الهجوم على غزة هروب إلى الخلف

0 371

 

الهجوم الهمجي الوحشي على قطاع غزة، من قبل قوات الاحتلال “الإسرائيلي”، جاء تحت ذريعة معاقبة حماس، بسبب ارتكابها أسر ثلاثة من المستوطنين الإسرائيليين الشبان، الذين جرى قتلهم لاحقا، واكتشفت الصهاينة جثامينهم. وقد نفت حركة حماس، علاقتها بحادثة أثر المستوطنين، المشار إليهم، جملة وتفصيلا، لكن حكومة بيجامين ناتنياهو اليمينية، أقدمت على حربها ضد سكان القطاع، رغم تأكيد حماس، عدم وجود أية علاقة لها بالحادث.

نحاول في هذه القراءة القصيرة، معرفة الأسباب الحقيقية للهجوم الصهيوني على القطاع. ولعل البداية في هذه القراءة هي حادثة أسر المستوطنين الإسرائيليين. وهي قضية لم يتأكد بعد الجهة المسؤولة عن تنفيذ العملية. وقد أدت إلى ردود فعل شديدة، من قبل المستوطنين الصهاينة، بما دفعهم إلى اختطاف محمد خضر، الصبي الذي لم يتجاوز الثلاثة عشر عاما. وقد عذب وقتل بدب بارد، أمام الكاميرا، ونقلت وكالات الأنباء العالمية، والقنوات الفضائية، صورة القتل العمد.

والمفارقة هنا أننا بين حادثتين: الأولى أثر ثلاثة من المستوطنين الإسرائيليين الشبان، من قبل جهة مجهولة، يقابلها حادثة أخرى، اقتيد فيها صبي من السكان الأصليين، أصحاب الأرض، وعذب وقتل بدم بارد، والحادث فيها معروف. ومع ذلك، لم يلحق الجناة، الذين أقدموا على جريمة القتل، أي عقوبة. أما في الحاثة الأولى، فإن العقوبة، تطبق على جزء من فلسطين، هو القطاع، لم تكن له به علاقة البتة بحادثة الأسر. والعقوبة هنا، تتم في شكل تدمير منهجي، ومتعمد على شعب بقي تحت الحصار، قرابة عقد من الزمن.

هل صحيح، أن ما قامت به حكومة نتياهو من أعمال وحشية، وقصف همجي على المدنيين، تسبب حتى هذه اللحظة، بفقدان ما يقرب من مائتي شهيد، وألف جريح، هو بهدف الانتقام لحادثة الأسر. وهو منطق غريب، يحمل شعبا كاملا، مسؤولية جناية لم ترتكب أصلا منه، أم أن هناك أسباب أخرى، جعلت الحكومة اليمينية، تقتنص هذه الفرصة، لتنفذ مخططا مبيتا، تتحين حكومة الكيان الصهيوني الفرصة لتحقيقه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي البواعث الحقيقية للعدوان؟.

أمامنا للإجابة على هذا السؤال مجموعة من الأسباب، لعل بالإمكان إجمالها في ثلاثة أسباب رئيسية. أولاها، أن الكيان الغاصب، وقع اتفاقية هدنة وقف إطلاق نار، طويلة الأمد، مع حركة حماس، بوساطة ورعاية مصرية، أثناء فترة الرئيس المعزول محمد مرسي. هذه الاتفاقية، لا تتسق مع العقيدة الصهيونية، التي هي في المبتدأ والخبر، عقيدة حرب.

وكانت الإطاحة بمرسي وسقوط جماعة الإخوان المسلمين، قد تزامنت بفتور في العلاقة المصرية، الحمساوية, وقد وجهت الحكومة الانتقالية في مصر، التي أعقبت سقوط الجماعة، اتهامات عدة لحركة حماس، بالتدخل في الشؤون المصرية. وشهدت الحركة، عزلة عربية وسياسية شديدة، بسبب عوامل سياسية عربية أخرى، لعل أهمها فقدانها لعلاقتها الاستراتيجية بالقيادة السورية، بسبب انحيازها للمعارضة السوية.

لقد وجد نتياهو، في ذريعة حادثة أسر المستوطنين وقتلهم، وفي الأوضاع الحرجة التي تعيشها حركة حماس، فرصة للقيام بعدوانه الواسع على القطاع، والتخلص من تعهده الذي وقعه ما يقرب من عامين من هذا التاريخ، ولتكون يده مطلقة، في أية لحظة للعدوان على القطاع,

السبب الآخر، يأتي استكمالا لفشل مفاوضات التسوية، التي أخذت مكانها في الشهور الأخيرة، بين الحكومة الإسرائيلية، والسلطة الفلسطينية، برعاية وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري. وقد وصلت تلك المفاوضات، إلى طريق مسدود. ويعود ذلك، إلى تعنت الحكومة الإسرائيلية، وطرحها شروطا تعجيزية، كمطالبة السلطة بالاعتراف بيهودية الكيان الغاصب، وطرح تبادل الأراضي، بما يعني بقاء المستوطنات الإسرائيلية، في الضفة الغربية ومدينة القدس، ومنح الفلسطينيين، أراض بديلة في صحراء النقب.

الحرب المجنونة، التي تجري على قدم وساق في هذه اللحظة، على قطاع غزة، هي في هذه الحالة هروب إلى الخلف، وتهرب من استحقاقات التسوية، وعودة إلى المربع الأول. وبدلا من تحمل مسؤولية التسويف والمماطلة، أمام “المجتمع الدولي”، يتحول نتنياهو بين ليلة وضحاها، من رافض للسلم، إلى ضحية، وتصور المقاومة الفلسطينية، كعقبة كأداء في طريق السلام. ويحمل الفلسطينيون مسؤولية العدوان الصهيوني عليهم.

والسبب الأخير، هو ما أصبح ملحوظا، في الأيام الأخيرة، من نهوض شعبي، عم مختلف مدن الضفة، بعد مصرع الصبي الفلسطيني. لقد صار مألوفا الحديث عن انتفاضة فلسطينية ثالثة. وإذا ما عدنا بالذاكرة، للانتفاضتين السابقتين، سنلحظ تصاعدا في سلوك الشعب الفلسطيني والمقاومين الفلسطينيين، بما ينبئ بمخاطر الانتفاضة الثالثة المرتقبة، على الوجود الصهيوني.

لقد كانت انتفاضة أطفال الحجارة، ملحمة من ملاحم الكفاح الفلسطيني، وقد جاءت في شكل عصيان مدني، القاتل فيه هم جيش الاحتلال والمستوطنين الصهاينة وحدهم، في حين واصل الفلسطينيون تحديهم للاحتلال، في شكل سلمي. وقد أبرزت تلك الانتفاضة، أمام العالم أجمع، بسالة الفلسطينيين من جهة، وبشاعة سلوك قوات الاحتلال، من جهة أخرى. أما انتفاضة الأقصى، التي حدثت بعد تدنيس إرييل شارون للمسجد الأقصى، فقد شهدت منازلات بطولية، استخدم فيها السلاح، والعمليات الاستشهادية، وذهب ضحيتها، خيرة قيادات المقاومة الفلسطينية.

تخشى الحكومة “الإسرائيلية”، أن تمثل الانتفاضة الجديدة، خطا صاعدا في أساليب النضال الفلسطينية، وتعمل على احتوائها بالهروب إلى الأمام. لكن السحر انقلب على الساحر، وما حسبه الصهاينة، مخرجا لهم من أزماتهم، أصبح مأزقا حقيقيا. فالهروب إلى الخلف، واعتماد سياسة الصلف والغرور التي واصلها الصهاينة، منذ احتلالهم لأرض فلسطين، قد ووجه بتغير المعادلة رأسا على عقب. فقد أنهى الفلسطينيون، بتصديهم البطولي للعدوان، مرحلة تلقي الضربات دون مواجهة العدوان.

لغة جديدة، في تاريخ الكفاح الفلسطيني، وغزة ما قبل العدوان، لن تكون غزة ما بعده، وتاريخ الصراع مع الصهاينة، لن يكون كما كان قبل هذا العدوان. تاريخ جديد، يسطر بدماء الفلسطينيين، وليس علينا سوى انتظار توضح معالمه.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

8 + سبعة =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي