المثقف العربي في مواجهة التحديات*

0 202

         

تمهيد:

 

قبل الولوج في مناقشة دور المثقف العربي في مواجهة التحديات، يجدر التنبه، إلى إشكالية الفصل بين المثقف، وأفراد المجتمع. فالمثقف هو فرد من مجتمعه، وهمومه في العموم هي هموم مجتمعه. ولأن الاختلاف هو سنة الكون، فإن المجتمعات، لا تحمل رؤية متجانسة، موحدة، تجاه القضايا العامة، سواء في النظرة إلى التحديات التي تواجهها الأمة، أو تجاه سبل الحل.

 

الانقسامات الاجتماعية، تجاه القضايا الكبرى، مظهر إنساني، لا ينبغي الخشية منه، متى ما تشكلت الدولة، بمؤسساتها العصرية. المعضلة هي طغيان الهويات الجزئية على الهويات الجامعة. وطغيان الهويات الجزئية لا يقتصر على الناس العاديين، بل يشمل المثقفين. ولعلنا نزعم في هذا السياق، أن التنظير لتلك الهويات، يقوم به المثقفون، رغم أنه نتاج أجندات مركبة، محلية ووافدة، وكثيرا ما تكون انعكاسات لاستراتيجيات إقليمية ودولية.

 

تحدي فشل المشروع النهضوي العربي:

 

كان السؤال الذي طرحه المثقفون والمفكرون، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وعلى رأسهم شكيب أرسلان هو لماذا نجح الغرب وتأخرنا نحن. السؤال في ذاته، يحمل اعترافا جماعيا من قبل النخب الثقافية، بفشل ما كان سائدا في حينه، وعجزه عن وضع العرب، في مكانهم اللائق بين الأمم الحديثة. لكن الإجابة على السؤال، أسست لقطيعة فكرية مستمرة، بين المثقفين العرب. ونتج عنها بروز مدارس فكرية عدة، ترى كل واحدة منها أنها تملك الجواب القطعي لمعالجة الواقع العربي.

 

وجد العلامة محمد عبده، وبعض من علماء الدين، أن سبب الخلل هو الابتعاد عن روح وجوهر عقيدة الإسلام. وأن حضارة الغرب، نمت وازدهرت حين استلهمت من روح الإسلام، بوصلة للبناء. يجسد ذلك قوله، حين زار باريس، رأيت إسلاما ولم أجد مسلمين، في حين أنه وجد في مصر مسلمين، ولم يجد إسلاما. وشاركه في هذه الرؤية عدد كبير من أركان الإصلاح الديني في الوطن العربي لكن هذا التيار، رغم اعترافه بتقدم الغرب، فإنه لم يتعرض بكثافة للدولة المدنية، ولا لشروط تأسيسها، ولم يعتبرها شرطا لازما لتحقيق التقدم.

 

من جانب آخر، هناك التيار العلماني، الذي برز في بلاد الشام ومصر، ومثله عدد كبير من المثقفين العرب، من ضمنهم أحمد فارس الشدياق، وناصيف اليازجي، وبطرس البستاني وأمين الريحاني، ورفاعة رافع الطهطاوي وعبدالرحمن الكواكبي ولاحقا طه حسين وعلى عبد الرازق وقاسم أمين وسلامه موسى وكثير غيرهم. وعرفوا بزعماء اليقظة العربية. وقد تصدر هؤلاء، على صعيد الفكر والممارسة، معركة الاستقلال عن السلطنة العثمانية. وطرحوا مأسسة الدولة العربية، وتشكيلها على أسس عصرية. ولكن حركة اليقظة العربية، وئدت سريعا، وكانت ضحية نتائج الحرب الكونية الأولى.

 

لقد أدى فشل عصر التنوير العربي، في مواجهة تحديات عصره، في بقاء السؤال معلقا، دونما إجابة شافية حتى يومنا هذا. لماذا نجح عصر الأنوار الأوروبي، وفشلت حركة اليقظة العربية، أو لنقل مجازا عصر التنوير العربي؟!

 

إن المقاربة بين عصر الأنوار الأوروبي، وعصر التنوير العربي، هي للأسف ليست في صالحنا. ولكنها تبقى مقاربة مهمة إذا ما عقد العرب العزم، على الخروج من نفق الأزمة، التي استمروا قابعين فيه سنين طويلة.

 

وفي هذا السياق، فإن أول ما ينبغي ملاحظته أن الثورة الصناعية، كانت في مواجهة مع نظام اقطاعي، أكدت كل المؤشرات عدم قدرته على التنافس، لا في الفكر ولا في السياسة، ولا في القوة الاقتصادية مع القوى الصاعدة الجديدة، التي مثلت طليعة الثورة الصناعية.

 

فمن حيث الفكر، جاءت الثورة الصناعية، حاملة لمبادئ عصر الأنوار التي مثلتها أفكار روسو ومونتيسكيو ولوك وهوبز، وأدب هوجو وفولتير، وغيرهم من المفكرين والأدباء العظام، الذين كانوا رواد المرحلة الرومانسية، التي مهدت الطريق للثورات الاجتماعية في القارة الأوروبية.

 

ومن حيث السياسة، اضطلع المفكرون الذين أشرنا لهم، كل في مجال تخصصه، بصياغة برنامج المستقبل، ورسم بوصلة الطريق، لما بعد سقوط الانظمة البطركية. فكتب روسو عن العقد الاجتماعي، الذي رسم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وباتت بموجب هذا العقد، مهمة الحاكم السهر على تنفيذ مطالب شعبه. ورسم لوك، صيغة العلاقة بين البنائين الفوقي والتحتي، من خلال مؤسسات تنفيذية وتشريعية ودستورية. وتناول مونتيسكيو موضوع القانون، وأهمية أن تكون دولة المستقبل، دولة العدل والقانون.

 

وهنا تجدر الملاحظة، أن مشروع الأنوار، لم يكن يجري في فراغ، بل وجد فرصته التاريخية، من خلال التطورات التي حدثت في مجال التصنيع، وأيضا من خلال الثورتين، الفرنسية والانجليزية، حين اضطلعتا بوضع أفكار عصر الأنوار في أوروبا، قيد التنفيذ.

 

ولم تكن صدفة، أن تنطلق الثورتين، الفرنسية والانجليزية في زمن متقارب. ففي انجلترا كانت البداية. وكان القطن هو نقطة التحول في التاريخ الإنساني، من العمل الحرفي، إلى عصر الآلة. وكانت التداعيات تفرض نفسها، وتحقق انتقال الإنسان وقدرته على تطويع الطبيعة، من حال إلى حال. فصناعة النسيج تستدعي، توافر المتطلبات اللوجستية، للتصدير. وتفتقت عبقرية الإنسان الانجليزي، عن ابتكار القطارات، لتسهم في حل معضلة نقل المنتجات القطنية، وتصديرها للخارج. وعكس هذا التطور ذاته، في تحولات اجتماعية ضخمة، بعضها مرئي والآخر، كامن.

 

وضمن ما كان مرئيا، هو النزوح الضخم من الأرياف، إلى البلدات الصناعية، للعمل في المصانع. وضمنه أيضا، التضخم الهائل في رؤوس الأموال، وخلق طبقة فتية، ونهمة، مستعدة ليس فقط لإغراق أسواقها بمنتوجاتها، بل وللتسابق على الأسواق العالمية، وإن لم يتحقق ذلك بالسلم، فليكن بالهيمنة والقسر والاستعمار. وقد اقتضت طبيعة الأشياء التوسع الصناعي، في مختلف المجالات، فالنسيج قاد إلى صناعة السكك الحديدية، والسكك قادت إلى تطوير آليات استخراج الفحم الحجري، كما قادت إلى تطوير السفن، وتحويلها من سفن شراعية، إلى حال يجعلها أكثر قدرة على قطع المسافات بسرعة وكميات مضاعفة. وهكذا.

 

ولم تكن فرنسا، بعيدة عما يجري قريبا منها. وكان دورها الأيديولوجي مكملا لما اضطلعت به الصناعة الانجليزية. وحين هبت الثورة الفرنسية، عام 1789م، وصدر دستورها فيما بعد، اتضحت معالم الطريق لشعوب أوروبا، وانتقل التأثير سريعا كالهشيم، إلى أمريكا الشمالية. وحين صدر الدستور الأمريكي، جاءت مواده متأثرة بشكل كبير، بمبادئ الثورة الفرنسية. وقد بلغت أصداء هذه الثورة ومبادئها زوايا الكرة الأرضية، ومن ضمنها الوطن العربي، حيث حملت مبادئ عصر التنوير وميض مبادئها.

 

في أسباب فشل مشروع التنوير:

 

في الوطن العربي، وقفت معظم الأحداث، لتلجم مرحلة التنوير العربي. فهذه المرحلة، لم تكن نتاج تطور تاريخي، في البلدان التي انطلقت منها، بل كانت كما أشرنا، نقلا لمبادئ وأفكار عصر الأنوار الأوروبي. وقد تأثر معظم قادة مشروع النهضة العربي، بأفكار الثورة الفرنسية، ولاحقا بالأفكار اليسارية، لكن النقل جاء في صيغة نسخ، خلى من الإبداع والتوطين، ولم يتمكن قادة عصر النهضة، أن يجدوا ضمن القوى الاجتماعية الكبرى، حاملا لمشروعهم، بخلاف ما حدث في فرنسا وانجلترا، ولاحقا بقية الدول الأوروبية، حين بات أرباب الصناعة، والطبقة المتوسطة، هم حملة مشاعل مشروع الأنوار، ووضع برامجه قيد التنفيذ.

 

وبخلاف المواجهة الأوروبية، بين الاقطاع الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، والقوى الفتية الصاعدة، كان على مشروع اليقظة العربية، أن يتنافس مع الاستعمار الاوروبي، في قمة جبروته وفتوته. وفي الوقت ذاته، فإن حمل قادة مشروع التنوير للأفكار الليبرالية، ولقيم الحرية والعدالة، وللأفكار التي عبر عنها عصر الأنوار الأوربي، قد وصمهم، بسبب من غياب التوطين لتلك الأفكار، والحامل الاجتماعي، بالتبعية للغرب. وحين جرى تقسيم الوطن العربي، وفقا لاتفاقية سايكس- بيكو، وأفصح البريطانيون عن وعد بلفور، بإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، أودي بالمشروع النهضوي العربي، بعد أن وجه له الغرب طعنة مباشرة في الصميم، مكنت الإسلام السياسي، من أن يستغل ما جرى، فتوضع أصابع الاتهام، بحق زعماء النهضة، وليصل الاتهام، في صورة كاريكاتورية، إلى مبادئ التنوير ذاتها.

 

بمعنى أخر، فشل مشروع التنوير العربي، لأسباب عدة، أهمها أنه لم يجر توطينه، ولم يكن هناك حاملا اجتماعيا قادرا على وضعه قيد التنفيذ، وقد تكالبت كل الظروف ضد توفير أية فرصة لتحقيق عناصره، بما في ذلك الغزو الخارجي، والبروز القوي للإسلام السياسي، في نهاية العشرينات، من القرن الماضي.

 

وهكذا فإن أول محاولة جادة من قبل المثقفين والمفكرين العرب، الذين حملوا التوجهات العلمانية، قد جرى وأدها، ليفسح ذلك الطريق، للإسلام السياسي، وللضباط اليافعين، لإعاقة مشروع التنوير العربي، كما عبر عنه، زعماء اليقظة.

 

المثقف ضميرا لأمته:

 

ننطلق في هذه القراءة من الاعتراف بأن طريق التقدم والنهوض، هو بالتماهي مع الأفكار التي بشرت بها حقبة اليقظة العربية، باعتبارها الوريث العربي، لمبادئ عصر الأنوار الأوروبي. ونسلم هنا بداهة، بأن ضغط التحديات على المثقف أيا تكن توجهاته الفكرية، هي أكثر منها على المواطن العادي. ذلك إن ما يميز المثقف، انه أكثر وعيا وثقافة، بما يجعل منه، حال التزامه بقضايا الناس، ضمير أمته. فالحرية والحاجة إلى مقابلة الاستحقاقات الأساسية للعيش الكريم، هي أمور تخص عامة الناس، إلى الحد، الذي يصدق فيه القول، بأن غيابهما يشكل إعاقة اجتماعية، لكن أثر بهوتهما، في العمل الثقافي، هو أكبر، وأكثر وضوحا منه في مجال الأنشطة الإنسانية الأخرى.

 

على أن الثقافة بمفردها، لا تكفي لتجعل من المثقف ضميرا لأمته، إنه بحاجة إلى منظومة من الصفات، بضمنها القيم التي تتكفل بإثراء العمل الثقافي، والمصداقية وارتباط القول بالممارسة. إن غياب هذه الصفات في أوساط المثقفين، تصيب العمل الثقافي كله بالشلل، وتعطل التطور والإبداع والالتزام، ونكران الذات. ومن شأن امتلاك المرء لهذه الصفات، أن يحوز على لقب المثقف العضوي، بحسب تعبير أنطونيو غرامشي.

 

إن دور المثقف، في ظل غياب الحامل لمشروعه، هو التبشير، والقبول بتحدي النهضة والتقدم العلمي في كافة المجالات. إن على المثقف أن لا يكتفي بما لديه من معارف، مهما كانت غزارتها وتنوعها، بل عليه أن يتابع ما يستجد على صعيد العلم والمعرفة، ذلك لأن الحياة في حركة دائبة، وتطور مستمر، ولكي تكون الثقافة، قادرة على العطاء، عليها أن تكون حية، بمعنى امتلالكها قابلية الاستمرارية والتطور.

 

وأذا ما اعتبرنا الوضع العالمي الراهن، بوصلة حركتنا لصناعة المستقبل، فإن الذي لا شك فيه، أن أهم ما يميز هذه المرحلة من تاريخنا، على الصعيد الكوني هو التقدم العلمي والتكنولوجي المتمثل في الثورة المعلوماتية التي اختزلت المسافات وحولت كوكبنا الأرضي إلى قرية صغيرة توحد معها الزمن وتحقق فيها التواصل الإنساني بشكل غير مسبوق، وأصبحت فيه الفواصل بين الأقاليم تتحدد ليس بالمسافات أو الجغرافيا والتاريخ ولكن بمستوى التقدم والتطور.

 

وقد جاءت الفضائيات التي تبث إرسالها عبر أرجاء هذا الكون، بكل أنواعها لتقلل من الفروقات في الزمن بين مختلف المواقع محررة الفرد، من قيود حجمه وزمانه ومكانه وجنسه.

 

وبالقدر الذي يتم فيه تسارع اختزال الزمان والمكان، بالقدر التي تهتز فيه منظومة التقاليد والقيم والثوابت وأنظمة المعارف في جميع أمم الأرض، إلا في تلك التي تقوم بالدور الريادي في صناعة المستقبل، ونشر مفاهيم العولمة وتعميم قوانينها وضوابطها الجديدة.

 

تحدي الغربة الكونية:

ومن البديهي بالنسبة لنا، نحن العرب، أن يكون لهذه المستجدات تأثير مباشر على الدور الذي يجب أن يضطلع به المثقف العربي في كيفية التعامل مع هذه المتغيرات.

 

وفي هذا الصدد، لا بد من الاعتراف، بأننا لا زلنا نعيش في سلوكياتنا وممارساتنا حالة انفصام شديدة وخطيرة بين ماضينا وحاضرنا.

 

فنحن من جهة نتصرف وكأن ما يجري من حولنا في هذا العالم لا يعنينا أبدا، بل وكأنه يأخذ مكانه في كوكب آخر.. كوكب بعيد عنا بآلاف السنين.

 

إن زماننا، حين نضعه في ميزان سلوكنا وردود أفعالنا، منفصل تماماً عن الزمن الكوني الذي نعيش فيه، بكل ما يحمله هذا التعبير من مضامين ثقافية وحضارية. إنه زمن غابر يرفض التعامل مع الحاضر ويعيش غربة تاريخية سحيقة، رافضاً كل ما هو جذري وحديث تحت يافطة الدفاع عن التقاليد والأصالة والثوابت، مكرساً بذلك هيمنة سلطة الإكراه والاستبداد واستمرارية نسق المتخلف.

 

بعضنا الآخر، حداثي جداً للدرجة الكاريكاتورية، يعيش حالة افتتان مطلق بالحاضر، ويشطح في الأفق البعيد، بينما لا يزال قابعاً في أسر تقاليده البالية، محاولاً القفز فوق الحقائق الموضوعية والجغرافية، جاهلاً أو متناسياً عن عمد أن الجديد في الثورات التكنولوجية والمعلوماتية والعلمية قد تحقق بفعل قانون التراكم، وأن حالة التحول لم تكن معزولة عن حراك وصراع طويل مع الكون والعلوم والطبيعة، وأن غياب قوانين التحول من وعينا، تجعلنا نقتحم الزمن الجديد بشكل مسطح، ومن دون الأدوات والمستلزمات الضرورية لذلك، وبالتالي دون قدرة على التفاعل والحركة، ويتناسى دعاة الحداثة الكاريكاتورية أن من شأن ذلك أن يجعل منا إمعات وتابعين، لا عناصر مبدعة خلاقة. وبالتالي تكون النتيجة غربة جديدة من نوع آخر.. نوع ربما يكون أقسى وأمر مما نحن فيه الآن.

 

على المثقف العربي، أن يضبط إيقاع حركة الولوج في الزمن الكوني الجديد، باتجاهين متوازيين. الأول، تحقيق التراكم الثقافي والعلمي والمعلوماتي المطلوب. والثاني، التماهي الواعي مع الحراك الإيجابي الدائر من حولنا في هذا الكون كي نكون بالفعل ترساً فاعلاً في عملية التطور الإنساني التي تحث السير من حولنا بسرعة تفوق سرعة الصوت. لكن كيف يتحقق ذلك؟

 

يقتضي الجواب على هذا السؤال، تحديد الأهداف والاستراتيجيات والأدوات التي ينبغي الأخذ بها، لكي نكون جزءاً جديراً بالاعتبار في هذه المحطة من تاريخ البشرية.

 

وهنا يتحدد دور المثقف العربي، في التركيز على أهمية الحوار والتفاعل مع مختلف التيارات الإنسانية، بكل أطيافها وتوجهاتها… لا بد من التثاقف مع الحضارات الأخرى، ولن يتحقق ذلك إلا بالمسارعة إلى ملء الفراغ العربي المعلوماتي.. وهو فراغ يبدو كبيراً وخطيراً للغاية.

 

إن ذلك يسهم في خلق التواصل، وتجسير المسافة المرعبة الفاصلة بين زمننا الحقيقي الذي نعيش فيه وبين الزمن الكوني الاعتباري لهذا العصر.

 

وهذا يعني أن تكون لأجهزة الاتصال المتوفرة لدينا، من فضائيات وانترنيت وصحافة، ومراكز بحثية أدوار أخرى في خدمة الثقافة العربية، غير تلك التي تضطلع بها الآن. إن أدوارها يجب أن لا تكون المشاركة في ترسيخ الماضوية البليدة وإعادة استنساخها في أدوات وتقنيات جديدة، ولكن بتجاوزها والخروج عليها، وصناعة بديل عنها متجانس مع متطلبات ومستلزمات وضرورات عصرنا الحاضر.

 

إننا في الحقيقة بحاجة إلى توحيد زمننا العربي وجعله زمناً واحداً، محرراً من رتابة ماضيه ومعلوماته وأن يكون متصلاً في قدرته وفعله بهذا الزمن الكوني. فالتماهي الثقافي مع الثورة المعلوماتية والتجانس مع الخطاب الكوني المعاصر لا يكونا فقط بامتلاك مؤسسات الإعلام من فضائيات وصحف ومجلات ومواقع الكترونية وعنكبوتية، ولكن بجعل تلك المؤسسات في خدمة مشروع النهضة الجديد.

 

إن هناك خطراً جدياً ماحقاً يتمثل في سيادة الصوت الواحد في تلك المؤسسات وتغييب مختلف الدعوات والنداءات الأخرى التي لا تتجانس مع الأوضاع القديمة السائدة. وهذا الصوت الواحد، إن كتب له أن يستمر، فسوف يكون ذلك تجسيداً عملياً لسيادة خطاب قديم ومستعاد، يتسم بالتسلط والقهر والإقصاء، وهو بالتأكيد خطاب مناوئ للخطاب الثقافي التنويري المعاصر المتسم بالتسامح والإيمان بالعلم وحرية الفكر.

 

كلمات أخيرة:

 

خطاب المستقبل الثقافي العربي، يجب أن يكون مفتوحاً ومنفتحاً على كل الأصوات والألوان، وأن يمثل الالتزام بمبدأ التعددية بكل تجلياتها، مع احترام للرأي والرأي الآخر. وهو خطاب، يجب أن يرفض بحزم دعاوى الخصوصية الثقافية والدينية، تلك الدعاوى التي استخدمت، على مر التاريخ العربي، ولحقب طويلة جداً، كذريعة لقمع الحريات ومصادرة الرأي الآخر،

 

إن الخطاب الجديد، المطلوب من المثقف العربي في هذه المرحلة هو خطاب يتجاوز بوعيه السياسي حدود الجغرافيا والوحدانية التاريخية، وتدابير الأنظمة ولوائحها البيروقراطية.

 

ولعل من الأهمية التنبه إلى أننا في هذا السجال، نميز بين نوعين من الاندماج بهذا العصر الكوني، بين اندماج إيجابي يرفع في وجه الثقافة العربية تحدي الانخراط في الحداثة والمعاصرة والإبداع، والمساهمة في مجالات الثقافة والفنون، وإصلاح الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية باتجاه تحقيق مزيد من الاحترام لحقوق الإنسان، وبين اندماج سلبي يرفع في وجه الثقافة العربية تحدي الرضوخ للتبعية والتهميش وإلغاء الذات والتنازل عن الحقوق والهوية أمام قوى الهيمنة العالمية الجديدة.

 

الثقافة العربية، التي ننشدها، مدعوة للدخول بالاختراق والتفاعل والاستجابة في الزمن الكوني، لأن المبادئ المعلنة في هذا الزمن تستجيب للحاجات التاريخية لشعوب العالم الثالث، وبضمنها شعبنا العربي. فنحن من دون مواربة، من أكثر الشعوب مصلحة في تحقيق التواصل والاندماج مع هذا الزمن الكوني، لأن ذلك سيكون عاملاً مساعداً في التعجيل بقطع المسافات الطويلة التي ينبغي تجاوزها الآن.

 

إنها جدلية الضرورة التاريخية التي فرضت علينا من قبل الالتزام بمفاهيم العدل الاجتماعي وتحقيق التكافؤ والوحدة، هي الجدلية التاريخية ذاتها، تفرض علينا الآن التنازل عن المظاهر الشوفينية في فكرنا القومي، والتي رسخت فيما مضى فكرة الانعزال عن أو العداء للآخر، إلى الدخول في رحاب أوسع، رحاب عالمي إنساني، دون أن يعني ذلك تنازلاً أو ارتماء أعمى في أعتاب النظام العالمي الجديد، أو تحت أقدام الجياد التي تفننت في هزيمتنا وسحق ارادتنا.

 

إن ما نأمله باختصار، هو كفاح المثقف العربي من أجل تدشين نظام عربي تحديثي عصري المنازع والتوجهات، قادر على مواجهة هيمنة الدول المتقدمة، في العلم والتكنولوجيا والقوة العسكرية. وهو نظام ينبغي أن يجعلنا داخل النظام الكوني الجديد، بعيداً عن حواجز الخوف والشك والارتياب والشعور بالدونية إزاء تفوق الآخر ونهجه العدواني.

 

ولسوف يكون من شأن هذا التحول في ثقافة النظرة إلى التاريخ والآخر والذات، أن يضيف الكثير من عناصر القوة لأمتنا. ولن يتحقق ذلك إلا بإضافة صراع آخر إيجابي مع الذات من أجل الإصلاح والتنمية والحداثة، تستطيع من خلاله الأمة العربية النهوض من كبوتها من جديد، مستندة في ذلك إلى عمق حضاري وثقافي متعدد ومتنوع، يتيح لنا أن نستعيد دورنا الحضاري المفقود، وأن نساهم بفعالية في ركب التطور الإنساني الصاعد.

 

·        محاضرة ألقيت في مؤتمر فكر الذي عقد في مركز إثراء بمدينة الظهران- السعودية في الخامس من كانون الأول 2019.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

4 × 2 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي