العراق إلى أين بعد 13 عاما على الاحتلال

0 435

في مثل هذه الأيام، قبل ثلاثة عشر عام من هذا التاريخ، بدأ العدوان الأمريكي على العراق، والذي انتهى بسقوط العاصمة العراقية، بغداد في الثامن من أبريل عام 2003. ومنذ الاحتلال الأمريكي لأرض السواد، حتى يومنا هذا، والبلاد لا تزال غارقة في الفوضى، وانعدام الأمن والغذاء، والمتطلبات الأساسية للعيش الكريم.

 

شن الأمريكيون عدوانهم على العراق، خارج إطار الشرعية الدولية، تحت فرية امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، وإقامة علاقة مع تنظيم القاعدة. وأبانوا أن حربهم تلك، هي جزء من الحرب العالمية، بهدف إلحاق الهزيمة النهائية بالإرهاب.

عجز المحتلون، بعد احتلالهم لبلاد النهرين، عن إثبات أي من الذرائع التي بسببها شنوا عدوانهم. وتكشف للقاصي الداني، أن العراق، حتى لحظة احتلاله لم توجد فيه بؤرة واحدة للإرهاب، وأن تنظيم القاعدة وأخواته، قدموا إلى العراق، بعد احتلاله وليس قبل ذلك. ومنذ ذلك التاريخ، أضحى العراق، مركز تصدير الإرهاب في المنطقة بأسرها. وبلغ الأمر، حد احتلال، داعش، التنظيم السليل للقاعدة، قبل أكثر من عام لأربع محافظات عراقية: الأنبار ونينوى وصلاح الدين وبعقوبة، والعراق لما يزل عمليا، في عهدة القوات الأمريكية، حيث لا يزال يحتفظ باتفاقيات أمنية كبيرة، تقيد استقلاله.

تكشف بعد الاحتلال مباشرة، بأن هذا المشروع، هو المدماك الأول، لمشروع التفتيت، وأن الفوضى التي أعقبته، وما شهده العراق، من نهب لآثاره، وتدمير لجامعاته، ومؤسساته، والقضاء على هياكل دولته، وقتل على الهوية، هو بحسب وزير الدفاع الأمريكي، دونالد رامسفيلد ممارسة للحرية، وتمرين على الديمقراطية، لشعب لم يتذوق ممارستها في تاريخه، وأنها والحال هذه فوضى خلاقة، سينبثق من رحمها العراق الجديد، المتماهي مع مشروع الشرق الأوسط، الجديد أيضا، الذي بشرت به إدارة المحافظين الجدد، غداة وصول جورج بوش للبيت الأبيض.

اتضح أن هدف الاحتلال الأول، هو إبقاء العراق، ضعيفا إلى ما لانهاية، وإقامة عملية سياسية تضمن تحقيق هذا الهدف ولذلك دشنت عملية سياسية، على تستند على القسمة بين الأقليات والطوائف القومية. ولم يكن بالمقدور توفير أدوات من الداخل لتحقيق هذا الهدف، إلا من خلال قوى رديفة للاحتلال، قوى من خارج الانتماء للوطن، والإيمان بمستقبله، وحقه في النماء والحرية، وتقدير المصير. قوى لا تؤمن بانتماء العراق العربي، ولا تسلم بحقه في التكامل والتضامن مع أشقائه العرب، للدفاع عن القضايا المصيرية للأمة.

وهكذا تم اختيار عناصر وأحزاب وميليشيات، على مقاس العملية السياسية، التي تجعل من العراق، كيانا باهتا وفاشلا. وكانت المواصفات المطلوبة جاهزة: قطاع طرق، وعملاء مزدوجون، وطائفيون، وانعزاليون، ولصوص.

لقد وجد الأمريكيون ضالتهم، في الغوغاء، التي قامت بسرقة الآثار، وحرق المقار الحكومية، ومصادرة العراق كيانا وهوية، والتي مارست القتل على الهوية، والتهجير المتعمد، على أساس التطهير الطائفي، فسلمتهم مقادير البلاد. وبقوا يتبربعون على سدة الحكم في هذا البلد العريق، يبيعون ويشترون فيه، وينهبون ثرواته.

ولم يجد الإرهاب، أرضا خصبة، لممارسة نشاطه، كما وجدة في الظروف التي صنعها المحتل، غداء سطوه على أرض الرافدين. وفي أجواء قاتمة ومكلومة كهذه، لا يتوقع أن يدافع الجيش العراقي، “جيش العراق الجديد”، المكون من بقايا ميليشيات النهب والتخريب، عن أرض الوطن. وهكذا تم تسليم الأنبار، ومدينة الموصل العريقة، وفي غمضة عين احتلت داعش أربع محافظات عراقية. هتكت أعراض، واضطر مئات الألوف من العراقيين، مجددا للهروب من ديارهم، ليضافوا إلى قائمة تعدت أفرادها الخمسة مليون من البشر، يقيمون خارج العراق، ويحلمون في العودة إلى ديارهم، في ظل سلطة لا يكون فيها الحكم للأقليات العرقية ولا للطوائف.

حال العراق اليوم، حال مأوساوي وكئيب، وهذا التوصيف رغم قتامته، بات موضع إجماع كل العراقيين، حتى أولئك الذين ركبوا موجة العملية السياسية واستفادوا منها. وهل من دليل على ذلك، أكبر من اعتصام الصدريين هذه الأيام، بالمنطقة الخضراء، مطالبين بالقضاء على الفساد، وبتشكيل حكومة عراقية جديدة، قادرة على تلبية المطالب المعيشية لغالبية العراقيين.

سوف يستمر الوضع الكارثي المأساوي، في أرض السواء، ولن ينبلج صباحه، إلا بإلغاء العملية السياسية، التي هندس لها المحتل. وليس من شك في أن ذلك يتطلب بالدرجة الأولى، تحقيق مصالحة وطنية، لا تستثني فريقا من العراقيين، مصالحة تعتمد مفهوم المواطنة، القائم على الندية والتكافؤ والمساواة، ورفض الاجتثاث والإقصاء.

هناك آمال كبيرة يطمح لها العراقيون، لكن تحقيقها، مرهون بوقف التدخلات الإقليمية في شؤون هذا البلد الشقيق. وعودته إلى محيطه العربي، كما كان دائما عبر تاريخه التليد. فهذه التدخلات هي التي مكنت المحتل، من تدشين عمليته السياسية، وهي التي وفرت الغطاء لمجموعات الإرهاب والقتل، لتسلل إلى داخل العراق، وتركب جرائمها فيه.

ولن يكون بمقدر العراقيين، في مثل هذه الظروف، النهوض بمسؤوليات تحرير بلدهم من تركة الاحتلال، إلا بمد يد العون لهم، من قبل أشقائهم العرب. وحق هذا البلد العزيز على أمته كبير. فقد كان دوما عونا للعرب في معارك وجودهم. وكان منطلق الأبجدية واللغة الفصحى، ومنارة النهضة، وفي عاصمته جرى التدوين لفقه وتاريخ هذه الأمة، ومنه انبثقت العلوم والمعارف، وقصائد العشاق، وفي عهده الذهبي، خلقت إمبراطورية عربية شامخة، لا تغيب عنها الشمس.

ثلاثة عشر عاما، من السنين العجاف، آن لها أن تنتهي، وآن للبسمة أن ترتسم مجددا على الشافه… آن للعراق أن يعود إلى حضن أشقائه العرب.

ورحم الله السياب: الليل طال وما نهاري حين يقبل بالقصير…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثمانية عشر − 8 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي