العراق ومعضلة الحرب ضد الإرهاب

0 443

قرابة خمسة أشهر مضت، منذ بدأ الجيش العراقي والحشد الشعبي، حربه ضد تنظيم داعش، وقرابة عام كامل، منذ بدأ التحالف الدولي حربه المعلنة على داعش في العراق وسوريا. ورغم الزخم الكبير مؤخرا، الذي شهدته محاولات اقتحام مدينة تكريت، في محافظة صلاح الدين، فإن ذلك تراجع بالأيام الأخيرة، وليس هناك ما يشي بقرب تحرير المحافظة، فضلا عن تحرير المحافظات الأخرى، التي يسيطر عليها داعش، وعلى رأسها محافظتي الأنبار وصلاح الدين. فما هي المعضلات التي تواجه القوى التي تعلن تحالفها ضد داعش في هذه الحرب.

نقطة الضعف الأولى، في هذه الحرب، تعود إلى عام 2003، حين جرى احتلال العراق، من قبل الأمريكيين، واتخذ الحاكم الأمريكي، قرارا بحل الجيش الوطني، وإعادة تشكيل جيش آخر، يتسق مع ما أطلق عليه الأمريكيون في حينه مع تشكيل العراق الجديد.

كشفت الأيام اللاحقة، عن أن أحد أهداف الاحتلال الأمريكي، هو حل الجيش العراقي، وتأكد ذلك في السنوات الأخيرة، التي ارتبطت أحداثها بما عرف بالربيع العربي، حيث جرى تدمير جيوش السودان وليبيا واليمن وسوريا، ويتم الآن بشكل منهجي للجيش المصري، والهدف هو إحداث خلل في موازين القوة العسكرية، يؤدي بشكل حاسم إلى تفوق الكيان الصهيوني، على كل الجيوش العربية.

تأسس الجيش العراقي مجددا، بعقيدة مختلفة وغير وطنية، شعارها عدم شن الحرب على الجيران، وأن يكون بقوة صغيرة، ومحدودة في معداتها وذخائرها وإمكاناتها العسكرية. وكانت كلف تأسيس هذا الجيش مدعاة للاستهجان والسخرية من قبل كبريات الصحف العالمية، حيث أصبحت صفقات الفساد التي ارتبطت بتأسيسه تزكم الأنوف.

ولذلك لم تكن ضعف مقاومة هذا الجيش، حين تم الاستيلاء على محافظة الأنبار بأكملها من قبل داعش، أمرا غير متوقفا من قبل المتابعين للتطورات السياسية في العراق، وبشكل خاص حرمان هذا البلد العريق من جيش قوى يؤمن حدوده ويدافع عن أمنه واستقلاله.

لقد خسر الجيش العراقي، كل معاركه، قبل عام عندما احتلت داعش أربع محافظات عراقية، في فترة قياسية قصيرة، لأنه افتقر للهوية الوطنية، ولم تكن له هوية أخرى بديلة عنها. فقد كان الجيش خليطا من مكونات النسيج العراقي، ولكنه لم يحمل هوية وطنية، بسبب هيمنة ميليشيات الطوائف على السلطة في المركز.

الآن يخوض الجيش العراقي، مدعوما بمستشارين وضباط إيرانيين، وقصف أمريكي جوي على مواقع داعش، معركته ضد الإرهاب. لكن العنصر الحاسم لاقتحام مواقع داعش، منذ بدأت هذه الحرب هو للحشد الشعبي.

والحشد الشعبي عماده قوات بدر التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، (سابقا)، وحزب الدعوة الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة الحالي العبادي ورئيس الحكومة السابق، المالكي. والتيار الصدري، وعصائب الحق. وجميعها قوى كان لها الدور الأساس، في العملية السياسية التي تشكلت بعد الاحتلال الأمريكي. وقد أسهم بعضها في حرق المكتبات والاعتداء على المتاحف، ومرافق الدولة ونهب الجامعات والمصانع والمؤسسات الحكومية، في الأيام الأولى التي أعقبت الاحتلال الأمريكي.

لقد كان دور بعض هذه الميليشيات جليا في تدمير الدولة الوطنية العراقية، والعمل على إلغاء الهوية العربية من ذاكرة العراقيين، وإعادة تشكيل العاصمة، كما حدث في أحياء العدل واليرموك والشرطة. ومن خلالها أعيد تشكيل الدولة العراقية، بمقتضى رؤية الحاكم الأمريكي في العراق، بول برايمرز.

المعضلة الأخرى، التي تواجه الحرب على الإرهاب هي افتراق الاستراتيجيات، ضمن القوى التي تقود الحرب. فأمريكا تقوم بضربات جوية منتقاة وخجولة، وليست في عجلة من أمرها، فهذه الحرب، وفقا لتصريحات بعض المسؤولين الأمريكيين ربما ستستغرق عشر سنوات، وإيران القوة الإقليمية الأكثر حضورا في أرض السواد، ترى أن استمرار سيطرة داعش على محافظة الأنبار، يعني حرمانها من عمقها الاستراتيجي في سوريا ولبنان، وصولا إلى البحر المتوسط.

إن رؤيتها للحرب، تقوم على تحرير صلاح الدين، ثم الانتقال مباشرة، إلى محافظة الأنبار وتعتبر تحرير الموصل، شأنا مؤجلا. فالمدينة، هي الثالثة في المدن العراقية من حيث الحجم وتعداد السكان، واقتحامها سيكلف الكثير من الخسائر في الأرواح والمعدات. يضاف إلى ذلك أنها تقترب كثيرا من الحدود التركية، التي تتعاطف حكومتها مع وجود داعش في بعض المناطق العراقية. إن ذلك يتيح لداعش أن تستمر في تأمين الدعم اللوجستي لقواتها، ويمنحها قدرا أكبر من المناورة، والكر والفر.

الأمريكيون الذي احتلوا العراق، وقاموا بحل جيشه الوطني، عيدون تكرار نفس الخطأ الآن، بعدم اتخاذ موقف حاسم تجاه احتلال تنظيم داعش لعدد من المحافظات العراقية، تحت ذريعة عدم رغبتهم في نزول قواتهم على الأرض، وأيضا بناء على حسابات ما بعد التوقيع على إقفال الملف النووي الإيراني، ورفع الحصار، وإقامة علاقات متينة مع ملالي طهران.

الحراك العربي الأخير، الهادف لمكافحة الإرهاب في أرض السواد ينبغي أن يضع نصب عينيه، هذه الحقائق، وأن لا يترك الشعب العراقي لغياب الدولة القوية وفريسة للإرهاب.

عروبة العراق واستقلاله ووحده أراضيه، هي أهداف لا تقل وجاهة عن محاربة الإرهاب وينبغي أن تكون في سلم الأولويات من اهتماماتنا. وما يجري في العراق الآن هو غياب استراتيجية عملية في الحرب على الإرهاب، وهي حرب لن يكتب لها أن تستعيد عروبة العراق واستقلاله، إلا ببناء جيش قوي بهوية وطنية، وعودة العراق للعراقيين، وذك وحده ما يتسق مع حقائق الجغراقيا والتاريخ….

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اثنان + ثمانية عشر =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي