بعد فشل العملية الانقلابية تركيا إلى أين؟

0 441

يمكن القول إن انطلاق ما بات معروفا بالربيع العربي، قد شكل نقطة البداية في التغير الجوهري بالسياسة التركية، من مشاكل صفر، وتحسين العلاقات مع جميع جيرانها جنوبا وشرقا، إلى الانخراط بقوة في الحراك الإخواني بالدول العربية، على أمل القطف السريع لثمار هذا الحراك.

 

لكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن. فقد سقط نظام الإخوان المسلمين في مصر برئاسة الدكتور محمد مرسي، مضاف إليها هيمنة الإخوان على البرلمان، بثورة 30 يونيو 2013م. وفي تونس فشلت حركة النهضة في حصد أغلبية المقاعد، في الانتخابات الثانية بعد الثورة. والأغرب أن من نجح كان الجناح التجديدي في البورقيبية، ممثلا في النداء التونسية بقيادة القائد السيبسي. وفي اليمن تعثر المشروع السياسي، وعاد صالح مع الحوثيين إلى الواجهة. وضربت الحكومة الشرعية التي يقودها الرئيس هادي. وتعطل الحوار الوطني. ولا تزال الأوضاع مرتبكة.

وفي سوريا هناك ما يشبه الحرب العالمية، حيث الجميع متواجد في الخنادق. والبلد يتجه نحو المجهول. ورهانات تركيا على حسم سريع، يوصل الإخوان إلى السلطة باتت أقرب إلى المستحيل. وفي ليبيا تحولت البلاد، إلى مركز للفوضى، وملاذ للإرهاب والإرهابيين.

والنتيجة أن تركيا التي راهنت على الجنوب، وأدارت ظهرها للغرب، وجدت نفسها في مأزق حقيقي. فعلاقة الحكومة التركية بالغرب لم تعد في وضع جيد. والصحف الأمريكية، والغربية على العموم تحمل كيف يوم اتهامات جديدة لأردوغان. بل إن الرئيس الأمريكي باراك أوباما نفسه، لم يتردد عن وصف أردوغان بالديكتاتور. وميركل تصفه بالمستبد، وتعيد التذكير بحملات الإبادة التركية بحق الأرمن.

ومن جهة أخرى، فإن محاولته التقرب من روسيا، بوتين وتوقيع اتفاقيات اقتصادية واستراتيجية معها، اصطدمت بالخلاف حول الموقف من سوريا، وانتهت بأزمة حادة وقطيعة بين البلدين، إثر إسقاط تركيا لطائرة مقاتلة روسية قرب حدودها الجنوبية.

والاقتصاد التركي، الذي نهض به أردوغان في مراحله الأولى حين تبنى سياسة صفر مشاكل، يعاني من مشاكل حادة بعد أحداث سوريا، التي تشكل محطة ترانزيت رئيسية للصادرات التركية، المتجهة نحو الجنوب إلى الأردن والسعودية وبقية دول مجلس التعاون الخليجي.

والأزمة الكردية، التي خبت بفعل التنسيق الأمني السوري- التركي- الإيراني، عادت بقوة للبروز، مهددة من خلال عملياتها الكثيفة، أمن تركيا واستقرارها.

لقد أدرك رجب طيب أردوغان صعوبة الأوضاع التي تمر بها بلاده. وقام قبل أيام قليلة من الانقلاب باستدارة مفاجئة. طبع العلاقات مع إسرائيل. واعتذر من بوتين عن إسقاط الطائرة الروسية المقاتلة، وطالب بإعادة العلاقات الطبيعية مع روسيا. وأصدر تصريحات إيجابية تجاه نجاه طهران، معللا النفس في تحقيق زخم جديد بالعلاقة مع إيران.

كما أبان عن الرغبة في تطبيع العلاقة مع مصر، والرئيس عبدالفتاح السيسي. وأبدى مرونة غير مسبوقة تجاه نظام الحل السياسي في سوريا. وبدأ أن تحولا دراماتيكيا قد أخذ مكانه في السياسة التركية. وجاءت عاصفة الانقلاب في محطة مصيرية من محطات الانتقال في السياسة التركية الخارجية.

فشل الانقلاب العسكري الذي وقع في تركيا قد يكون مؤشرا، على اختلالات فعلية في توازنات القوة بالمشهد السياسي التركي، بشقية العسكري والمدني. فقد بدا واضحا تراجع نفوذ المؤسسة العسكرية، التي أنيط بها حماية النظام العلماني . ولم يعد يمقدور هذه المؤسسة أن تفرض أمرا واقعا، مغايرا لحقائق القوة على الأرض. صحيح أن مدبري الانقلاب ارتكبوا أخطاء كارثية كبيرة،, غير أن هذه الأخطاء لا تفسر وحدها مجمل الأسباب التي أدت إلى فشل الانقلاب. فلولا رفض المجتمع التركي بمختلف فئاته للانقلاب لما تمكن أردوجان أن يجتاز هذا الاختبار الصعب.

أمام أردوغان الآن تحد صعب. إما أن يقوم بمراجعة دقيقة لسياساته، ويضيق دائرة خصومه، أو يغرق كثيرا في مزيد من الأزمات. أمامه على سبيل المثال، مشكلة الأكراد، الذين يطالبون بحكم ذاتي. وضمن مواطنيه أكثر من ثمانية عشر مليون نسمة، من الطائفة العلوية، جميعهم يرون في سوريا مركز انتمائهم العقدي. ويضاف إلى ذلك أنه دخل في مواجهة مع العسكر والقضاء ومعظم مؤسسات الدولة، ويتصرف بروح انتقامية. وأوضاعه الاقتصادية ليست في أحسن حال.

وعلى صعيد الخارج أـخذ أوردوغان يكيل الاتهامات يمنة ويسرة. ومنذ الوهلة الأولى اتهم الولايات المتحدة الأمريكية، بالوقوف خلف الانقلاب. فكيف وعلى من ستكون مراهناته.

المؤشرات السياسية لما بعد الانقلاب تشي بأن أردوغان سيواصل ما بدأ به مؤخرا. فيعمق علاقته مع روسيا وإيران وإسرائيل، ويحسن علاقته مع مصر. ويتراجع عن موقفه المتشدد في سوريا. ولكل من هذه الخطوات مبرراتها وأسبابها.

فمعالجة الأزمة السورية سلميا، ستتيح لتركيا مد عمقها الاقتصادي جنوبا. والاتفاق مع سوريا وإيران، سيسهم في تقهقر الجماعات الكردية، وتأمين أوضاعه على الحدود الشرقية والجنوبية. أما مع روسيا فيتوقع أن يجني عشرات المليارات من الدولارات، في حال وافق الروس على استئناف الاتفاق الاستراتيجي الذي جرى توقيعه من قبلهم من الحكومة التركية.

ويدرك الأتراك أن تحسين العلاقة مع مصر، وتطوير العلاقة مع السعودية ودول الخليج سيوجد بدائل اقتصادية وسياسية، تسهم في إضعاف الحصار السياسي الغربي عليهم. وربما يسهم ذلك في فتح صفحة جديدة مع الغرب، بما يسهم في خروج تركيا من الأزمة السياسية الحالية.

بالنسبة للوضع السياسي الداخلي، فمن المبكر التنبؤ بذلك. فاستمرار البطش بالمعارضة، ربما يدفعها إلى التجمع من جديد، والقيام بضربة أخرى، قد لا يكون بمقدور أردوغان استيعابها. إن تصرفات أردوغان الأخيرة، ومحاولته إحكام قبضته على كل مرافق البلاد، والقيام بعمليات تطهير واسع في دوائر التربية والقضاء والجيش والداخلية والمخابرات، من شأنها أن تكون بمثابة عقب إيخل الذي سودي به.

والخلاصة أن تركيا الآن تتجه نحو عاصفة مجهولة، لن يستطيع كبحها إلا ربان ماهر، قادر على قيادة السفينة، وسط الأمواج المتلاطمة، على الصعيدين الداخلي والخارجي. ووجود هذا الربان، وفق المعطيات الراهنة يبدوا أمرا مشكوكا به.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

20 + 10 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي