما ما سيترتب على استئناف هذه المفاوضات من نتائج، فليس علينا أن ننتظر طويلاً . فقد دفعنا بعضها مقدماً، وقبل بداية المفاوضات . أو ليست وحدة الحركة الوطنية الفلسطينية هي صمام الأمان في الدفاع عن الثوابت والحقوق، وأن التشظي والتشرذم يقودان إلى المزيد من التفتيت، ويسهلان على العدو إحكام قبضته على البقية الباقية من فلسطين؟ . وإذا كان الأمر كذلك، فالمؤكد أن القبول باستئناف المفاوضات بين “إسرائيل” والسلطة، قد أسهم في حدوث تصدعات جديدة في الجدار الفلسطيني المملوء بالشروخ والتصدعات .

ففي دمشق، أكدت قيادات أحد عشر فصيلاً من المقاومة الفلسطينية، هذا الأسبوع، رفضها للمفاوضات المباشرة أو غير المباشرة مع الكيان الصهيوني، معتبرة العودة إلى المفاوضات المباشرة خضوعاً لإملاءات الصهاينة والأمريكيين . وقد حذر قادة هذه الفصائل في بيانهم من “النتائج والتداعيات الخطيرة لاستمرار نهج التنازل والتفريط في الحقوق الفلسطينية” .

ووفقاً لبيان دمشق، فإن المفاوضات بين الصهاينة والفلسطينيين، المزمع عقدها قريباً، ستكون من نتائجها “تصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية، والتغطية على ممارسات الاحتلال في توسيع الاستيطان وتهويد القدس واستمرار الحصار على قطاع غزة وتكريس الأمر الواقع”، كما تستهدف “التغطية على مخططات عدوانية تتربص بالمنطقة بأسرها وترتبط بالاستراتيجية الأمريكية -”الإسرائيلية”، وأنها سوف تؤدي إلى كسر طوق العزلة عن الكيان الغاصب، حيث يتنامى ويتصاعد التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني.

وإذا كان علينا أن نتجاهل دروس الماضي، ولا نتعلم منها شيئاً، ونتجه بحسن نية وطيبة قلب إلى المستقبل، فإن ما رشح من تصريحات ومواقف لا يجعلنا نتفاءل بحدوث أي اختراق تجاه تأمين الحقوق الفلسطينية .

فحكومة العدو حددت شروطها مقدماً لاستئناف المفاوضات، فهي لن تقبل أي دور للجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط التي تدعو إلى وقف الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية، والتوصل إلى اتفاق سلام شامل مع الفلسطينيين في غضون سنتين، وإقامة دولة فلسطينية، على أساس حدود ما قبل حرب عام ،1967 وترفض الحكومة “الإسرائيلية”، أيضاً، أية دعوة لاستئناف المفاوضات المباشرة إلا من خلال الولايات المتحدة، مشددة على وجوب ألا تكون هناك شروط مسبقة لاستئناف هذه المفاوضات .

لقد رضخت الإدارة الأمريكية للشروط “الإسرائيلية”، وتأكد أن اللجنة الرباعية سيجري استبعادها من المفاوضات، وأن الدعوات سترسل منفردة إلى “إسرائيل” والفلسطينيين للشروع بمفاوضات مباشرة من دون شروط مسبقة، كما أراد رئيس الوزراء “الإسرائيلي” نتنياهو .

والإشارة هنا واضحة، بمعنى أن المطلوب في المفاوضات المقبلة هو تجاهل قضايا المستوطنات في الضفة الغربية، وحقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، وعروبة القدس، ويهودية الكيان الغاصب . بمعنى أن على الفلسطينيين أن يستأنفوا المباحثات من دون تمسك بحقوقهم الوطنية غير القابلة للتصرف، ومن دون المطالبة بتفعيل جميع القرارات الدولية ذات الصلة .

إن هذه النتيجة تقودنا إلى مدخل هذا الحديث، حول نظرية الصراع وحل الصراع. لقد جرّبنا مقاربتين في الصراع مع العدو . الأولى كسبنا فيها جولات وخسرنا أخرى، لكننا احتفظنا بالإرادة والكرامة، وبحقنا في صناعة قرارنا المستقل . أما المقاربة الأخرى فأودت بنا إلى ما نحن عليه الآن . أولسنا بحاجة إلى مراجعة نقدية لتجربة العقود الأربعة المنصرمة، وإيجاد مقاربة جديدة، تحفظ لنا شيئاً من كرامتنا وإنسانيتنا؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة × 3 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي