اللغة مدماك الهوية

4

إذا انطلقنا من التسليم بأن الهوية هي الخصائص التاريخية واللغوية والنفسية التي تفصل بشكل حاسم بين جماعة وأخرى من الناس، وهي كما يراها الدكتور عبدالعزيز الدوري ما يحدد الذات ويميزها، فإن هوية العرب مرت بمرحلتين تاريخيتين حاسمتين. الأولى تمثلت في اكتشاف العرب لذاتهم، قبل الإسلام بعدة قرون، والمرحلة الثانية ارتطبت ببزوغ الإسلام، وبالدور الذي لعبته مرحلة الفتوح في نشر الهوية العربية إلى أفاق جغرافية أوسع.
لقد استند التكوين التاريخي للعرب، إلى عنصر اللغة، وباتت ثقافة العرب رديفة للغتهم. ومع أن الدور الحضاري للعرب، ارتبط كما أشرنا بالإسلام، لكن التميز بينهما ظل قائما وثابتا، فالعربية انتماء إلى لغة، بينما الإسلام انتماء إلى عقيدة. والنتيجة هي وجود عرب غير مسلمين، ومسلمون من غير العرب.
اللغة العربية، بشكل مبسط، كما في حال اللغات الأخرى، وظيفتها وغايتها، التعبير والتواصل. وتعتمد اللغة على وسائل معينة لبلوغ أهدافها. وحين ناقش أفلاطون موضوعها تصدى لمعالجة علاقة الأشياء بالأسماء، فأكد على أن الاسم انعكاس وتعبير عن المسمى، وهو مشتق من مكوناته وتركيباته. بمعنى أن الدال باستطاعته محاكاة المدلول والتعبير عنه.
وذلك يعني أن علاقة اللغة بالأفراد الناطقين بها ليست مجرد عرف وتقاليد، ولكنها علاقة عضوية إذ أن الكلمات والجمل في حقيقتها تعبير غير ساكن، كونها تعبر عن صورة الأشياء في زمان ومكان محددين… وبالتالي فان الصيغ اللغوية هي تعامل وتفاعل مع بيئة محددة بذاتها.
التفاعل الإنساني الذي يحدث بسبب من تمازج حضارات مع بعضها البعض، يمكن أن يؤدي إلى انتشار لغة الحضارة المهيمنة في بقاع جديدة، غير تلك التي انبثقت منها، مسهمة في خلق واقع موضوعي جديد ينتج عنه هزيمة البنية الاجتماعية السائدة من قبل، وقيام أخرى على أنقاضها. وذلك بالدقة ما أدى إلى تطور الوعي العربي لمفهوم الهوية. فقد تزامن هذا الوعي، بهزيمة متدرجة للقبيلة كعامل أساسي في صنع الهوية، وتصاعد لدور اللغة كعامل حاسم في الانتماء إلى الأمة.
على أن ارتباط صعود اللغة العربية بالإسلام، لا يلغي التمييز بين الهوية العربية والإسلام. لكن ذلك لا يعني الفصل التام بينمهما. إن أي محاولة للفصل بين العروبة والإسلام، هي عملية تعسفية، ذلك لأن العرب، أسسوا حضارتهم، على قاعدة التبشير بالدعوة إلى االدين الحنيف، وامتزجت الدعوة، لمبادئه وتشريعاته بثقافتهم. ليس ذلك فحسب، بل إن الأقوام التي دخلت في الإسلام من غير العرب، قد دخلوا الإسلام بثقافاتهم ومواريثهم، ونقلوا بعضا منها إلى دار الإسلام. بما يعني أن الهوية لم تكن في حالة ركود، بل كانت تتفاعل مع الواقع التاريخي والموضوعي، الهوية العربية، على هذا الأساس، هي نتاج مواريث وتقاليد تراكمت عبر حقب ممتدة، وهي أيضا نتاج تفاعل الأمة مع واقع عالمي، فوار ومتحرك، وردود فعل ذاتية تجاه تغيرات محيطة، تمنحها صورة جديدة، ومغايرة. فالهوية إذن نتاج التاريخ، ولأنها كذلك، فهي ليست شيئا ساكنا، كونها نتاج حركة وتعاقب. ولذلك تتجدد، كما تتجدد اللغة والتقاليد والمواريث.
الهوية العربية، مرت منذ تشكلها بعدة مراحل، من إرهاصاتها الجنينية، حين أدرك العرب، أنهم ينطقون لغة واحدة، ويعيشون في جغرافية واحدة، دون وجود كيان قانوني يجمعهم ويدير شؤونهم. وقبيل انبثاق رسالة الإسلام، ومع الصراع بين المناذرة والغساسنة في شمال الجزيرة العربية، بدأ يتشكل وعي خاص للعرب بانتمائهم إلى لغة وجماعة. وكانت القبيلة والنسب محورين رئيسيين في صناعة الهوية والانتماء لها, وحين جاء الإسلام، أضيف إلى ذلك عنصر آخر، هو عنصر العقيدة.
ومع بروز دولة الخلافة، ثم انتقالها إلى بلاد الشام، والعراق، تعززت المراكز الحضارية، وتراجع تأثير البنيان القبلي، لصالح الانتماء للكيان العربي الأوسع، “دولة الخلافة العربية الإسلامية”,
وإذا كانت الثقافة، هي الفعل الجماعي للفنون والأعمال الفنية، كما هي أسلوب كامل في حياة الناس، فإن تراجع البنيان القبلي، لصالح الإنتماء للكيان العربي، قد عكس نفسه على الحركة الثقافية والأدبية العربية. وبرز ما يقرب إلى التحقيب والتصنيف لهذا التطور. فهناك أدب جاهلي، وأدب أموي، وآخر عباسي. والذين كتبوا عن تلك المراحل، لم يهتموا فقط بالتدوين والتأريخ، ولكنهم ركزوا أيضا على خصوصية كل مرحلة، مدركين أن الهوية العربية، شأنها شأن الهويات الأخرى، ليست راكدة بل خاضعة للتطور التاريخي، وأنها من صناعته. وتبقى اللغة هي المدماك للهوية العربية.

التعليقات مغلقة.

د.يوسف مكي