العراق ليس نفطا

0 184

كلما تصاعدت المقاومة العراقية في وجه الاحتلال الأمريكي، وتعززت نوعا وانتشارا، كلما ازداد تداعي الأسئلة، هل توقعت الإدارة الأمريكية فعليا، وهي تقرر احتلال العراق ومصادرته كيانا وهويته هذه المقاومة الضارية التي تتعرض لها في مدن العراق وأريافه من كركوك إلى البصرة، مرورا بالموصل وسامراء وتكريت والفلوجة والنجف وبعقوبة وهيت والعمارة..؟ وما الذي بنت عليه في أوهامها بجعل العراق نموذجا، لسياستها المستقبلية في الهيمنة على مصائر ومقدرات العالم، ولتجعل منه أمثولة على سياسة “التخويف والترويع”، لعموم الحكومات العربية التي قد لا تنسجم سياساتها بالضرورة مع المخطط الأمريكي.

 

لعلي أتجرأ في هذا الحديث بمحاولة الإجابة على هذه الأسئلة، ومرة أخرى ستكون الجغرافيا عونا في وعي المكونات النفسية لشعب العراق، على اختلاف طوائفه وأقلياته وطبقاته. لقد نشأت الحضارة فيما بين النهرين، بفعل مرور نهرين عظيمين منحا للمكان القوة واستمرارية الحياة. وبينما كان نهر النيل هو المعلم الأول للإنسان المصري، حيث كان الشعب في مصر يحاكي حركة النهر ويقلد دروسه، فإن دجلة والفرات جعلا من العراقي معلما لذاته, فقد قذفا به في مواجهة الطبيعة. فلكي تستمر الحياة، في ظل الظروف الصعبة بتلك الوديان، من جفاف وفيضانات، لم يكن بالإمكان تعلم الدروس عن طريق محاكاة النهر وتقليد حركته، بل بقهر تلك الحركة وتغيير مسارها.. وكان ان انعكس ذلك تماما على طريقة نشوء وتطور الحضارات التي سادت في ما بين النهرين من أكدية وآشورية وبابلية وعربية.. إلى العصر الحديث.

 

إن الثلوج الذائبة في مرتفعات أرمينيا بأواخر الربيع والتي تصب شلالات في نهري دجلة والفرات تشكل مصدرا رئيسيا للفيضانات. أما الأمطار فنادر سقوطها، حيث تنعدم تماما في فصل الصيف. وإذا كان ثمة مطر قليل فإنه ينزل بالشتاء، ويصل الفيضان في قمته بشهر مايو/ أيار، وفي يونيو/ حزيران ترتد المياه فتنحصر بين ضفتي النهر في فصل الصيف. ولذا تجف الأرض ويتحول الطمي إلى تراب سرعان ما تذروه الريح في أيام قليلة معدودة.

 

وكان المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي قد تنبه إلى أهمية هذه النقطة في قيام الحضارات فيما بين النهرين. فقد أشار إلى أنه لم يكن بوسع الإنسان تطبيق ذلك المستوى العالي من التقنية، في ظل تلك البيئة، لو لم يتعاون عدد كبير من الناس، أكبر بكثير من أولئك الذين تعاونوا في مشاريع إنسانية بدائية. وأن الفرق في مقياس التعاون لم يكن فرقا في الدرجة فقط، بل كان فرقا في النوع، وقد شكل هذا التطور ثورة في التطور الاجتماعي.

 

إن التغلب على وحدة المتناقض، الجفاف والفيضان، اقتضت وجود بشر من نوع خاص. بشر يملكون مخيلة وبعد نظر وضبط للنفس، وقدرة على التخطيط لكي يكون المردود كثيرا في النهاية. ليس هذا فحسب، بل إن ذلك تطلب أن يمتلك هؤلاء الأشخاص القدرة على إقناع جماعتهم بمشاركتهم في برنامج عملهم. وتعلل هذه التطورات بروز مفهوم النخبة ومن ثم الزعامة أو القيادة في تلك المجتمعات. ولربما كانت حاجة المهندسين إلى تقدير الماء والتراب بكميات أكثر من أن تدبر بدقة الاعتماد على تذكر ترتيبات وتعليمات شفوية هي التي أدت إلى اختراع وسيلة الكتابة التي كانت واحدة من روائع الحضارة السومرية الخلاقة.

 

وهكذا كانت الحضارة في أرض السواد منذ بداياتها إنسانية بالدرجة الأولى، تحدت الطبيعة وتغلبت على البيئة وأخضعتها. وكان للإنسان منذ البداية الفضل الأول في تحول هذا الجزء من العالم إلى بيئة غنية وخصبة، أثرت في مسيرة التطور وأضافت إلى إبداعاتها وإنجازاتها.

 

فعلى هذه الأرض، وابتداء بالحضارة السومرية، تطورت الزراعة وأصبحت حرفة، وتبودلت التجارة وروضت الخيل وصنعت المركبات، وسكت النقود، وكتبت خطابات الإعتماد، ودشنت كثير من الحرف والصناعات، وسنت الشرائع وقامت الحكومات، ونشأت علوم الرياضة والطب، واخترعت الحقن الشرجية، واكتشفت طرق تحويل المياه. وبرع السومريون في استخدام الهندسة والفلك والتقويم والساعات، وصوروا دائرة البروج. وفي هذه البلاد عرفت الحروف الهجائية والكتابة لأول مرة، واخترع الورق والحبر، وألفت الكتب، وشيدت المكتبات والمدارس، ونشأت الآداب وفنون الموسيقى والنحت وهندسة البناء وصنع الخزف المطلي المصقول والأثاث الدقيق الجميل. وعلى هذه الأرض أيضا، تطورت الثقافات الإنسانية، فنشأت عقيدة التوحيد، وتحققت وحدة الزواج، واستخدمت النسوة أدوات التجميل والحلي، وعرف النرد والداما، وفرضت ضرائب الدخل، واستخدمت المرضعات، وصنعت المشروبات الروحية.

 

 

 

وكان أثر العوامل الجغرافية حاضرا بقوة في صياغة تاريخ هذه المنطقة.

 

 

 

إن الإمعان في قراءة خريطة مابين النهرين وتتبع المجرى المشترك للنهرين، دجلة والفرات من مصبه في الخليج العربي إلى أن ينفصل النهران عند بلدة القرنة، ثم تتبع نهر الفرات متجها إلى الغرب، سيوضح أن السومريين قد بنوا مدنهم على ضفافه ليكونوا قريبين من الماء. ولا زالت أثار مدن الوركاء وابو شهرين وأور شاهدا على ذلك. والملاحظ أن الفرات، بخلاف دجلة، لا يتصل بأية روافد على طول مجراه في العراق، وهذا ما جعل معظم المدن العراقية في العصر الحديث تتركز حول نهر دجلة، الذي تتعدد روافده، مما ساعد على توسع المنطقة أفقيا، بدلا من التركز على شريطي الوادي الملاصقين لنهري دجلة والفرات الممتدين من الشمال إلى الجنوب، وأكبر هذه الروافد الخابور والزاب الكبير والزاب الصغير والشط الأصم وديالى، وفيه تجري السفن النهرية حتى بغداد. ويتصف تيار المياه في نهري دجلة والفرات بالسرعة، بسبب وقوع منابعهما في المناطق الجبلية بتركيا. ولذلك تصبح الملاحة صعبة في الأجواء الوسطى والعليا من النهرين. وبعد أن تذوب الثلوج في آسيا الصغرى يبدأ النهران في الإمتلاء، حيث يصل مستواهما إلى الحد الأقصى في أبريل/ نيسان بدجلة، ويونيو/ حزيران بالفرات. ويعد الربيع فصلا حرجا ومقلقا، حيث يحدث الفيضان فيغرق الأراضي ويدمر القرى والمحاصيل الزراعية.

 

وكان لا بد من أن يعكس ذلك الوضع ذاته على الطريقة التي نشأت وتطورت فيها الحضارة والثقافة المحلية. فعدم صلاحية كثير من المناطق النهرية للملاحة أدى إلى تطور النقل البري وانتشاره. فقد وجد علماء الآثار في مدينة كش مركبات، هي أقدم ما عرف من المركبات ذات العجلات في التاريخ. ومن جهة أخرى، أدت صعوبة الإتصال بالمناطق الجبلية، وعدم إمكانية تأسيس طرق ممهدة نتيجة لوجود مناطق واسعة موحلة، وأخرى قاحلة، خاصة في منطقة الأهوار بالجنوب إلى استحالة الوصول إلى كثير من تلك المناطق، مما نتج عنه عزل الكثير من الجماعات ذات الثقافات وطرق الحياة المختلفة، بما يفسر تعدد جماعات الأقليات والطوائف في العراق حتى يومنا هذا.

 

هذه اللوحة الفسيفسائية، التي شكلتها الخريطة الطبوغرافية للعراق، والموقع الإستراتيجي للقطر، على مدخل الخليج العربي، ووجود السائل الأسود، وعدم وعي المكونات النفسية لهذا الشعب، هي التي أغرت إدارة الرئيس بوش بتصور أن العراق ليس إلا نفط، وحرضته على غزوه. لقد بدا العراق للأمريكيين مجموعات متناثرة، من أقليات قومية وطوائف دينية، تتنازع فيما بينها على القوة. ولم يتسع الأفق إلى ما هو أبعد عن ذلك، لم تقرأ الجغرافيا الحقيقية لهذه البلاد، ولم يدرك أن سر الوحدة العراقية تكمن فيما يظهر على السطح من تنافر، فهذا التنافر الكامن في طبيعة التشكيل الجغرافي وطبيعة مجرى المياه، هو الذي حرض على الخلق والإبداع، وهو الذي شيد حضارات متنوعة، امتدت عبر قرون طويلة من التاريخ، وهو الذي حقق خصبا متميزا في الثقافة والفنون… وهو أيضا صانع بلاد ما بين النهرين، وموحد شعبها أمام التحديات والمخاطر. توحد شعب العراق أمام الجفاف والفيضانات، فشيد السدود، وتوحد أمام المخاطر التي واتته من كل مكان: إغريقية وفارسية وتركية وبرتغالية وبريطانية. وكان العراق في كل مرة يخرج من نفق الظلمة، مسجلا ولادة جديدة، حتى أصبحت انتصاراته قانونا في الوحدة والتعاقب. ومن خلال هذا القانون نفهم بالدقة ما يجري الآن في سامراء والنجف والفلوجة وبغداد.. وكثير من المدن العراقية الأخرى، كمقدمات لا بد منها للصباح العاتي الجميل، ذلك أن من ألم مخاض الولادة، يولد الفرح… الفرح الحقيقي.

 

عراق الجغرافيا والتاريخ ليس مجرد نفط.

 

yousifsite2020@gmail.com

 

 

 

 

د. يوسف مكي

تاريخ الماده:- 2004-08-18

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سبعة − ثلاثة =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي