بعد ستة وستون عاما على النكبة فلسطين إلى أين؟!

0 333

 

فتح وعد بلفور عام 1917، بإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين التاريخية، بوابات الهجرة لأرض السلام. وبالقدر الذي تتصاعد فيه الهجرة، بالقدر الذي ترتفع فيه المواجهات العنيفة بين المستوطنين الغرباء، والسكان الأصليين. في الثلاثينات من القرن المنصرم، اندلعت الثورات الشعبية، فوق كامل التراب الفلسطيني، مطالبة بإنجاز هدفين في آن واحد. الأول إيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين والتصدي للمشروع الصهيوني، والثاني إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، وتحقيق الإستقلال.

وأثناء الحرب العالمية الثانية، تراخت قبضة الانتداب البريطاني على فلسطين، بسبب انهماكها مع الحلفاء في مواجهة دول المحور. وكان العالم قد تنامى إلى علمه أخبار المحرقة اليهودية، التي عرفت بالهولوكست، مما أوجد تعاطفا عالميا كبيرا مع اليهود، وعبد الطريق لتنفيذ المشروع الصهيوني. وجاءت اللحظة الحاسمة في هذا السياق، عندما تقدمت الحكومة البريطانية للأمم المتحدة، معلنة انتهاء انتدابها على فلسطين.

وفي 17 نوفمبر عام 1947م، صدر عن هيئة الأمم المتحدة القرار رقم 181، الذي عرف منه حينه، بقرار التقسيم, وقضى بتقسيم فلسطين التاريخية إلى كيانين: إسرائيلي وعربي، ووضع مدينة القدس تحت الوصاية الدولية. رفض العرب والفلسطينيون قرار التقسيم، لأنه لم يضع بعين الاعتبار الحقائق الديمغرافية والتاريخية والجغرافية. فقد ساوى بين الأقلية اليهودية التي لا يتجاوز تعداد من حملوا منها الجواز الفلسطيني اﻠ5% وفقا لاحصاءات الأمم المتحدة، وبين الفلسطينيين الذين مكثوا على هذه الأرض أكثر من ألفي عام، في سلسلة ممتدة، لم تشهد أي انقطاع.

اندلعت الحرب العربية- الإسرائيلية الأولى، وانتهت بهزيمة الجيوش العربية، فيما عرفت بالنكبة، وأعلن الصهاينة قيام كيانهم الغاصب، ليس على الأرض التي أقرها لهم قرار التقسيم، بل على ما يقرب من 80% من فلسطين التاريخية. وبقي حلم التحرير الفلسطيني دون تنفيذ حتى يومنا هذا.

اعتاد الفلسطينيون والعرب، أن يستذكروا يوم النكبة كل عام، تارة لممارسة جلد الذات، وتارة أخرى لأخذ العبرة مما حدث، وأمسى هذا اليوم، يأخذ حيزا من بكائياتنا، ولكن أمل يظل حيا ومتوقدا، طالما بقيت الذاكرة حية ومتوقدة.

ولأن التاريخ لا يعيد نفسه، فكذلك الرؤية والفهم لطبيعة صراعنا مع الصهاينة. بمعنى أننا حين نستذكر النكبة، فإننا لا نعيد تكرار مرثية الهزيمة، بل نقدم قراءة جديدة، تتسق مع طبيعة اللحظة، والتطورات التي طرأت على مجرى النضال الفلسطيني، والفعل ورد الفعل تجاه الممارسات والاستراتيجيات الصهيونية، تجاه القضية الفلسطينية.

ما يجري الآن في الساحة الفلسطينية، والوطن العربي، من أحداث كبرى، ستلقي بظلالها، على مجرى الصراع مع العدو الصهيوني. وبخلاف الأعوام السابقة، يحمل هذا العام، مؤشرات مختلفة، تدفع للتفاؤل، رغم الأجواء الداكنة، وتعنت الكيان الغاصب. بل وطرحه مطالب جديدة، كالإصرار على يهودية دولة “إسرائيل”، وتبادل الأراضي، الذي يعني استبدال السلطة الفلسطينية، المستوطنات الصهيونية بالضفة الغربية، بأراض أخرى في صحراء النقب. وقد بلغت غطرسته، حد المطالبة بطرد الفلسطينيين من مخيماتهم في الشتات، للقضاء على البقية الباقية من الذاكرة الفلسطينية.

ما يدفع على التفاؤل هذا العام، أن صناع القرار الفلسطيني، يستعدون لإعادة اللحمة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالتالي عودة العلاقة النضالية بين فتح وحماس، وبقية فصائل حركة المقاومة الفلسطينية، بما يغير من معادلة الصراع مع العدو… المعادلة المستندة على التفرد بقطاع غزة أحيانا، والضفة الغربية في أحيان آخر. وكان هذا التمزق من العوامل، التي أسهمت بشكل مباشر، في زيادة التعنت الصهيوني، ورفع سقف مطالبه في المفاوضات الماراثونية، التي انتهت إلى طريق مسدود.

وعلى الصعيد العربي، تتجه المنطقة بأسرها، إلى شيء من الاستقرار، بعد الحوادث العاصفة التي مرت بها. وهناك اعتراف بفشل الهويات الجزئية، وعودة للمطالبة بالهويات الجامعة. وهناك أيضا تقهقر للتيارات المتطرفة، بعد هزيمة جماعة الإخوان المسلمين في مصر.

وهناك موقف عربي وعالمي، مناوئ لنزعات الإرهاب والتطرف. وفي أرض الكنانة، اقتربت الانتخابات الرئاسية، من نهاياتها، بما يرجح فوز المشير السيسي، الذي قاد عملية الإطاحة بحكم الجماعة. وسيكون لذلك تأثيراته المباشرة على القضية الفلسطينية.

وقد تكرر على لسان المشير السيسي تأكيده على أن قضية فلسطين، هي قضية العرب المركزية. بل إنه ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث قال السيسي، في معرض الحديث عن محاربة الإرهاب، والسؤال عن تعديل معاهدة كامب ديفيد، أنه لن يستأذن أحد في تعداد ونوعية الآلات العسكرية التي ستنقل إلى سيناء، لمواجهة الإرهابيين. ودعا المصريين إلى التمييز الواضح بين الشعب الفلسطيني الشقيق المظلوم، الذي تساند مصر نضاله بكل الوسائل، وبين حركة حماس، التي اختارت الانحياز إلى جماعة الإخوان. وهو بهذا التوجه، يقطع وعدا، بنصرة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وأن العلاقة مع الكيان الصهيوني، ستكون في أدنى مستوياتها، ما لم ينل الفلسطينيون حقوقهم، وتقوم دولتهم المستقلة فوق ترابهم الوطني.

إن المرشح السيسي بتصريحاته هذه، يعيد مصر إلى موقعها الصحيح، في مجرى الكفاح العربي، لنصرة القضية الفلسطينية. ومصر هي قلب الأمة. وكان غيابها في العقود الثلاثة المنصرمة، قد تسبب في انهيارات كبرى بالجسد العربي، شمل معظم أجزاء الأمة، ومكن الصهاينة من العربدة في أكثر من عاصمة عربية. وقد آن موعد رحيل موسم الضياع والتمزق، ليعود لذاكرة النكبة، معنى الأمل بالعودة وحيازة الفلسطينيين لحقوقهم وقيام دولتهم المستقلة، كاملة السيادة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

4 × 4 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي