تطور خطير بالأزمة الأوكرانية

7
في حفل مهيب، أخذ مكانه في موسكو بمبنى الكرملين، ووسط تنديد شديد من قبل أمريكا والدول الأوروبية، وقع الرئيس الروسي، بوتين مرسوما بضم أربعة أقاليم، أوكرانية، هي لوغانيسك ودانيسك وزباروجيا وخيرسون، للأراضي الروسية. وفي خطابه بهذه المناسبة، أعلن بوتين أن هذه الأقاليم باتت للأبد، جزءا لا يتجزأ من الأراضي الروسية، وتعهد بالدفاع عنها، تماما كما يتم الدفاع عن موسكو. وطالب نظيره الأوكراني بالعودة إلى طاولة المفاوضات. وقد رفض الرئيس الأوكراني، زيلنسكي دعوة روسيا للعودة إلى طاولة المفاوضات، وأعلن أنه لن يدخل في أي مفاوضات مع روسيا، طالما بقي بوتين في سدة الحكم. وفي رده على الخطوة الروسية، تقدم الرئيس الأوكراني بطلب عاجل للإنضمام لحلف الناتو.
من جانبه اعتبر الرئيس الأمريكي، جوزيف بايدن، الخطوة الروسية، عملا مخجلا، وتعهد بعدم الاعتراف مطلقا بضم الأقاليم الأربعة للدولة الروسية، وأكد على أنها انتهاك واضح للقانون الدولي، ومبادئ الأمم المتحدة، واعتداء سافرا على سيادة أوكرانيا. وقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن أن بلاده اتخذت، مع مجموعة الدول السبع، إجراءات سريعة، ردا على ضم بوتين لأقاليم تابعة لأوكروانيا، وهدد بأن العقوبات الجديدة التي ستفرض، ستشمل الدول التي ستعترف بالخطوة الروسية.
أما الاتحاد الأوروبي، فقد صرح ناطق باسمه، بأنه لن يسمح لبوتين بتغيير الخارطة الأوروبية، وأنه لن يتم الاعتراف بهذا الضم غير القانوني. وفي السويد، صرح رئيس الوزراء، أن الأقاليم التي ضمتها روسيا، هي ضمن السيادة الأوكرانية. وتوالت تصريحات معطم الدول الأوروبية، في هذا الاتجاه.
وليس من شك في أن ضم الأربعة الأقاليم الأوركرانية، إلى روسيا، هو رد مباشر، على الانتكاسة العسكرية الروسية، في جنوب شرق أوكرانيا، وبما يتيح للقيادة الروسية، اتخاذ قرارات حاسمة باستخدام أسلحة استراتيجية متقدمة، لحماية روسيا ومواطنيها من العدوان، من وجهة النظر الروسية.
وليس من المستبعد أن تكون إدارة بوتين، قد وضعت في الاعتبار، ما يلحقه ضم هذه الأراضي لروسيا الاتحادية من تأثير كبير، في إضعاف الخصم الأوكراني اقتصاديا، كون تلك الأقاليم غنية بالموارد الطبيعية، حيث تشير الاحصائيات، إلى أن نحو 70% من ثروات أوكرانيا، تتركز في تلك الأقاليم، فضلا عن أنها تشكل عقدة مهمة لشبكة المواصلات البرية والبحرية، التي تمر بها صادرات البلاد إلى البحر الأسود، وصولا إلى الشرق الأوسط، وبقية أنحاء العالم. وسيكون من شأن اقتطاع هذه الأقاليم منها، إضافة قوة اقتصادية لروسيا، في وقت تتعرض فيه للحصار والعقوبات الاقتصادية المفروضة من الغرب.
الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، رغم شجبها واستنكارها للخطوة الروسية، لكنها لم تحدث تغييرا جوهريا في استراتيجياتها تجاه أوكرانيا. فهي لا تزال تتمسك بأن الحرب الروسية الدائرة على الأراضي الأوكرانية، ليست حربها، وأنها لن تنجر للانخراط المباشر فيها، لأن ذلك يعني اشتعال حرب عالمية ثالثة، ليس بمقدور البشرية تحمل كلفها. لكنها على الصعيد العملي، تعزز من دعمها العسكري، لأوكرانيا، وتمنحها أسلحة أكثر قوة، وقدرة على إحداث التوازن العسكري في حربها مع روسيا.
الطلب الأوكراني العاجل بالانضمام إلى حلف الناتو، لم يقابل بشكل إيجابي من الغرب. فقد سارعت ألمانيا لرفضه، واعتبار توقيته غير ملائم. وفي أمريكا، صرح ناطق باسم البيت الأبيض، بأن ضم أوكرانيا لحلف الناتو، في هذه المرحلة، يعني انخراط الحلف في هذه الحرب، بما يهدد باشتعال حرب نووية، ليس من مصلحة أحد اندلاعها، ولذلك فإن أمريكا في الوقت الذي تقدم فيه الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي لأوكرانيا، وتساند حقها في الاستقلال والسيادة، لكنها تتردد في قبولها عضوا بالحلف، وترجيء ذلك إلى ما بعد توقف حربها مع روسيا. وفي ذات الوقت، تواصل تحريضها الرئيس الأوكراني، على مواصلة القتال، حتى أخر جندي أوكراني، وعدم الخضوع للمطالب الروسية.
تأتي هذه الأحداث، وسط عملية تخريب متعمدة لخطوط الإمداد بالغاز الروسي للقارة الأوروبية، حيث شهدت مياه بحر البلطيق، تسربا للغاز في أربعة مواضع مختلفة من خط أنابيب نورد ستريم، وفق إعلان صادر من الحكومتين السويدية والدنماركية. ورغم عدم تبني أي طرف لهذه العملية، لكن ذلك لا ينفي أن فاعلا ما قد نفذ هذه العملية، وأنها تأتي في إطار الحرب التي تدور رحاها الأن بين روسييا وأوكرانيا.
التصعيد والتصعيد المتبادل، بين روسيا، وغرمائها في أمريكا وأوروبا، والتهديد باحتمال استخدام أسلحة نووية تكتيكية، يشكل تهديدا خطيرا للسلم العالمي، ويضع العالم بأسره، في أتون حرب لا تبقى ولا تذر.
​​​​​​​د. يوسف مكي

التعليقات مغلقة.

د.يوسف مكي