بعد قرار جامعة الدول العربية: ليبيا إلى أين؟

0 357

شهد هذا الأسبوع انعقاد اجتماع لوزراء الخارجية العرب، في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة، لمناقشة تطورات الأوضاع في ليبيا. وقد انتهى الاجتماع بصدور قرار يطلب من مجلس الأمن الدولي، فرض حظر الطيران فوق ليبيا، بهدف وقف هجمات العقيد معمر القذافي وحماية المدنيين والحد من الخسائر البشرية. ومن المنتظر أن يسهم هذا القرار في تسهيل مهمة مجلس الأمن الدولي في اتخاذ قرار مماثل، تضطلع بتنفيذه القوى الكبرى.

 

في هذا الاتجاه، رحب ناطق باسم البيت الأبيض بقرار الجامعة العربية ورأى فيه تعزيزا للضغوط الدولية على القذافي ودعما للشعب الليبي، لكن إدارة أوباما شككت في فاعلية الحظر، وأصرت على أن يسبق تنفيذه قرار من مجلس الأمن، وأن دور الدول العربية ينبغي أن لا يقتصر على التأييد بل يجب أن تشارك في العمل أيضًا.

يهدف هذا الحديث لتقديم قراءة لما يجري في ساحة المواجهة الليبية، بين نظام العقيد القذافي في طرابلس، والثوار الذين يتمترسون في بنغازي، وتأثيرات قرار الجامعة العربية، على هذه المواجهة.

تقتضي هذه القراءة التذكير بأن الكيان الليبي المعاصر، هو ناتج وحدة بين ولايات ثلاث: طرابلس وبرقة وفزان. وقد ارتبط وجود هذا الكيان بتنازل إيطاليا، تحت ضغط نتائج الحرب الكونية الثانية عام 1947 عن ممتلكاتها الاستعمارية، وصدور قرار عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، باستقلال ليبيا، وقيام المملكة الليبية المتحدة. لكن استقلال ليبيا رسميا لم يتحقق إلا عام 1951. في الفاتح من سبتمبر قاد العقيد معمر القذافي انقلابا عسكريا أطاح بالملك محمد السنوسي، وأعلن الجمهورية. ومنذ ذلك الحين، تربع العقيد على الحكم، وقاد البلاد بقبضة حديدية حتى انطلاق الثورة الليبية مؤخرا.

وبغض النظر عن النبرات المتفائلة التي تشوب الخطابات القادمة من طرابلس وبنغازي حول قدرة الفريقين المتحاربين، على حسم الصراع، كل يؤكد أن الحسم سيكون في صالحه، فإن ما يجري على مسرح المواجهة لا يشي بقدرة أي من الغرماء على تحقيق الحسم.

إن فشل الثورة الليبية في حسم الصراع، وإجبار العقيد على مغادرة السلطة بذات الطريقة التي غادر فيها الرئيسان التونسي والمصري، يطرح سؤالا جوهريا حول أسباب فشل الثورة في ليبيا ونجاحها في تونس ومصر.

لا شك أن الإجابة على هذا السؤال، تفرض طرح مقارنات ومقاربات بين المناخات والظروف التي انطلقت منها الثورات الثلاث. فهناك أولا كيانية الدولة في مصر وتونس، وهي كيانية فرضها التاريخ، منذ آلاف السنين، وأسهمت الجغرافيا في ترسيخها. ذلك ما لا يبدو أنه ينسحب على التجربة الليبية، التي برز كيانها بفعل ولادة قيصرية، تعسرت أكثر من خمس سنوات، وكانت الدول الكبرى، والجمعية العامة للأمم المتحدة هي قابلتها.

في التجربتين التونسية والمصرية، هناك التواصل الجغرافي، فالمسافات بين المدن لا تفصل بينها الفيافي المقفرة، بل تتصل في معظمها من خلال الأرياف والمروج الخضراء. والهوية الجامعة في القطرين متماسكة وقوية، تصغر دونها الهويات الجزئية. والتجمعات السكانية في تونس ومصر لا تشكل مستوطنات منعزلة عن بعضها، كما هو الحال في ليبيا، حيث تتباعد المدينة عن الأخرى، بمئات الكيلومترات. والمسافة بين بنغازي، مركز الثوار وبين العاصمة، طرابلس تبعد ما يقرب من الألف كيلومتر، في معظمها أراض صحرواية مستوية ومكشوفة، بحيث يستحيل على جيش غير مجهز بأسلحة حديثة، عبورها.

تواجهنا أيضا قضية الكثافة السكانية، فليبيا رغم اتساع مساحة أراضيها، لا تضم أكثر من ستة ملايين نسمة، موزعة بشكل غير متكافئ. فطرابلس وحدها، التي تقع في الوسط الغربي، تضم أكثر من 45% وسيرت تضم أكثر من مليون نسمة. وتعتبر مصراته من المدن الكبرى في الغرب الليبي. بينما لا يضم شرق ليبيا سوى نسبة ضئيلة من السكان. ذلك يعني ببساطة، أن المناطق التي يسيطر عليها الثوار، رغم اتساع رقعتها، ليست ضمن المناطق ذات الكثافة السكانية العالية. العكس صحيح تماما، فالكثافة السكانية، لا تزال في مدن تحت سلطة العقيد القذافي. وهنا المفارقة. فالثوار يسيطرون، قبل هجوم القذافي العسكري الأخير، على أكثر من 70% من الأراضي الليبية، بمعنى أن القذافي لا يسيطر على أكثر من 30% من أراضي ليبيا، لكن المدن التي يسيطر عليها تضم غالبية السكان الليبيين.

يحتفظ نظام القذافي أيضا بقوة عسكرية ضاربة، قياسا إلى القوة التي يملكها الثوار. إضافة إلى حيازته لقوة جوية وبحرية، يفتقر الثوار لمثيلها تماما. وإذا أخذنا بعين الاعتبار اتساع المسافات بين الشرق والغرب، فإن ذلك يعني استحالة، قطع الثوار للصحراء الشاسعة، وبلوغهم إلى الجهة الغربية من ليبيا. فسطوة القوة الجوية جاهزة، والصحراء مستوية ومكشوفة. والتعويل في النتيجة لن يكون سوى على التمرد في المدن الغربية، وهو ما لا يلوح في الأفق بسبب التحالفات القبلية، والتلويح بالجزرة والعصا، التي يمارسها العقيد في تلك المدن.

ليس من شك في أن الذي حسم الموقف في الحالتين التونسية والمصرية، هو انحياز المؤسسة العسكرية للثوار، وعملهما على حقن الدماء، وعقلانية الزعيمين السابقين، الرئيس بن علي في تونس والرئيس مبارك في مصر. لقد حمى ذلك البلدين الشقيقين، من التفتت، وأبقى كيانية الدولة سليمة معافاة. وذلك ما لم يحدث في القطر الليبي. فلا الجيش انحاز إلى الثائرين، ولا القائد العقيد تنحى عن السلطة. ولذلك كان من الطبيعي أن تكون الحرب الأهلية هي البديل، وذلك ما هو متحقق فعلا، وما لا يبدو انقشاعه في الأيام القادمة.

نقطة أخرى مهمة، يجدر تناولها في هذا السياق، هي أن النظام الملكي السابق، لم يكن يسمح بحرية العمل السياسي أو النقابي. وجاء نظام العقيد وواصل هذا النهج. وقد بدأت المعارضة الليبية في التشكل منذ بداية السبعينيات. وبرز من بينها جبهة الإنقاذ الوطني. ولأن هذه المعارضة عملت في ظروف غاية في الصعوبة، فقد كان حضورها في الغالب خارج ليبيا وليس في البيئة المفترض أن تعمل بها. وكانت نتيجة ذلك، أن أقامت صلات بالقوى الخارجية، بما أدى إلى تحقيق اختراقات كبيرة من تلك القوى في داخل بنيتها والتأثير في توجهاتها. وقد أقيمت في الثمانينات من القرن المنصرم معسكرات تدريب لبعض عناصر المعارضة على الأراضي الأمريكية.

إن هذه الاختراقات هي التي تفسر لنا كيف تمكنت عناصر بريطانية مسلحة من التسلل شرقا إلى الأراضي الليبية، تحت ذريعة إجراء مفاوضات مع المجلس الوطني الانتقالي، وقد أعلن عن إلقاء الثوار القبض على بعض عناصر هذه المجموعة. كما تفسر لنا دعوة بعض أعضاء المجلس للقوى الخارجية للتدخل العسكري لصالح الثوار، تحت ذريعة أنهم لا قبل لهم بمواجهة جيوش العقيد. كما يفسر لنا اقتصار البعض على المطالبة بقصف منطقة العزيزية، حيث يتحصن العقيد، وضرب المرتزقة، الذي يعني ضرب معاقل الجيش الليبي، وفرض حظر جوي على السماء الليبية، لمنع الطيران الليبي من قصف تحصنات الثوار.

قرار جامعة الدول العربية، بفرض الحظر على الطيران الليبي، ربما يجنب المعارضة إمكانية التعرض لغزو قوات القدافي، لكنه سيخدش النقاء الثوري والموقف الوطني الذي يفترض أن يكون جزءً من هوية الثورة. إن جل الاحتمالات تؤكد أن تدخلا عسكريا أجنبيا لصالح الثوار، سيعزز تقسيم ليبيا إلى سلطتين، أو أن تتحول الأمور إلى ما هو أسوأ من ذلك بكثير، بحيث تتصومل ليبيا، وتصبح ساحة للفوضى، تهدد الأمن القومي العربي، وتكون عبئا مضافا عليه، ما لم يتدخل العقلاء من القيادات العربية، لتوجيه الأحداث بما يخدم حقن الدماء ويؤمن وحدة ليبيا، ويقي الأمة شرور الانقسامات والتفتيت.

وتبقى هناك محاور أخرى بحاجة إلى التأصيل والتحليل في أحاديث أخرى قادمة.



اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

واحد × اثنان =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي