الفكر العربي من المعاصرة إلى الأصالة

0 484

الأصل في التاريخ الإنساني، هو أن تكون المعاصرة حاضرة، وأن تأخذ الأصالة حيزها في الماضي، باعتبارها جزءا من الموروث، ومن سردية التاريخ. وذلك أمر بديهي، لأن وظيفة الفكر، لا تقتصر على قراءة الماضي، بل تقديم تفسير للحاضر، تفسير يتسق مع ما يحدث من تغيرات ومن حركة دائبة في هذا الكون.

 

ولهذا يبدو العنوان مقلوبا، حيث المألوف والطبيعي هو أن ننتقل من الأصالة إلى المعاصرة، وليس العكس. ولكن ما حدث، على صعيد الفكر في الوطن العربي، منذ بدايات عهد اليقظة العربية، التي انطلقت في نهاية الثلث الأول، من القرن التاسع عشر، واستمرت، بين مد وجزر حتى يومنا هذا، تسمح لنا مجازا بالقول بغير ذلك.

تأثر الفكر العربي، في محاولته للتخلص من نير الهيمنة العثمانية، بالتحولات السياسية والاقتصادية، التي سادت في الجوار الأوروبي، منذ القرن السابع عشر، وبروز عصر الأنوار الأوروبي. وكان عصر التنوير العربي، قد استلهم مبادئه وأفكاره من تلك التحولات. لكن الحضور الواسع لحركة التنوير هذه، لم تتحقق على الأرض، إلا في ظل التحضير للثورة على الأتراك، والمطالبة بالاستقلال والسيادة، والتوق إلى تحقيق نهضة عربية شاملة. وقد ارتبط مشروع الحداثة العربية، بتلك المرحلة، وما تلاها من أفكار ورؤى معاصرة، في فترة ما بين الحربين العالميتين.

واقع الحال، أن أي حديث عن المعاصرة، في الواقع العربي، لا يمكنه غفلان ارتباط ذلك باتصال العرب والمسلمين، بتاريخ وقيم وأفكار غيرهم، وبالتحولات الهائلة التي أخذت مكانها في القارة الأوربية، وشملت كافة مجالات الحياة.

لقد وضعت تلك التحولات المدنية الزاحفة، المجتمعات العربية، في موضع لا تحسد عليه، من حيث مقاومتها لجاذبية تلك الأفكار، واستحالة صمود رؤاها وتصوراتها القديمة، عن طريقة عيشها، وأنماط تفكيرها. وعند الشعور بالوهن والعجز، عند البعض، تجاه مقاومة هذه الأفكار، وافتتان البعض الآخر بها برزت مرحلة التنوير العربية، متأثرة بالشعور بالعجز أو الافتتان.

وفي ظل هذا الواقع، كان لابد وأن تنقسم النخبة العربية، إلى أكثر من فريق، وإلى أكثر من رؤية، تبعا لتقييمها وموقفها من الزحف الثقافي الأوروبي. ولعل قراءة المقاربة بين كتابات محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، وعبدالرحمن الكواكبي ورفاعة رافع الطهطاوي وعبد الرحمن الشهبندر وشبلي شمبل، توضح عمق الاختلاف في النظرة، بين طلائع الحداثيين العرب.

كانت نظرة المفتتنين، بالتحولات الأوروبية العلمية والفكرية الهائلة، هي المطالبة بالقطع مع الماضي، وتأسيس ثقافة جديدة، تستمد عناصرها مما أنجزته الحضارة الأوروبية. وقد رأت هذه الشريحة من النخبة، أن الحاضر قد تجاوز الماضي، بكل تبعاته، وأن ثقل الماضي بات عبئا على نهوض الأمة. ولذلك طالبت بقطيعة ثقافية وفكرية شاملة مع هذا الماضي.

أما الشريحة الأخرى، من هذه النخبة، فرأت أن العرب تخلوا عن عقيدتهم الإسلامية، السمحاء والمنفتحة، التي مكنتهم من بناء حضارة قوية، وصلت إلى بوابات الصين شرقا، وأسبانيا غربا, وأن تخلي العرب عن هويتهم هذه، هو الذي أودى بهم إلى مركب العجز والهوان.

بل إن البعض، ضمن هذه الشريحة، رأى أن الحضارة الغربية، ما كان لها أن تحقق ما حققته، إلا بكونها استلهمت الدروس من جوهر العقيدة الإسلامية. وقد دفع ذلك بالشيخ محمد عبده، حين زار باريس لأول مرة، للقول وجدت في فرنسا إسلاما ولم أجد مسلمين، أما في مصر، فوجدت مسلمين، ولكنني لم أجد إسلاما.

إن عودة العرب لممارسة دورهم الريادي، من وجهة نظر هذه الشريحة، هي بالتمسك بجوهر العقيدة الإسلامية، وبالروح التي مكنتهم في الماضي من نشر رسالتهم، إلى أرجاء الأرض.

والنتيجة أن التقدم الأوروبي، هو الركيزة الأولى، في فكر الحداثيين، سواء منهم من حركهم الافتنان، أم أولئك الذين حركهم الخوف والشعور بالعجز أمام الموجات الكاسحة، من الحداثة الأوروبية.

لكن عصر التنوير هذا لم يتمكن من الصمود طويلا، وسقط قبل اكتمال أركانه. وكان لذلك أسباب عدة، لا تزال موضع خلاف بين القارئين والمحليين لتلك المرحلة. وباعتقادي الشخصي أن تلك الأسباب مركبة، ومن الصعب إحالتها إلى عنصر واحد.

فقد تزامنت اقتصاديا، من انهيار الأسواق المحلية في حوض شرق وجنوب البحر الأبيض المتوسط، بما أدى إلى تخلخل موقع النخب الثقافية، وبالتالي إلى تراجع قدرتها على المساهمة، في الإبداع وبناء الأفكار. كما أنها تزامنت مع الهجمة الكولونيالية، بعد هزيمة الأتراك، وتقاسم تركتها بين الفرنسيين والبريطانيين.

لقد كشفت تلك التحولات، أن الأوروبيين، ليسوا حملة رسالة إنسانية إلى البشرية. وأن أفكارهم التي بشروا بها، لم تصمد أمام زحفهم الاستعماري على المنطقة العربية. وأمام انهيار الأمم ليس لها من ملجأ سوى الاستناد على مخزونها التراثي والحضاري. وكهذا هزم الداعون إلى القطيعة، كما تراجعت حالة الشعور بالانحطاط والوهن، لدى الشريحة الأخرى من النخب العربية.

مكنت هزيمة النخب العربية التنويرية، أمام الزحف الاستعماري على المنطقة، دعاة الأصالة، من البروز. فالعلة بالنسبة لهم هي في المعاصرة، والحل هو في الأصالة. وجاء تأسيس الإخوان المسلمين، عام 1929، ليكون تتويجا لمقالة الداعين لاستبدال التنوير بالأصالة، ولكن بشكلها الكاريكاتوري الكارثي. وقد بقيت تشعباتها، تفعل فعلها المدمر على الساحة حتى يومنا هذا.

كلا الاتجاهين، حملا للأسف دعوات للتغريب. فالأولى هروب إلى الأمام، والأخرى، نكوص إلى الخلف. وكلاهما تفريط في الحاضر وتغييب للمستقبل. فليس بالإمكان أن نبني حضارة، دون أن تستمد جذورها من المحفزات الإيجابية، في الماضي التليد. كما أنه ليس بالإمكان أن نغفل عن كوننا نعيش في عصر كوني، له ماهيته وسمته. وأن الموازنة تقتضي دائما حضور الجغرافيا والتاريخ، وأن نقطة تقاطعهما هي نقطة البداية لبناء مستقبل زاخر ومعطاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة × واحد =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي