الفكر الاقتصادي العربي في الأسر

0 128

 

مقدمة:

 

عرفت الموسوعة العربية العالمية الإقتصاد، بأنه أحد فروع العلوم الإنسانية، الذي يهتم بتحليل الأنشطة التجارية، وبمعرفة انتاج السلع والخدمات. ويدرس علم الاقتصاد، كيفية مايختاره الناس والأمم، من أشياء وحاجات متعددة يرغبون في شرائها. وهذا التعريف، يقابله تعريف أخر، يرى أن وظيفة علم الاقتصاد هي دراسة كيفية انتاج السلع والخدمات وتوزيعها. ولأن تحقيق ذلك هو أمر صعب، كونه يتطلب وجود الموارد الطبيعية ورأس المال واليد العاملة، والخبرة، أنيط أمر رسم السياسات الاقتصادية بالحكومات، باعتبارها الأقدر على رسم خطط تنمية قادرة على حماية الاقتصاد وصيانته.

 

ومن هنا تأتي العلاقة الجدلية بين الاقتصاد والتنمية، فلا اقتصاد قوى قادر على الصمود والتنافس، مع غيره من الاقتصادات من غير تنمية حقيقية.[1]

 

مضت سبعة عقود، منذ بدأت البلدان العربية إنجاز استقلالها عن الاحتلال الأجنبي. وفي مطالع السبعينيات من القرن الماضي، حققت أقطار الوطن العربي، باستثناء فلسطين استقلالها السياسي، وبدأت التوجه نحو بناء هياكلها السياسية والاقتصادية والتنموية. لكن الأزمات الاقتصادية التي عانت منها الأمة العربية، والتي أسهمت في بقائها في عداد الدول النامية، لا زالت تشكل مصدات تحول دون تقدمها ونمائها.

 

وبديهي أن يكون الفكر العربي، حاضرا بقوة، فيما تم إنجازه، منذ بدأ عصر التنوير العربي، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فيما عرف باليقظة العربية. فالفكر، ظل دائما قاطرة العمل، سواء في معارك التحرر من نير الاستبداد العثماني، أو في مقارعة اتفاقية سايكس- بيكو، ووعد بلفور، بعد الحرب العالمية الأولى. وبالمثل، لعب الفكر، أدوارا لا يستهان بها في حقبة ما بين الحربين الكونيتين، من أجل اكتساب الاستقلال الوطني، وفق السياقات التاريخية لتلك المرحلة.

 

بشر الفكر العربي، أثناء مرحلة الكفاح الوطني بالحرية والكرامة وبالوحدة العربية، ودولة العدل والقانون، وبالتنمية الاقتصادية. وحفلت الأدبيات العربية، بالدعوة للتصنيع والبناء واللحاق بالثورات الصناعية العالمية. وتأثر المفكرون الاقتصاديون العرب بالإنقسام الاقتصادي العالمي الحاد، بين الاشتراكية بنموذجها السوفياتي والرأسمالية بتطبيقاتها الغربية، وانقسموا في انتماءاتهم وتوجهاتهم لهذا الفريق أو ذاك. لكن اندفاع الفكر الاقتصادي العربي تم لجمه، منذ مطالع التسعينيات، حين فوجئ العالم، بسقوط الكتلة الاشتراكية، وتفرد قطب أوحد على صناعة القرار في المؤسسات الدولية، وبروز الحديث عن نهاية التاريخ.

 

وليس تجاوزا القول، بأن ما حدث في نهاية الثمانينيات، ومطالع التسعينيات من القرن الماضي، كان صدمة عنيفة، لم يتحسب لها المفكرون، في العالم بأسره. ولا يستثنى من ذلك علماء الإقتصاد، رغم أن الاقتصاد هو عقب إيجل الذي أودى بالإمبراطورية السوفييتية والتجربة الإشتراكية.

 

والواقع أن الفكر الاقتصادي العربي، لم يكن باستمرار، وبشكل خاص منذ اندلاع الحرب الباردة، مستقلا بذاته، بل كان تابعا ومنقسما، تبعا للانقسامات، التي شهدها العالم في تلك الحقبة، وذلك ما غيب عنه روح الخلق والإبداع، وتوطين الفكر. وقد حال ذلك دون صياغة رؤية نظرية لتنمية عربية حقيقية وشاملة.

 

وهكذا يمكن القول، إن الأزمات العميقة، التي يعاني منها الفكر الاقتصادي العربي المعاصر، هي إلى حد كبير، نتاج استتباعه للفكر الاقتصادي العالمي، الذي يعاني هو الآخر في راهنه، من أزمات مستعصية نتيجة الصدمة الكبيرة، التي تسبب بها انفراط عقد الكتلة الاشتراكية، وسيطرة الصوت الواحد، وتراجع ثقافة دولة الرفاه، وهيمنة حكومات يمينية أعادت الاعتبار للاقتصاد الحر المنفلت، كما نظر له آدم سميث في كتابه ثروة الشعوب.

 

وهي أيضا، نتيجة العجز عن مواكبة الثورات التي حصلت في مجال العلم والمعرفة والتقانه، وبشكل خاص الثورة الرقمية، والتي غيرت شكل وأنماط الاقتصاد. إن ذلك يقتضي، إعادة النظر في كثير من المسلمات والمفاهيم، وتركيبها وفقا لما يشهده العالم، من تطورات علمية هائلة، ومن تغير في علاقات الانتاج، ومصادر الثروة، وغلبة اقتصاد تنمية المعرفة، بالسنوات الأخيرة.

 

تهدف هذه الورقة، لتقديم خلفية تاريخية، وقراءة تحليلية لعوامل عجز وفشل الفكر الاقتصادي العربي، وأيضا للتطورات السياسية التي حدثت في العقدين الماضيين وإسقاطاتها على الفكر الاقتصادي العربي، ومناقشة أزمة الفكر الاقتصادي الراهنة، ودورها في إعاقة التنمية العربية.

 

خلفية تاريخية:

 

غداة انفضاض معارك الاستقلال، كان الإيقاع السياسي الذي يموج به الوطن العربي، مفعما بآمال الخروج من تركة التخلف، التي جثمت طويلا على العرب، والتي كرستها الهيمنة العثمانية، والاحتلال الغربي فيما بعد. لكن تلك الآمال تهاوت سريعا، أمام مأساوية الواقع المرير الذي شهدته الأمة.

 

فبعد أكثر من سبعين عاما، منذ بدأت الأقطار العربية، الواحد تلو الآخر، في اكتساب الاستقلال السياسي، لازال الوطن العربي يختزن قنابل موقوتة، انفجر بعضها منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، في أعمال إرهاب قادتها تنظيمات إسلامية متطرفة، وبعضها الأخر، انفجر مع بداية العقد الثاني من هذا القرن، في عواصف غضب، فيما عرف بالربيع العربي، لم تبق ولم تذر. ولا يزال بعضها الأخر، قابلا للانفجار في أية لحظة، مهددة، الاستقرار السياسي والاجتماعي، إن لم يتم التنبه لها، واتخاذ الخطوات اللازمة لإبطالها قبل فوات الأوان .

 

لعل أبرز مظاهر الأزمة العربية الراهنة، تتمثل في الاختلالات السكانية، حيث تتواجد كثافة سكانية في أقطار عربية، ذات مصادر اقتصادية وموارد محدودة، في حين تجلب الأقطار ذات الكثافة السكانية المتدنية، حاجتها من المصادر البشرية من الأسواق العالمية بأعداد كبيرة. وقد ساعد على بروز هذا الخلل ظهور أنماط من الاحتياجات الاستهلاكية الهامشية. ومن جهة أخرى، فإن التضخم في ارتفاع نسبة عدد السكان قياساً إلى ضآلة النمو، في ناتج الدخل القومي يشكل هو الآخر، مخاطر مستقبلية على الأمن القومي العربي، حيث ينذر بازدياد ملايين العاطلين العرب عن العمل.[2]

 

وتشي المؤشرات أن نسبة الأمية بين العرب، وفقا لتعريفها التقليدي، تزيد على 70%، وأن الأوضاع أسوأ بكثير، حين يتعلق الأمر بحال المرأة، حيث تصل الأمية في صفوفها إلى 85%. في حين أن المفهوم الحديث للأمية لا يقصرها، على الأمية الأبجدية، بل بتوظيف مهارات القراءة والكتابة، لأداء مهام ضرورية في الحياة الاجتماعية.[3] وذلك ما يضع علامات استفهام على إمكانية تصنيف المتعلمين من أفراد الشعب العربي، خارج دائرة الأمية، ذلك أن نسبة إنتاجيتهم الاقتصادية، قياساً إلى حجم الاستثمار المالي في التعليم، توضح علاقة غاية في التشوش. فالعلاقة الطردية غير متوازنة بين الإنتاجية وكم الثروة التعليمية، بالقياس إلى مستوى تعليم الفرد. وفي معظم البلدان العربية، تنعدم العلاقة بين الثراء والتعليم والإنتاجية الاقتصادية، حيث يسير كل منها في خط مستقل بمعزل عن العوامل الأخرى [4].

 

في الجانب الآخر، تهاجر إلى خارج الوطن العربي، نسبة كبيرة من الكفاءات الأكاديمية، بخاصة من الأقطار الفقيرة، ذات الكثافة السكانية العالية. وفي السنوات الأخيرة، تضاعف عدد المهاجرين العرب إلى البلدان الصناعية المتقدمة، بسبب الفقر وتأزم الأوضاع السياسية، والحروب الأهلية والتأثيرات الخارحية في تلك الحروب، كما في ليبيا وسوريا واليمن والعراق والسودان. حيث تجاوز عدد من هاجروا إلى خارج الوطن العربي في العقدين الذين انفرطا بخمسة وعشرين مليون فرد.[5]

 

في السنوات الأخيرة، تطورت الاقتصادات العالمية، بوتيرة ليس لها سابقة في التاريخ، لكنها حفرت فجوة بين ما تسمح به طاقة هذا التطور، وبين ما يتحقق منه على أرض الواقع, فمستوى المعارف العلمية والتقنية الراهنة، لم يسمح بتضييق الفجوة بين الغنى والفقر، ولم يسهم في الوصول إلى أهداف التنمية بشكل متوازن.[6]

 

وقد أدت هجرة الأدمغة في إلحاق ضرر كبير بالأقطار العربية، فبالإضافة إلى أنها حرمت تلك الأقطار من كفاءاتها، تسببت في خسائر ومشكلات اقتصادية في البلدان التي هاجرت منها، يأتي في مقدمتها، التكلفة الحضارية التي تكبدتها الثروة القومية، والتي هي ملكية عامة للمجتمع. ومما لا شك فيه أن فقدان التنسيق بين البلدان العربية، وغياب التخطيط القومي والبيئة الأكاديمية الإبداعية، من الأسباب الرئيسية لهجرة الكفاءات العربية [7].

 

يضاف إلى ذلك، أن معدلات النمو الاقتصادي في الوطن العربي، محكومة بعوامل معوقة عديدة. فهناك نقص في القدرة على البحث والتخطيط في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والإدارة والتكنولوجيا. وتشير بعض التقارير إلى أن أقل من 1 من كل 10000 عربي يعمل في مجال البحث والتنمية، في حين ترتفع النسبة إلى 26 شخصاً من كل 10000 مواطن بالولايات المتحدة الأمريكية. وينطبق هذا الواقع المفجع على حالات أخرى، فهناك نقص في البراعة باختيار الأولويات، والتكنولوجيات التي تقود إلى أنماط أفضل في توزيع الموارد.[8]

 

ومع أن دخل الوطن العربي من ثرواته المتعددة بلغ خلال الثلاثة عقود الأخيرة من القرن العشرين، ما يقرب من الـ 6 تريليونات دولار، فإن ما صرف منها في مشاريع البنية التحتية إلى جانب بعض مشروعات الخدمات والإنتاج لم يتجاوز الـ 10% من تلك المبالغ. وقد تجاوز ما صرف على مشتريات السلاح هذه النسبة بكثير. ومع ضخامة المبالغ التي صرفت على مشتريات السلاح، فإن المؤسسة العسكرية، في وضعها الراهن لا تزال عاجزة عن حماية الأمنين الوطني والقومي العربيين. أما المتبقي من تلك الأموال فمن المؤكد أنه تم صرفه في مواجهة النفقات اليومية لأجهزة الدولة البيروقراطية، وتنمية الأجهزة الأمنية، خاصة في البلدان التي تواجه مشكلات التطرف. وذهب القسم الأكبر منه إلى نفقات استهلاكية لا طائل من ورائها.[9]

 

وعلى الرغم من مرور ما يزيد على الثمانين عاماً على اكتشاف النفط العربي، فإن معظم المواد الخام المستخرجة، ما زالت تصدر بصورة بترول خام. ويستثنى من ذلك ما يقوم العرب بتكريره لتلبية احتياجات الاستخدام المحلي.

 

وفي مجال المشاركة السياسية لمختلف قطاعات الشعب في صنع القرار، وهو الأمر الذي يساعد في إضفاء مشروعية على عملية التنمية، فإن انتشار عمليات العنف، والاغتيالات والمطاردات السياسية، وغياب حرية الصحافة والرأي والتعبير أدلة أكيدة على الغياب شبه الكلي للمشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات المصيرية وسيادة الأنظمة الشمولية في معظم أرجاء الوطن العربي. ولذلك تعيش معظم الأنظمة العربية أزمة شرعية ودستورية، كونها تمارس سلطتها بقوة الأمر الواقع من دون أساس يقوم عليه بنيان سياسي يكفل سهولة الحركة ويسرها. وربما أوضح ذلك سبب الاختناقات التي يعاني منها الفكر والعمل العربيان، بما يفسح المجال لطغيان عواصف السخط والغضب ونمو العنف.[10]

 

وخلال العقود التي مضت، منذ تحقق استقلال البلدان العربية، غاب التنسيق والتكامل الاقتصادي بينها، وباتت الخلافات السياسة، قوة لاجمة لجل محاولات التنسيق والتعاون المثمر بين الحكومات العربية.

 

لقد شكلت هذه الحقائق بيئة ملائمة لنمو ظواهر التطرف، بكل أطيافها. ومما لاشك فيه أن العجز العربي الشامل تجاه التحديات القومية المصيرية، وفي المقدمة منها تحدي احتلال الأراضي الفلسطينية، وغياب التنسيق العربي، أسهم في طرح علامات استفهام كبيرة على مشروعية النظام العربي الرسمي.

 

إن استمرار هذه الأزمات يعكس الحاجة إلى عقد اجتماعي عربي، يضع في الحسبان معالجتها بوضوح ومباشرة. وتأتي في المقدمة منها مشكلات التعليم وتأمين العلاج والمسكن وقضايا التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والحد من البطالة، وحقوق المرأة، والعدل الاجتماعي، والحرية وقبول الرأي والرأي الآخر، والسيادة والاستقلال، وقضايا الأقليات القومية التي تعيش في الوطن العربي، وتصبو إلى تثبيت هوياتها الثقافية ولغاتها وتحقيق الانعتاق، والتنبه إلى إيجابيات وسلبيات العولمة، بما في ذلك العلاقة مع منظمة التجارة الدولية، والثورة الهائلة في مجال الاتصالات. إنها حقاً قضايا صعبة، ولكن لا مناص من التعامل  معها، إن أردنا لنا مكاناً في الحراك الدائر بيننا ومن حولنا، وفي العالم بأسره.

 

ألقى هذا الواقع المعتم، بثقله على الفكر العربي بشكل عام، والفكر الاقتصادي بشكل خاص، حيث ظل أسير هذا الواقع وتجاذباته، مكتفيا بتوصيف الوضع كما هو، من غير تقديم قراءات تحليلية عميقة له، مع افتقار شديد للمعالجات النظرية، للاختناقات التي يعاني منها الاقتصاد العربي، معالجات تفصل، كما أشرنا بين السياسي والاقتصادي، وتقدم حلولا عملية للخلل في العلاقات العربية- العربية، بما يخدم مشروع التكامل الاقتصادي بين الأقطار العربية، والذي هو شرط نجاح أي تنمية حقيقية في منطقتنا.

 

وكان ذلك، إلى جانب مسائل جوهرية أخرى، سنتعرض لها في الصفحات التالية، قد أعاق الفكر الاقتصادي العربي، وكشف عن مظاهر الأزمة العربية، التي تواصلت بأشكال مختلفة في العقدين المنصومين.

 

في أسباب إعاقة الفكر الاقتصادي العربي:

 

  • الرؤية القومية التقليدية، للوحدة الاقتصادية العربية

 

انطلق الفكر الاقتصادي العربي المعاصر، منذ بداياته، من موقف سياسي رومانسي، ساد منذ عصر اليقظة، وتأثر بالأحداث التي سادت في المشرق العربي، وخاصة بلاد الشام، ولازم هذا الفكر الحالة العربية، طيلة حقبة صعود المشروع القومي العربي. فمشروع اليقظة لم يحمل برنامجا للنهوض الاجتماعي والحضاري. وحين اتضحت حقيقة اتفاقية سايكس- بيكو ووعد بلفور لزعماء النهضة، ترك الحدثان بصمات ثقيلة، ليس فقط على مسار “العروبة”، كحركة سياسية، ولكن أيضا على طريقة تفكيرها وتفسيرها للواقع العربي.

 

فمقص التجزئة الذي لعب دورا مأساويا في تقسيم بلاد الشام، أدى إلى أن يكون موقف حركة اليقظة من الدولة القطرية موقفا عدائيا. ومنذ الاحتلال البريطاني- الفرنسي للمشرق العربي، بعد الحرب الكونية الأولى، أصبح العداء العروبي موجها للدولة الوطنية، وغدت التجزئة، من المنظور القومي، سببا لكل الأمراض التي تحيق بالواقع العربي، بما في ذلك النزعات الطائفية والقبلية والعشائرية والجهوية. وقد حال ذلك دون بروز تنظيرات اقتصادية محلية أو إقليمية، لأن ذلك من وجهة نظر الحركة القومية، تكريس للقطرية.

 

وكان لذلك تأثير مباشر، في إعاقة نشوء فكر اقتصادي عربي، ينطلق من الاعتبارات الوطنية المحضة، دون التنبه إلى أن مقص التجزئة لم يشمل، بشكل واضح وجلي سوى المشرق العربي. فقد بقيت الدولة الوطنية، في مصر والجزائر وتونس، قائمة كما كانت عليه لآلاف السنين، لم يمسها مقص المستعمر.

 

وكان بالإمكان أن تنطلق الرؤية القومية، في مشروعها الحضاري من الدولة الوطنية إلى الحالة الأعلى، بدلا من القفز على الواقع الموضوعي. إن الحركة القومية، بطرحها هذا، أعفت ذاتها، من معالجة القضايا الوطنية، وخلق الجسد الصحيح، الذي هو الشرط اللازم للتفاعل والتكامل الاقتصادي والتنسيق بين البلدان العربية، كمقدمة لازمة لقيام وحدة عربية بين أجزاء صحيحة.

 

وهكذا كانت النظرة السلبية للدولة الوطنية، أول معضلة واجهها الفكر العربي، وكانت من أحد أسباب أزمة الفكر الاقتصادي، منذ نهاية الحرب الكونية الأولى، واستمرت حتى يومنا هذا.

 

ومن جانب آخر، فإن معظم الأقطار العربية، إثر تكشف نتائج الحرب الكونية الأولى، وقعت تحت الاحتلال الغربي، وكانت أهم خصائصه، عمله على تغيير البنى الاجتماعية للبلد المحتل، لصالح دولة المركز. والتعامل مع الشعوب تعاملا استعلائيا، لا يرى في ثقافة البلدان المحتلة سوى الانحطاط والتأخر والهمجية. وهو فوق ذلك، احتلال ثقافي عمل على قطع صلات الأمة بتاريخها وحضارتها وتراثها كله. وقد أدى هذا الواقع إلى أن يصبح الفكر العربي رهينة لهذا الواقع وتجاذباته، وأن تسود أطروحاته ورأه حالة ارتباك وفقدان التوازن، وانغماس كلي بالمتطلبات الفكرية لمواجهة المحتل. وذلك ما غيب التراكم النظري والفكري حيال المسائل الاقتصادية الملحة في الوطن العربي.

 

  • الغياب النظري للتكامل الاقتصادي العربي

 

تأثر التنظير القومي العربي، بالتجارب القومية الأوروبية، وبشكل خاص التجربة الألمانية. ويبرز ذلك بوضوح في الأدبيات التي نشرها المفكرون العرب، من أمثال ساطع الحصري وقسطنطين زريق ومنيف الرزاز وميشيل عفلق وعصمت سيف الدولة. كان التركيز منصب على المشروع السياسي لدولة الوحدة، مع إشارات عابرة إلى الوحدة الاقتصادية، باعتبارها جزءا من الوحدة الاندماجية الشاملة.

 

ولأن حقبة مابعد الاستقلال، حتى نهاية الستينيات من القرن الماضي، هي حقبة النهوض القومي، بامتياز، فإن من الطبيعي أن يكون الفكر الاقتصادي رديفا للفكر السياسي، في التبشير بالوحدة العربية، وبالشعارات التي تزامنت مع مرحلة التحرر الوطني.

 

لم تبرز بشكل جدي فكرة قيام اتحاد عربي لا مركزي، إلا في مراحل متأخرة، بعد فشل التجارب والمواثيق الوحدوية. لقد كان الفكر الاقتصادي العربي، يرى في الوحدة الاندماجية، تماثلا في الهياكل والأنظمة واللوائح. وكان ذلك ثغرة كبيرة في ذلك الفكر، لأن التطور التاريخي، وتجارب الوحدات السياسية، قد أكد أن نجاح هذه التجارب هو رهن، بوضع الخصوصيات القطرية، في الحسبان.

 

فليس بالإمكان على سبيل المثال، التعامل مع الزراعة التي تعتمد على مياه الأنهار، كتلك التي تعتمد على المياه الفيضية. وبالمثل هناك الخلل السكاني، والتباين الواسع بين الوفرة والندرة في مصادر الثروة. إن ذلك يعني أن ينطلق الفكر الاقتصادي من موقف علمي وتاريخي، يرى أن قوة الأمة ليس في الاندماج الكلي، بل في تحقيق التكامل الاقتصادي. وأن تكرس جهود هذا الفكر، في صياغة برامج عملية وتفصيلية لتحقيق هذا التكامل، بعد أن أثبتت التجربة التاريخية، نجاح المشاريع الاقتصادية التكاملية.

 

وإذا كان علينا في هذا السياق، أن نستفيد من التجارب التاريخية، لتجاوز الأزمة الراهنة، والدخول في علاقات عربية- عربية على أسس اقتصادية تكاملية راسخة، فإن التجربة الأوروبية، تبدو مثلا حيا أمامنا.

 

لقد خاض الأوربيون، ضد بعضهم البعض، حربين عالميتين مدمرتين، خسروا فيها ملايين الأرواح. ولم يكن لهم من سبيل لتخطي واقع الكراهية والبعضاء بينهم إلا بالوحدة.

 

فإثر تراجع الصراع الرئيسي بين القارة الأوروبية والخارج، بعد تراجع قوة السلطنة العثمانية، وتوقف الحروب الصليبية، أصبح الصراع، يدور داخل القارة الأوروبية، بين كبريات الدول، وبشكل خاص بين فرنسا وألمانيا.

 

أصبحت مشكلة أوروبا مع نفسها، فالسبب المعلن للحرب العالمية الأولى، هو قيام طالب صربي باغتيال ولي عهد النمسا. وقد انتهت الحرب الحرب العالمية الأولى، بعد أربع سنوات من اندلاعها، لكنها تركت ملفات كثيرة معلقة دون علاج، بحيث يمكن وصف هذه الحرب، بأنها حرب لم تكتمل. وجاءت الحرب العالمية الثانية، لتعالج تداعيات الحرب العالمية الأولى، ولتفتح الأبواب لأعنف حرب مدمرة لا تزال البشرية، بعد قرابة ثمانين عاما على نهايتها، تعاني من كوارثها.

 

إن نتائج الحرب العالمية الثانية، أفرزت ثلاثة حقائق: الأولى هي تراجع الدور الأوروبي، الذي بات سببا في انزياح دور الاستعمار التقليدي عن البلدان العربية. والثانية هي شمول جميع بلدان أوروبا الغربية، بحماية المظلة العسكرية الأمريكية، والثالثة هي خضوع جميع هذه البلدان، لبرنامج إنعاش اقتصادي، عرف بمشروع مارشال. وكانت هذه العناصر الثلاثة، قد وفرت الأرضية الملائمة لانطلاق مشروع الوحدة الأوربية، بحيث وصلت في النهاية إلى ما هي عليه الآن.

 

وجد الأوروبيون في تحقيق الاتحاد فيما بينهم، إنقاذا للقارة الأوروبية من حروبها مع ذاتها، وكان اختيار الفحم والصلب، قاعدة للانطلاق نحو وحدة القارة الأوروبية أمرا حيويا وجوهريا لإنجاح مشروع الوحدة. فالفحم والصلب هما عصب الصناعة العسكرية، ووضعهما تحت سلطة أوروبية مشتركة، يساعد كثيرا في تبديد مشاعر الخوف والقلق من عودة ألمانيا “العسكرية” إلى الواجهة. والمشروع من جهة أخرى، موضع ترحيب من الألمان، فقد وجدوا فيه فرصة تخلصهم من القيود التي فرضتها عليهم نتائج الحرب العالمية الثانية، باعتبارهم قوة مهزومة.[11]

 

لقد ارتبطت الوحدة الأوروبية، بمفهوم الضرورة التاريخية، دون ارتباط بعوامل التاريخ واللغة والثقافة، وكان المشروع منذ بدايته براجماتيا بامتياز، ولم يكن معبأ بشحنات عاطفية. كانت المنفعة وحدها الجديرة بالاعتبار، في كل محطات تنفيذ المشروع. وقد جعل ذلك كل طرف من أطراف الشراكة الأوروبية يسعى للحصول على مكاسب أكبر، جراء عملية التوحيد. وذلك أمر طبيعي، ومتسق مع نواميس الكون، وهو أيضا أمر مشروع، حين لا يكون استئثارا، أو تهميشا لأدوار الشركاء الآخرين.

 

هذا الواقع ليس له ما يماثله في الوطن العربي، فالوحدة الاقتصادية والسوق المشتركة، لم يطرحا بقوة، كمقدمة لإنجاح المشروع الوحدوي القومي. والفكر الاقتصادي العربي، كما كتب عنه مفكرون عرب، مثل محمد لبيب شقير، وجلال أمين، واسماعيل صبري عبدالله، ويوسف صايع وأسامه عبدالرحمن وعلي خليفة الكواري وغيرهم.. انطلقوا جميعا، في معالجة هذه القضايا من المنظور الشمولي للوحدة العربية الاندماجية. وليس على أساس اعتبار الاقتصاد هو المدخل الرئيسي لبناء الوحدة.

 

فالوحدة الاقتصادية، تعني تحقيق التكامل الاقتصادي، بما يسهم في تحقيق قدر أعلى من الكفاءة والانتاجية، والنهوض بالمجتمع العربي، على جميع الصعد، وذلك هو جوهر التنمية.

 

والاقتصاد، هو الأكثر دقة، بين العلوم الاجتماعية. ويستطيع أن يتوصل إلى استنتاجات من خلال بناء نماذج وتحليل فكري متقن. وذلك ما يتكفل بدحض التصور السائد، بأن الإيمان بالوحدة، هو مجرد توق معنوي إلى تاريخ وثقافة، وتواصل بل ضرورة حضارية، وذلك ينفي عن دعاة الوحدة، تهمة الروماسية والطوباوية.[12]

 

  • صدمة انهيار الكتلة الاشتراكية

 

منذ طرحت قضية التنمية، غداة انفضاض الحرب العالمية الثانية، وإلى ما قبل سنوات قليلة، ساد فكر، مفاده أن التخلف لا يعدو أن يكون تأخرا زمنيا، كما لو أن الأمم اصطفت ذات يوم في ميدان سباق، عند خط البدء، ثم انطلقت تعدو عند إطلاق إشارة البدء، فبلغ بعضها الشوط في أوقات متتابعة، وتعثر البعض في الطريق، في حين ظل البعض في خطواتهم الأولى.

 

وعلى هذا الأساس قسم علم الاجتماع، وفقا لرؤية إميل دوخايم، المجتمعات الإنسانية، إلى متقدم وآخر متخلف، ولينسحب ذلك لاحقا على الإقتصاد. وكان مركز العالم الثالث، ويضم الوطن العربي، هو الأخير، وفق هذا التقسيم، نظرا لتخلفه عن الركب. ومثل هذه القراءة تغيب دور الاحتلالات الخارجية، التي تعاقبت على حكمه، في قتل روح الابداع، وضرب الأنشطة الصناعية، لكي تسهل احتكار منتجات بلدان المركز للأسواق، ولتظل هذه البلدان تابعة وكسيحة.[13]

 

الفكر العربي، ومن ضمنه الفكر الاقتصادي، كما أشرنا في صدر هذه الدراسة، عاش حالة استتباع ومن غير توطين لفكر الآخر، وتأثر بعمق بالإنقسام الدولي، بين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الإشتراكي. وكان ذلك الاستتباع أحد المعضلات الرئيسية التي واجهها العرب، فكرا وممارسة. وبالتالي كان من معوقات تطور الفكر الاقتصادي العربي.

 

انقسمت دول العالم الثالث، ومنها الأقطار العربية، في نظمها الاقتصادية، وتحالفاتها السياسية والاجتماعية، وفقا لتبعيتها لأحد النموذجين. وإذا كانت التجربة التاريخية خير ملهم، فإن الذي لا مراء فيه، أن التطبيقات الكاريكاتورية للنموذجين، باءت بالفشل الذريع، وفق ما فصلناه في “الخلفية التاريخية”، من هذه الدراسة.

 

فالذين انتهجوا طريق  التنمية الرأسمالي، كانوا محكومين من جهة، بارتباطاتهم وعلاقاتهم بالدول الرأسمالية، كما كانوا متأثرين بالتنظيرات الرأسمالية، حول مفهوم التنمية في البلدان المتخلفة، التي برزت في الغرب الرأسمالي، خلال خمسينات القرن العشرين. [14]

 

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى تنظيرات والت روستو، مستشار الرئيس جون كنيدي لشؤون الأمن القومي، في كتابه، مراحل النمو الاقتصادي. وقد عرض فيه فلسفته القائلة، بأن الدول المتخلفة ستتغلب، عن طريق التكامل مع الأنظمة الرأسمالية المتقدمة، والمساعدات والقروض، ونقل التكنولوجيا الغربية، وتبني النموذج الرأسمالي، على حالة التخلف، وستصل إلى مرحلة الانطلاق (Take off)، فتصبح دولا صناعية متقدمة.[15]

 

لقد اعتقد كثير من المفكرين الاقتصاديين العرب، وساندهم في ذلك، بعض القادة العرب، أنهم بتبنيهم النموذج الغربي في التنمية، سيتغلبون على حالة التخلف الراهنة التي تعاني منها بلدانهم، وسيتمكنون من نقل مجتمعاتهم التقليدية، إلى مراحل أكثر تقدما وتطورا، ولربما تبادر إلى أذهانهم، أنهم بانتهاج الطريق الرأسمالي، يستطيعون في فترة قياسية جدا، التنافس مع العالم الصناعي المتقدم، بمنتجاتهم.

 

وفات هؤلاء جميعا، إدراك أن مرحلتهم مغايرة كلية، في طبيعتها وتكونها، عن تلك التي تكون فيها النظام الرأسمالي الأوروبي، ذلك أن البورجوازية الأوروبية تنافست عند نشوئها مع الإقطاع من جهة، والحرفية البدائية، من جهة أخرى. وكان مسار الحركة التاريخية، ينبئ بأفول نجم الإقطاع. فالانتصارات العلمية التي حققها الإنسان، وفي مقدمتها اكتشاف الخلية الحية، وتولد الطاقة، وقانون الجاذبية، ونظرية النشوء والارتقاء، وقيام حركة الإصلاح الديني البروتستانتية، وانتصار الثورتين الانجليزية والفرنسية، واشتعال الثورات الاجتماعية في جميع أنحاء أوروبا، وبداية صناعة النسيج، والسكك الحديدية، والسفن البخارية، كانت إيذانا بأن فجرا جديدا للبشرية قد بزغ، وأن مرحلة الاقطاع في أوروبا تهاوت، مفسحة المجال لطبقة فتية وجديدة، لتأخذ مكانها، في مسيرة التاريخ الإنساني الصاعدة، هي طبقة أرباب الصناعة وأصحاب المال.

 

أما في الوطن العربي، فإن دعائم النظام الاجتماعي القديم، ما زالت متجذرة، فالعلاقات البطركية، ما زالت سائدة، في عموم البلدان المتخلفة.[16]

 

وطبقة أصحاب الأموال التي نشأت في أحضان الاحتلال، لم تؤثر إيجابيا، في تطوير العملية الانتاجية، بل اقتصر عملها، على دور الوسيط، بين أصحاب المصانع، في أوروبا والمستهلكين في بلدان العالم الثالث، الذي ننتمي إليه.

 

وفي ظل وضع كهذا، فإننا لو سلمنا جدلا، بوجود نوايا خالصة، لدى أصحاب القرار، بالدول النامية، للعمل، من أجل تحقيق التنمية والتطور، فإن التنافس بين منتجاتها، ومنتجات الدول الصناعية المتقدمة، هو تنافس غير متكافيء، من حيث الكم أو النوع. وبخاصة، إذا علمنا أن البلدان العربية، كما بلدان العالم الثالث الأخرى، ستبقى لمرحلة طويلة بحاجة إلى استيراد المعدات التكنولوجية من الدول الصناعية المتقدمة. الأمر الذي يعني، أن تلك الدول ستبقى مالكة لزمام المبادرة، بما يضمن تبعة اقتصاد دول العالم الثالث، لاقتصاداتها ومصالحها وسياساتها.

 

إن وضع الدول المتخلفة، الرامية إلى تقليد النموذج الرأسمالي الغربي، في هذه الحالة، هو أشبه بوضع لاعب شطرنج مبتدئ، ينازل لاعبا محترفا، بتقليده لحركاته، ناسيا أن اللاعب المحترف يملك أولا حق النقلة الأولى، ويملك ثانيا الخبرة، التي تمكنه من تحريك البيادق وتوجيه ساحة اللعب، بالطريقة التي تضمن انتصاره. وثالثا، فإن الخصم هو الذي يبدأ بضربة الكش، وقتل الملك. ولهذا فإن النتيجة المحتمة خسارة اللاعب المبتدئ.

 

وهكذا كان وضع الدول النامية التي حاولت نقل النموذج الاقتصادي الغربي، وتنفيذه في مجتمعاتها، وهو وضع يستحق الرثاء.

 

أما البلدان العربية، التي انتهجت الطريق الاشتراكي، فإنها بحكم الانتماءات الاجتماعية، لم تكن مهيئة للسير في الطريق الاشتراكي الديمقراطي. ولذلك، اقتصرت عملياتها في هذا الاتجاه، على التأميم، ونقل ملكية وسائل الانتاج للدولة. وبذلك تحول النظام الرأسمالي، من ملكية أفراد إلى رأسمالية الدولة، وبقيت علاقات الانتاج قائمة، كما كانت من قبل، مع فارق أن الدولة، هي التي تقوم في ظل هذا النهج بدور السيد البورجوازي.

 

وكنتيجة طبيعية، لعجز مؤسسات الدولة، وهيمنة كابوس البيروقراطية الثقيل على دوائرها، فقد انعكس هذا العجز على القدرة الانتاجية، والنوعية للقطاع العام، مما أدى إلى شل فاعليته وعجزه، ومن ثم إلى سيادة حالة من الركود والجمود في كل الفعاليات الاقتصادية التي تشرف الدولة على تسييرها.

 

وقد أدت تلك الحالة، إلى قيام معظم قادة تلك الدول، بمراجعة سياساتهم ومناهجهم الاقتصادية، والعودة إلى تشجيع القطاع الخاص، وفتح الأبواب على مصاريعها، أمام الاستثمارات الأجنبية، لتقضي على البقية الباقية، من نشاط القطاع الاقتصادي العام، الذي تم وضعه، بعد الانفتاح، في تنافس غير متكافئ، مع قطاع خاص، واستثمارات أجنبية أكثر خبرة وحيوية وأدق تنظيما وكفاءة، فكانت النتيجة سقوط هذه البلدان التدريجي، في شرك التبعية للنظام الاقتصادي العالمي، والتراجع عن نهج التحرر والاستقلال.

 

إضافة إلى ذلك، فإن اختيار تلك البلدان، للطريق الاشتراكي، قد وضعها في مواجهة مباشرة، غير متكافئة، مع النظام الرأسمالي العالمي، الذي يملك من الخبرة والثروة ما يجعله قادرا باستمرار على التخريب، أما بالتنافس الاقتصادي، أو عن طريق الغزو الخارجي، والتآمر وتفتيت تلاحم النظام من الداخل. وكانت تلك الأنظمة، بحكم ضعف مواردها الاقتصادية والبشرية، تفتقر إلى الأساس الاقتصادي والمادي لبناء تنمية حقيقية.

 

وكان وجود النموجدين الاقتصاديين، الرأسمالي والاشتراكي، عامل ترصين للعلاقات الدولية. كما كان عاملا رئيسيا لانتعاش النظرية الكنزية ودولة الرفاه، في العالم الرأسمالي. ومنذ السبعيينات ساد تصور بين بعض المفكرين الاقتصاديين في الغرب، إلى أن العالم يتجه نحو ابتكار نظرية تلاق Convergency Theory، بين المعسكرين المتنافسين، فيقترب الغرب الرأسمالي، من العدل الاجتماعي، من خلال اعتماد دولة الرفاه، وتكون الكتلة الاشتراكية، أكثر اقترابا من النهج الديمقراطي.

 

وقد تعزز ذلك أكثر، بتسلم ميخائيل جورباتشوف، عام 1985 لزعامة الحزب الشيوعي السوفييتي، وطرحه  للإصلاح والشفافية والانفتاح. لكن هذه التجربة لم تعمر طويلا، حيث أودت بالاتحاد السوفيتيي، وتسببت في تفكيك وانهيار الكتلة الاشتراكية، مع مطالع التسعينيات من القرن المنصرم.

 

كان سقوط الاتحاد السوفييتي، وانهيار الكتلة الاشتراكية، مفاجأة وصدمة كبيرة، للمفكرين السياسيين والاقتصاديين على السواء، على مستوى العالم، لم يستفيقوا منها حتى يومنا هذا. ولم يكن المفكرون الاقتصاديون العرب استثناء في ذلك، فهم كانوا دائما، كما أوضحنا، كما الفكر الاقتصادي العربي، ضحية للاستتباع الفكري والأيديولوجي.

 

تسلمت الولايات المتحدة الأمريكية، بزعامة جورج بوش، قيادة العالم منفردة، وسقطت القطبية الثنائية. وبدى التوجه الرأسمالي، في تلك المرحلة، قمة الانجاز السياسي الإنساني، وأصدر فرانسيس فوكوياما كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ليكون عنوان المرحلة الجديدة، وفي معمعان مهرجان الفرح، تراجعت شعارات العدل الاجتماعي ومبادئ الأمم المتحدة، والشرعية الدولية، وحقوق الإنسان. وسيطرت حكومات يمينية على الحكم في القارة الأوروبية، شرقا وغربا، وفي القارتين الأمريكيتيين.

 

وفي صخب هذا المهرجان، شاع الخوف والشك والوجل، ضمن المفكرين الاقتصاديين العرب الذين حملوا لواء الجذرية، والانتماء للأمة. ولم تجر مراجعة جدية حتى هذه اللحظة للأسباب التي أودت بسبعين عاما، من عمر التجربة الاشتراكية، ولا طرح اليساريون رؤية عملية واقعية، لما ينبغي أن تكون عليه مسيرة هذا الفكر، فيما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وبدى التنظير للتنسيق الاقتصادي العربي، والعمل المشترك “تخشبا وعدمية”، وتراجعت فكرة الاستقلال، والحقوق الوطنية، واستعر الحديث عن عولمة اقتصادية، عبرت عن حضورها بقوة، منظمة التجارة الدولية، لكن استمرار الحال من المحال…

 

عدم مراجعة المفاهيم الاقتصادية، على ضوء الثورة الرقمية:

 

طرح موضوع التنمية بحدة في العالم الثالث، ومن ضمنه الوطن العربي، منذ قرابة سبعين عاما، أثناء معركة الاستقلال، حيث اعتبر وجود الاستعمار في المنطقة، نتاج غياب التنمية في الوطن العربي، وتمكين الاقتصاد الأجنبي من التسلل بسهولة إلى المنطقة العربية، والقضاء المبرم على الصناعات الحرفية، التي كانت سائدة. وكان من نتيجة الاحتلال، استمرار حالة الإعاقة للنهضة العربية والخروج من نفق التخلف.

 

وإلى ما قبل الثورة الرقمية، كانت الصناعة الثقيلة غاية المطلب، وأساس الاقتصاد المنتج. وقد تطلب التوجه نحوها، رساميل كبيرة، بما يجعل تحقيبق التنمية أمرا عسيرا بالبلدان الفقيرة، من غير حضور اقتصاد الأبعاد الكبرى. ولم يكن بمقدور البلدان الفقيرة، توفير مستلزماته. وقد حال غياب التنسيق والتكامل بين البلدان العربية، دون إيجاد حل لخلق اقتصادات الأبعاد الكبيرة، التي تتطلب نشوء كتل كبرى، قادرة على التناقس في الأسواق المحلية، فضلا عن الأسواق العالمية.

 

لكن أمورا أخرى أخذت مكانها، منذ منتصف السبعينيات، غيرت نظرة العرب لكثير من المفاهيم، وأحدثت هزة عنفية في العادات والسلوك.

 

جاءت طفرة النفط، بالأقطار العربية المنتجه له، وتزامنت مع وفرة في السيولة النقدية، في أرض بكر تتهيأ لتأسيس بنيتها التحتية، فانغمس الجميع في الحراك الجديد، يلهثون وراء ما يمكن تحقيقه من الثراء والجاه. شيدت منازل جديدة، ورفعت أسوارا عالية على الأرض وفي النفس. وحدثت تغيرات كبيرة وواسعة في أنماط حياتنا، وبالتالي في طريقة تعاملنا وأنماط سلوكنا. وجاءت وسائل الترفيه لتقضي على البقية الباقية من اهتماماتنا بالمجتمع والناس.. ففي البيت ما يغني ويزيد… الجو المنزلي المريح، ووسائل التكييف التي تجعل حياتنا أكثر رغدا، ولدينا الهاتف والمذياع والتلفاز، والحاسب الآلي، والإنترنيت أيضا. وبإمكاننا أداء الكثير من مشاغلنا واحتياجاتنا من داخل المنزل.

 

لقد شملت حالة النكوص كل ما له علاقة بالروح وبالوجدان، وعمادهما إنسانيا، الفنون والثقافات. تراجع دور الكتاب وقراؤه، وبات الفكر الاقتصادي العربي، أسيرا لهذه التحولات، وضحية من ضحاياها. فقد بتنا، حسب التقييم العالمي من أقل شعوب العالم إقبالا على الكتاب.

حتى سلوكنا الاجتماعي، تغير، لم يعد طرح المواضيع الثقافية والفكرية من أولوياتنا. وفي ذات الوقت، وأمام استفحال حالة الاستتباع، أدى الطرق القوي والمباشر على العقول، إلى غسلها، وإضعاف مقاوماتها ونزع هوياتها. فالخيارات الجديدة المفتوحة، خلقت حالة من الانفلات، والافتتان، بالألوان الصارخة، من غير جوهر أو معنى.

وإذا كانت هذه التغيرات الدراماتيكية، قد حدثت في العقود الخمسة الأخيرة، قبل ثورة الاتصالات، وانتشار الهواتف المحمولة، ومواقع التواصل الاجتماعي، فإن ما حدث بعدها من تغير في الثقافة والسلوك هو أكثر بكثير. فكلما أصبحت وسائل الترفيه أكثر توفرا كلما ارتفعت العوازل والفواصل وترسخت الأسوار، وتراجعت قيم التعاضد والتضامن والتكاتف. وفي أجواء التنافس والتكالب على الثروة، انتشرت منظومات الفساد والنهب، وغابت النزاهة والكفاءة، وتاهت مصالح عموم الناس، وتراجع اكتساب المعرفة، وشيوع هذه الظواهر، من وجهة نظر كثير من الاقتصاديين العرب، ومن ضمنهم نادر فرجاني، معوقات رئيسية لنجاح التنمية.

وبموجب هذا التطور في نظرة الإقتصاديين العرب، فإن الرؤية التقليدية للنمو الاقتصادي، التي تقاس بالمؤشرات الاقتصادية للنمو، وتحديد حصة الفرد فيها، لم تعد تعكس التطور الحقيقي للمجتمعات.[17]

 

فمنذ التسعينيات من القرن الماضي، بات التأكيد على محورية الإنسان في عملية التنمية, لكن هذا التوجه جنح إلى ما يأمل تحقيقه، وليس إلى كيفية الإنجاز. فالموضوع المطروح في سياق معالجة الأزمة العربية، هو كيفية تحقيق التنمية الشاملة، بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية.[18]

 

وانطلاقا من هذه الرؤية، عقد مع بداية هذا القرن، مؤتمر فكري، رعته مؤسسة عبدالحميد شومان، بالعاصمة الأردنية عمان، ورغم أهمية هذه المواضيع، فإن مبحث الاقتصاد والتنمية، هما الأهم بينها، فالأزمة العربية الراهنة، في معظم تجلياتها، يختزلها غياب التنمية الحقيقية بالوطن العربي، وغياب الاقتصاد المنتج، وسيادة الاقتصاد الريعي.[19]

 

فضعف الهياكل الاجتماعية، وغياب نشوء الدولة بشكلها المعاصر، وسيطرة العلاقات البطركية، وانتشار الأمية والبطالة، وتقهقر المشروع الحداثي، كلها تكمن أسبابها، إلى حد كبير، في غياب تنمية حقيقية بالمجتمع العربي.

 

وقد تساوق مع هذه الرؤية، جورج قرم حيث أشار إلى أن معضلة التنمية، تكمن قبل كل شيء، في التحكم بالانتاجية العائدة لمجتمع ما، تسمح لها بالتكيف مع التغيرات البيئوية. أما حجوم رأس المال المخصص للتوظيف، فهو مسألة ثانوية. ومن وجهة النظر هذه، فإن الابتكار والتكيف والتقدم التقني، تبقى جميعا مفاتيح، في زيادة الانتاجية، وبالتالي مفاتيح التغير الاجتماعي في كل مراحله.[20]

 

لكن تغيرات مذهلة أخذت مكانها بالعقدين الأخيرين، من القرن المنصرم غيرت كثيرا من المفاهيم التقليدية للتنمية، معتبرة أهم عنصر فيها، توفر المعرفة. وجاءت الثورة الرقمية، لتحدث ثورات أخرى، في هذا المجال، ومجالات العلوم الأخرى، بحيث باتت تنمية المعرفة الشرط الأساس، في تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي في العالم.

 

وكان من نتائج هذا التحول المذهل، تغير الخارطة الاقتصادية العالمية، والانتقال السريع في رؤوس الأموال، نحو عولمة غير متكافئة، وتغيرات كبرى، في العوامل المحركة للاقتصاد. ودخول بلدان جديدة، وبقوة على خريطة التنافس الاقتصادي وصراع القوة، كالصين والهند. وإيجاد تعريفات جديدة للأمية والفقر والعدل، تتسق مع التحولات الجديدة، التي نتجت عن الثورة الرقمية في العلوم والاقتصاد,

 

الفكر العربي، مطالب بالولوج بقوة في اقتصاد المعرفة، لأن هذا الاقتصاد بات السبيل للتماهي مع التطورات الدراماتيكية التي شهدها العالم، في العقود الأربعة المنصرمة. لابد من تجاوز المثنوية في الرؤية إلى التطور الاقتصادي، بين رأسمالية أو اشتراكية. فقد ثبت بالدليل أن سقوط الكتلة الاشتراكية، وتفرد النظام الرأسمالي قد جعل الاقتصاد الحر أكثر فتكا وتوحشا. حان الوقت لنجعل من اقتصاد المعرفة، والاقتصاد المنتج قواطر للتطور في منطقتنا العربية، من أجل نظام تتحقق فيه الكفاءة الانتاجية، نظام يعزز النمو في كافة المجالات السياسية والاجتماعية، ويكون أكثر رحابة وإنسانية وعدلا.

 

أزمات الفكر الاقتصادي وإسقاطاتها على العقدين المنصرمين:

 

حين ولجنا الألفية الثالثة، كانت الأمة تعيش حالة انسداد تاريخي. فقضية فلسطين، التي أجمع العرب على أنها قضيتهم المركزية، باتت على مفترق طرق، وتاهت ثوابتها، بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية للصراع، والانقسام العربي والفلسطيني حيالها، بين موقف عدمي يطرح شعار المقاومة، من غير رؤية استراتيجية واقعية وعملية، للتعامل مع الصراع، وبين منهج تفريطي، أضاع كل أوراق الضعط التي لديه، وتنازل عن ثوابته الوطنية والوطنية، ولم يتبق لديه من الأوراق ما يسنده في مفاوضاته.

 

لم يمض سوى وقت قصير، من وصول الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن، إلى سدة الرئاسة  في مطلع عام 2001م، حتى حدثت عاصفة 11 أيلول/ ستبمبر 2001، حين اختطف انتحاريون عرب، مرتبطون بتنظيم القاعدة، أربع طائرات مدنية، محملة بالركاب، وتوجهوا باثنتين منها، نحو برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، ودمر البرجان تدميرا كاملا. وتوجهت الطائرة الثالثة، لمبني البنتاغون في العاصمة الأمريكية واشنطن، وتمكن السلاح الجوي الأمريكي من إسقاط الطائرة الرابعة، في عملية غامضة، لم تتضح حتى الآن تفاصيليها.

 

وعلى أثر هذه الأحداث، أعلنت إدارة بوش شن حرب عالمية على الإرهاب، وعد بأن تشمل الإطاحة بعدد من الأنظمة السياسية، صنفها بمحور الشر، هي أفغانستان والعراق وسوريا وكوريا الشمالية، وإيران. وقد بدأت هذه الحرب باحتلال أفغانستان والعراق، وتعطلت بسبب تعاظم المقاومة للاحتلال في البلدين المحتلين. واستمرت الحرب في شكل هجمات خاطفة على مسوى العالم، في البلدان التي يعتقد بتواجد أوكار وتنظيمات للقاعدة على أرضها.

 

تسبب احتلال العراق، والنظام الذي دشن بعد الاحتلال، على أسس ومحاصصات طائفية، والقتل على الهوية، في هجرة قرابة ستة ملايين من العراقيين إلى الخارج، منهم أكثر من مليون ونصف هربوا إلى سوريا. وقرابة مليون إلى الأردن، والبقايا توزعوا في البلدان العربية، في مصر واليمن وليبيا، ودول الخليج العربي، وأخرون توزعوا في مختلف بلدان العالم. وبات العراق مرتعا لتدخلات إقليمية واسعة، ولتصفية حسابات تاريخية، من قبلها مع هذا البلد العريق.

 

وكان انهيار أسواق الأسهم الخليجية، عام 2006، وتأثيرات أزمة الرهن العقاري الأمريكية عام 2007 وتداعياتها على الاقتصاد العالمي، وتراجع أسعار النفط، أثر رفع سقف تصدير نفط العراق، بعد الاحتلال الأمريكي، جميع هذه الأسباب، خلقت أوضاعا اقتصادية صعبة، في عدد من الأقطار العربية، تسببت في انخفاض النمو الاقتصادي، وارتفاع نسبة البطالة، واتساع الفروقات بين الغني والفقر، والتدخلات الفضة لصندوق النقد الدولي وفرضه لبرامج تقشف صعبة.

 

في هذه الحقبة، ونتيجة لتفرد أمريكا على عرش الهيمنة، وغياب الترصين في العلاقات الدولية، مارست أمريكا سياسة فرض مناهج اقتصادية ليبرالية على البلدان العربية، وبشكل خاص الدول التي كانت تحت المطرقة والتهديد الأمريكيين، كاليمن وسوريا، حيث جرى اعتماد سياسات ليبرالية، رفعت الدعم عن الغالبية من الشعب، الذين يصنفون في قائمة الفقرا. كما جرى تهميش الأطراف، من الأرياف والقرى والبلدات.

 

وخلال العقد الأول من القرن العشرين، انتقلت العلوم السياسية المقارنة، في أمريكا من تنظيراتها التي سادت منذ نهاية الحرب العالية الثانية، والتي شملت نظريات في التمدين والنخب والثقافة والانطلاق والبنيوية، والتركيز على الاقتصاد السياسي، إلى اختزال العلوم السياسية في موضوع الإرهاب. وكان الفكر العربي، بشكل عام، هو الأخر، نظرا لحالة الاستتباع، متوترا وعقيما، ومجرد صدى واهن للتنظيرات الأمريكية، والغربية، في موضوع الإرهاب، بحيث بدى الفكر، تقمصا وجلدا للذات، وخاويا من أي جديد.

 

في نهاية العقد الأول من هذا القرن، بدت الصورة باهتة وكئيبة، في الواقع العربي، بسبب تغول الفساد، وهيمنة أنظمة الاستبداد، التي عجزت عن تأمين المتطلبات الرئيسية لشعوبها من غذاء وسكن وكرامة وأمن، وكانت كل المؤشرات، تشي بأن الوضع السائد قبل نهاية عام 2010، على وشك الإنفجار، منذرا بعواصف سياسية عاتية. وجاءت المفاجأة من تونس، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية، لتنتشر كالهشيم، إلى مصر وليبيا وسوريا واليمن، بلدان عربية أخرى…

 

تحولت الحركة الاحتجاجية، في ليبيا واليمن وسوريا، من حركات سلمية تطالب بالتغيير والحرية والعدالة، إلى حروب دموية، بين أبناء الشعب الواحد.

 

وفي هذه الفوضى التي وصفت من قبل دوائر أمريكية بـ “الخلاقة” غدت الخرائط السياسية للمنطقة العربية، ترسم ثم يعاد رسمها، نتيجة ظهور جماعات إرهابية متطرفة، أو حركات إثنية أو قبلية، جزأت  المجزأ، وفتتت المفتت، وتمزقت أقطار عربية بكاملها، ونتح عن ذلك هدر في الأرواح والثروة. وقد أسهم خريف الغضب، في الإفقار الكامل لملايين البشر، الذين تم تهميشهم اقتصاديا، واستمرار أعمال الحرب المكشوفة التي مزقت أقطارا بكاملها.

 

وفي هذه التحولات سقطت حكومات وانهارت أنظمة، وحدثت تدخلات عسكرية، خارجية ونشبت حروب أهلية، على أسس قبلية وطائفية ومذهبية وأثنية. ولم تسلم الدول التي لم تطالها الحركات الاحتجاجية من تأثيرات ما تعرضت له البلدان التي كانت مسرحا لهذه الحركات.

 

وقد كان من نتائج هذه الأحداث، أن فتحت الأبواب مشرعة للقوى الإقليمية، للتدخل عسكريا، وبشكل فاضح، في البلدان التي طالها خريف الغضب. فإيران تتدخل في العراق وسوريا واليمن، وتركيا تتدخل في العراق وسوريا وليبيا. أما تدخل القوى الدولية في هذه البلدان، فحدث ولا حرج، وذريعة مواجهة القاعدة وداعش، ومحاربة الإرهاب، في هذه الأقطار كانت السيف المسلط على الرقاب.

 

ومن النتائح المروعة أيضا، أن عدد الذين هاجروا من الوطن العربي، هروبا من الحروب والقمع، وبحثا عن الأمان والمأوى والعمل، قد تجاوز الخمسة وعشرين مليون من البشر، جلهم من ذوي الكفاءات: أطباء وخبراء ومهندسين وفنيين، ممن صرفت على تأهيلهم وإعدادهم عشرات المليارات من الدولارات، ليصبح الوطن العربي، خاويا من كفاءاته.

 

ولا تزال هذه الأحداث ماثلة أمامنا، حتى يومنا هذا منتظرة معجزة كبرى للخروج منها، عاكسة حالة من عدم

الاستقرار السياسي والأمني بالمنطقة بأسرها. وقد زاد الطيب بلة، النهب المستمر للثروة النفطية في البلدان العربية، التي أشرنا لها، وتراجع أسعار النفط، دون بصيص أمل بقرب تجاوز هذه الأزمات.

 

وكانت خاتمة العقد الثاني، هي الأصعب، ليس على الوطن العربي فقط، بل على العالم بأسره، فمع نهاية عام 2019 أعلنت حكومة الصين الشعبية، عن اكتشاف فايروس كورونا. ولم يمض وقت طويل، حتى انتشر الفايروس، وبات وباء حقيقيا، يهدد وجود البشر في أرجاء المعمورة.

 

لقد بات الوباء جزءا من حياتنا اليومية، خاصة بعد أن فرضت معظم الدول الحجر على مواطنيها، وشلت الحياة ، وأغلقت معظم المحلات التجاربة أبوابها، وتعطلت أعمال البشر، كما تعطل الطيران، والقطارات والسيارات، ووسائل النقل الأخرى، وساد سكون غير مسبوق، ربما في التاريخ البشري بأسره.

 

وكانت حصة الأسد في هذا الوباء، من نصيب الولايات المتحدة، ودول أوروبا الغربية، بما يعكس حجم مخاطر الوباء على الاقتصاد العالمي. ويكفي في هذا السياق، الإشارة إلى أن الأسواق المالية العالمية خسرت في غضون أول شهرين، من عمر الوباء مئات المليارات من الدولارات. كما تسبب في انهيار أسواق النفط، بسبب التوقف شبه الكلي، للرحلات الجوية، والتراجع الكبير لأداء المؤسسات الصناعية، والإغلاق الجزئي لكثير من المؤسسات.

 

لكن الوباء من جهة أخرى، أحدث تطورا علميا هائلا، في مجال استخدام الذكاء الصناعي. وكانت الصين الشعبية هي الرائدة في هذا المجال. فلقد بدأت مستشفياتها في الاعتماد على تقنيات الذكاء للبحث عن علامات الالتهاب الرئوي الناجم عن الفيروس. ومن غير المتصور أن يختفي استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي بعد انقشاع الأزمة، فكل إنجاز علمي يقود إلى إنجازات أخرى، وليس بعيداً أن تكون هذه الروبوتات قريباً، جزءاً من احتياجاتنا وحياتنا اليومية في الجامعات والمعاهد والمدارس والأسواق والسيارات والمنازل، شأنها شأن كثير من المنجزات العلمية التي تسللت بقوة إلى حياة الإنسان.

 

ولأن استمرار الحال من المحال،  ساد اعتقاد بأن المخاطر التي تنتج عن تعطل الحياة، هي أكثر بكثير من ما يتسببه الفايروس من أضرار مباشرة، على حياة الناس، ومعاشهم، وعلى مستقبل البشرية بأسرها، خاصة بعد ما شهدته الأسواق المالية العالمية، من انهيارات كبرى، بسبب الشلل الاقتصادي.

 

فبرزت نداءات التعايش مع كورونا، تعم أرجاء الكرة الأرضية، مطالبة بالعودة مجددا للحياة العادية، وتنشيط الماكنة الاقتصادية، من خلال فتح المحلات التجارية، وعودة العمال إلى مصانعهم، والسماح لوسائل النقل الجوي والبري والبحري، بمعاودة أنشطتها، مع التقيد بالضوابط الصحية المفروضة لمواجهة الفايرس.

 

ورغم أن العالم، قد توصل أخيرا، إلى لقاحات مضادة لهذا الوباء، فإنه قد فعل الكثير في مجال السياسة والاقتصاد. يكفي في هذا السياق، أن هناك شبه إجماع، على أن فشل إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ترامب، في السيطرة على الوباء، هو من أهم الأسباب الرئيسية لفشله في الانتخابات الرئاسية.

 

هناك أيضا، الخشية من أن تسود العالم، مرحلة من الكساد الاقتصادي، الحاد، بما يمكن أن يتسبب في انهيار أنظمة سياسية عتيدة، واندلاع حروب إقلمية، وانتشار مجاعات على مستوى القارات الثلاث، آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وربما تشمل بلدان أوروبا وأمريكا الشمالية، وإن بنسب أقل. وتبقى الاحتمالات قائمة بتصدع المؤسسات الناظمة للعلاقات الدولية.

 

كيف هو وضع الفكر الاقتصادي العربي، خلال العقدين المنصرمين؟

 

الواقع أن العقدين المنصرمين، كانا لهاثا وراء الأحداث المتسارعة، ليس فقط بالنسبة للفكر الاقتصادي العربي، بل أيضا الفكر الاقتصادي بشكل عام، وعلى مستوى العالم. فمن التدخلات الإمريكية العسكرية الصارخة في شؤون بلدان العالم، واحتلال أفغانستان والعراق، إلى ما عرف بالربيع العربي، إلى أزمة كرونا. ولأن الفكر العربي، كان دائما في حالة استتباع، فلم يكن لهذا الفكر في كافة مجالاته، ومنها الاقتصاد، أن يقدم أجوبة عملية للخروج من الأزمات المتتالية، التي واجهتها الأمة، في هذا المنعطف القاسي والكبير من تاريخها.

 

كلمات أخيرة:

 

كشفت متابعتنا في هذه الدراسة، إلى أن أزمة الفكر الاقتصادي العربي، بقي دائما في الأسر، نتيجة تدافع الأحداث من حوله، وأيضا بسبب استتباعه للفكر الاقتصادي العالمي. وبخلاف ما هو مألوف في الفكر، من أن يكون متقدما باستمرار على العمل، بحيث يكون قاطرته. وقد أفقدته زخم الأحداث وتدافعها السريع، القدرة على تقديم قراءات استشرافية للمستقبل. ولم يتمكن من أداء وظائفه، في خدمة التنمية والتقدم العربيين.

 

رفضنا لإستتباع الفكر الاقتصادي العربي للفكر الاقتصادي العالمي، ليس قبولا للإنغلاق، وليس تماهيا مع دعوات عدم الانفتاح على الفكر الإنساني، فمثل ذلك، لا يمكن القبول به، لأنه نكوص وتكلس, إن رفض الاستتباع الذي نطالب به، هو دعوة إلى التفاعل المبدع الخلاق، والخلاص من الأسر.

 

الدعوة للتفاعل، تعنى أن تكون العلاقة تبادلية، وباتجاهين وليس باتجاه واحد فقط، إنها دعوة إلى استيعاب النتاج الفكري العالمي، والقيام بتوطينه، بما يتلاءم مع حاجة الأمة للنهوض والتقدم. إنها دعوة ضد الاغتراب والاستلاب، وهي دعوة لأن نكون ترسا فاعلا في التقدم البشري، بالتواصل والخلق والابداع. إنها دعوة للولوج

في الزمن الكوني الجديد، من خلال تحقيق التراكم الثقافي والعلمي والمعلوماتي.

 

إن ذلك يتطلب منا، تحديد الأهداف والاستراتيجيات والأدوات التي ينبغي الأخذ بها، لكي نكون جديرين بالاعتبار في هذه المحطة من تاريخ البشرية. إن ذلك بتطلب منا المسارعة بملء الفراغ العربي المعلوماتي، واكتساب العلوم والمعارف. قبملء هذا الفراغ، نتغلب على تكنولوجيا وثقافة الإخضاع.

 

لا مناص من انفتاح الفكر الاقتصادي العربي، على مختلف أشكال العلوم والمعرفة، والأدوات المؤثرة في نشر الوعي، وتوطينها لكي تتلاءم مع حاجاتنا، والتحريض على التنسيق بين البلدان العربية، لتحقيق التكامل الاقتصادي، فذلك هو الطريق للخروج من الأزمة الراهنة، وبناء الفكر المستقل، وتحقيق التنمية المستدامة.

 

 الموسوعة العربية العالمية، المجلد الثاني، عام 1996: 402- 403

 

[2]   الكواري، على خليفة. عودة إلى أسباب الخلل السكاني في الوطن العربي حالة قطر، مجلة المستقبل العربي، بيروت، العدد 199 أيلول/ شيتميؤ 1995: 52

 

[3]  زيتون، محيا. الأمية في الوطن العربي. مركز دراسات الوحدة العربية بيروت، 2015: 9

 

[4]  خيري، عزيز:قضايا التنمية والتحديث في الوطن  العربي- مصر والمغرب العربي،دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1983: 7

 

[5]   أنظر محمد نور، عثمان الححسن، عجوبة، مختار ابراهيم، هجرة الكفاءات السودانية في قطاع التعليم العالي، قراءة في ا لدواقع والآثار واحتمالات العودة، مجلة المستقبل العربي ، بيروت العدد 249 تشرين الثاني، نوفمبر 1999/ 87

 

 

[6]  أمين، سمير : ما بهد الرأسمالية المتهالكة، دار الفارابي، بيروت: 2003: 27

 

[7]   انظر محمد نور.  المصدر السابق ص 87

 

[8]   خيري، عزيز. المصدر السابق ص 7

 

[9]  هيكل، محمد حسنين. العرب على أعتاب القرن ال 21، مجلة المستقبل العربي، بيروت، عدد 190 كانون الأول/ ديسنبر 1994

 

[10] انظر هيكل، محمد حسنين. العرب على أعتاب القرن ال 21، مجلة المستقبل العربي، بيروت، عدد 190 كانون الأول/ ديسمبر  1994: 21

 

[11]  نافعة، حسن: الاتحاد الأوروبي والدروس المستفادة عربيا، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2004

 

[12]  مكي، يوسف. في الوحدة والتداعي دراسة في أسباب تعثر مشاريع النهضة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت، 2003: 197- 198

 

[13]  . محمد علي، فايز. قضايا التنمية والتحرر الاقتصادي في العالم الثالث. دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت 1978: 7.

 

[14]  Rostow, Walt W. The Stage of Economic Growth, a Non  Commuist manifesto, Cmbridge Universtiy Press, 196

[16]  انطر هشام شرابي، بحث البنية البطركية بحث في المجتمع العربي المعاصر، سلسلة السياسة والمجتمع، دار الطليعة للنشر والطباعة، بيروت، 1987.

 

 [17]  فرجاني، نادر. التنمية البشرية تحدي اكتساب المخعرفة في الوطن العربي، من كتاب هموم اقتصادية عربية التنمية والتكامل والنفط والعولمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت. 2001: 24

 

[18] (مجموعة من الباحثين: آفاق التنمية في الوطن العربي. دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 2006: 6

 

[19] مجموعة من الكتاب، مراجعة  وتحرير ناصيف نصار, الواقع العربي وتحديات الألفية الثالثة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت. 2001

 

[20] [20]قرم، جورج. التنمية المفقودة دراسات في الأزمة الحضارية والتنموية العربية. دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت: 1985: 10

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سبعة عشر + ثلاثة عشر =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي