تحولات استراتيجية في خريطة التحالفات الاقليمية

0 416

انتهت الحرب العالمية الثانية، بانتصار الحلفاء وهزيمة دول المحور. وكانت خاتمة الحرب قد شهدت استخدام السلاح النووي، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، ضد اليابان لأول مرة في التاريخ الإنساني. قصفت مدينتا هيروشيما ونجازاكي بقنبلتين نوويتين.

ولم تمض فترة قصيرة، إلا ويلحق الاتحاد السوفييتي بالنادي النووي، ليكسر احتكار الأمريكيين لهذا النوع من السلاح.

 

ولأن التحالف بين البلدين، قد حكمته ظروف الحرب الكونية، ولم تسنده عناصر أخرى، فإن من الطبيعي أمام الاختلافات العقائدية، والسياسات الاقتصادية، بين أمريكا والسوفييت، فإن من الطبيعي أن ينتهي هذا التحالف بنهاية الحرب، وأن يكون ما بعد توقف المعارك مغايرا تماما للحال أثناء احتدامها.

كان مسار العمليات العسكرية في الأيام الأخيرة، للحرب قد أوجد وقائع جديدة على الأرض. فإعلان الانتصار، جاء بعد وصول القوات المتحاربة إلى قلب برلين. وكانت الجيوش السوفييتية قد قدمت من الشرق، بعد أن أنجزت احتلال دول أوروبا الشرقية، فيما قدمت القوات الأمريكية وحلفائها من الغرب، باتجاه ألمانيا.

وقد حكم الواقع الجديد صورة المشهد الجيوسياسي، لما بعد الحرب، حيث انقسم العالم إلى معسكرين: غربي بقيادة الولايات المتحدة وشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي. وكان لذلك إسقاطاته في انقسام العالم، إلى نهجين سياسيين. نهج يلتزم بالنظام الديمقراطي على الطريقة الغربية، ونهج آخر، شمولي يقوده الحزب الحاكم. وكانت تلك واحدة من أهم معالم الحرب الباردة بين القطبين.

وقد عمل الفريقان على إيجاد تحالفات عسكرية وسياسية تسند موقعهما في الحرب الباردة. وأهم تلك الأحلاف، حلف الناتو بقيادة أمريكا، وحلف وارسو بقيادة السوفييت. كما عملت أمريكا على خلق تحالفات إقليمية، في ما بات معروفا بمنطقة الشرق الأوسط، لمحاصرة الاتحاد السوفيتيي، كان الأبرز بينها مشروع الرئيس الأمريكي دوايت ايزنهاور لملء الفراغ بالشرق الأوسط، وحلف بغداد الذي شاركت في عضويته باكستان وإيران والعراق وتركيا والأردن. وبحدوث انقلاب ١٤ يوليو عام ١٩٥٩م، تغير اسم حلف بغداد إلى حلف المعاهدة المركزية، بنفس أعضاء الحلف السابق، ناقصا العراق. وكان الهدف الرئيس من هذه الأحلاف،

خلق منطقة عازلة بين الدب القطبي، والمياه الدافئة بالجنوب.

حققت إيران وتركيا، بارتباطهما بالغرب مكاسب كثيرة ليس أقلها غض الطرف عن الخروقات التي تمارسها حكومتا البلدين، فيما يتعلق بحقوق الإنسان.وضمنتاتأييدالغرب لها في سياساتهما الخارجية. والأكثر من ذلك مساندة الغرب لهما، في قمع التطلعات القومية، للحركة الكرديةبالبلدين.

في أوائل التسعينيات من القرن المنصرم، سقط الاتحاد السوفييتي، ومنظومة الكتلة الاشتراكية، وتقلصت الحاجة الامريكية، للمناطق العازلة. ولم يعد لكل من إيران وتركيا أهميتهما الاستراتيجية، التي سادت أثناء الحرب الباردة.

اقتنصت طهران انشغال الإدارات الأمريكية، ريغان وبوش، بتصفية تركة الإمبراطورية التي وصفها ريجان بإمبراطورية الشر، فأعادت بناء قوتها العسكرية، والدخول في مجال الصناعة النووية، بعد انتهاء حربها الضروس مع العراق.

ومن جهة أخرى، نشط الإسلام السياسي في تركيا بقوة، وتمكن من إيصال نجم الدين أربكان إلى رئاسة الحكومة. لكن قوة العسكر، ومحاولة الإخوان الخروج على الصيغة العلمانية، التي كرسها إرث أتاتورك، أطاحت بهم سريعا. لكن عوامل كثيرة، بضمنها عزوف الغرب عن قبول تركيا عضوا بالاتحاد الاوروبي، ومشاعر المهانة التي شعر بها المسلمون عموما جراء عودة مناخات الحروب الصليبية، وبشكل خاص الغزو العسكري لأفغانستان والعراق، ودعم الكيان الصهيوني، خلقت بيئة ملائمة لعودة الإسلام السياسي في جمهورية اتاتورك وعودته إلى السلطة بقيادة رجب طيب أردوغان, وكان من أحد عوامل نجاحه، تبني سياسة تركز على الجنوب بدلا من الغرب، وتهتم بتصحيح الخلل مع جوارها الإقليمي، تحت شعار صفر مشاكل.

لم تمض فترة طويلة، إلا وروسيا، بقيادة فلاديمير بوتين تنهض من جديد. أعادت بناء قوتها العسكرية والاقتصادية، وبدأت تتحرك في الجمهوريات السوفييتية السابقة، وخرجت منتصرة من أزمة القرم. وحبن حدثت الحركة الاحتجاجية في سوريا، انهمكت بالأزمة وأخذت قواتها تتموضع من جديد في البحر الأبيض المتوسط.

المتغير الاستراتيجي الجديد، هو انتقال إيران وتركيا من حلفاء للغرب إلى أصدقاء لروسيا. لقد أضاع الأمريكيون، حليفين استراتيجيين، بتصور أن ما بعد نهاية الحرب الباردة ستكون مرحلة طويلة، لكن للتاريخ مكره وجبروته.ارتبط المتغير الأول بسقوط شاه إيران، وسار في خط بياني متصاعد، بلغ ذروته في الأيام الأخيرة، بمنح حكومة طهران المقاتلات الروسية حق الانطلاق من قاعدة همدان الجوية، بهدف معلن هو محاربة الإرهاب.

والمتغير الأخر، هو دخول تركيا على الخط، بشكل مباشر في أوضاع سوريا، بهدف اجهاض مخطط امريكي لإقامة دولة للأكراد، وقد عملت تركيا على اقامة منطقة عازلة، لإعادة ترحيل مهاجرين سوريين يقيمون على أراضيها، يقدرون بمليوني لاجئ، واقامة سد بشري عربي في مواجهة التمدد الكردي، واعتبار إسقاط المشروع الكردي، أولوية تتقدم القضاء على الإرهاب.

وهكذا تغيرت الأولويات، كما تغيرت خريطة التحالفات، وفقا لمصالح الاطراف المتواجدة على الارض، واعداء الأمس يمكن ان يتحولوا اليوم الى اصدقاء.

المؤكد أن هناك توافقا إيرانيا تركيا، على محاربة فكرة “الدولة الكردية”، سواء في سوريا أو على أي جزء من الجوار الإقليمي. وان متغيرا حقيقيا، طرأ على خريطة التحالفات بالمنطقة بأسرها. والرابح الأكبر في هذه المتغيرات هي روسيا بوتين.

وليس من شك في أن انطلاق الطائرات الروسية العملاقة من قاعدة همدان الايرانية للمرة الاولى منذ سبعين عاما، يعد طورا سياسيا أكثر مما هو تكتيك عسكري، ويفتح صفحة جديدة في التحالف الاستراتيجي الروسي الايراني، الذي بدأ يتعزز في المنطقة على حساب الدور الأمريكي.إن استخدام الأراضي الإيرانية، لتنفيذ هجمات في سوريا، لم يكن ضرورة ملحة بالنسبة للروس، بل هو أقرب إلى استعراض القوة. فالأساطيل الروسية متواجدة في مياه البحر الأبيض المتوسط، وعلى سواحل طرطوس واللاذيقية. لقد نجح الدب الروسي في صراع الإرادات مع غريمه اليانكي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

14 + 13 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي