الطرح القومي والوحدة السورية – المصرية

0 251

في ظل التحديات والمخاطر التي يتعرض لها الأمن القومي العربي، والأمة بشكل مستعر وغير مسبوق، منذ قسمة سايكس- بيكو، أثناء احتدام الحرب العالمية الأولى، تفرض مناقشة موضوع الوحدة بين الأقطار العربية نفسها بقوة، كطريق لا مفر منها لمواجهة المخاطر والتحديات.

 

ولأن تجربة الوحدة السورية المصرية هي التجربة الوحيدة التي نملكها، من حيث طرحها بأفق قومي، وقد شكلت بتحققها دليلاً مادياً وموضوعياً على إمكان قيام تجارب وحدوية أخرى مماثلة، فإننا نجد أنفسنا مجبرين على مواصلة قراءتنا النقدية لهذه التجربة، باعتبار ذلك شرطاً لازماً لنجاح أية تجارب مستقبلية.

 

لقد تحققت تجارب وحدوية على مستوى الوطن العربي، طيلة القرن المنصرم، وكان بالإمكان أخذها بالاعتبار في هذا السياق، لكن تلك التجارب قامت على أسس وطنية، وليست قومية. توحد مع مطلع القرن المنصرم جزء كبير من جزيرة العرب، فيما أصبح لاحقا المملكة العربية السعودية، كما توحدت الولايات الليبية وعدد من المناطق التي تشكل الجمهورية العربية السورية الآن. وفي مطلع السبعينات تأسست دولة الإمارات العربية المتحدة. ومع بداية التسعينات توحد شطرا اليمن، الشمالي والجنوبي في دولة واحدة هي الجمهورية العربية اليمنية. وجميعها تجارب وحدوية تحققت على الأرض بأفق وطني. البعض من هذه التجارب تحقق من خلال مواجهة عسكرية مع قوى الاحتلال، وكانت عملية التوحيد جزءً من مشروع الاستقلال، والبعض الآخر، تحقق في أجواء استرخاء، أو نتيجة أزمات اقتصادية فرضت على البريطانيين الانسحاب من شرق السويس. هذه التجارب، هي مؤشر إلى إمكان تحقق الوحدة بين قطر أو أكثر في المستقبل، لكنها لن تكون مسطرة لنا في هذه القراءة، لسبب بسيط وواضح هو أنها لم تتحقق بأفق قومي.

 

لقد تعرضنا في أحاديث سابقة إلى تجربة الوحدة بين مصر وسوريا في محاور عدة. وركزنا على الجوانب الذاتية، التي أسهمت في انتهاء تلك التجربة. ولم نتعرض للعوامل الخارجية باعتبار الهجمة على المشروع الوحدوي، من قبل الذين تهدد الوحدة مصالحهم هو تحصيل حاصل. ناقشنا اللحظة التاريخية التي تحقق فيها المشروع وأشرنا إلى أنها لحظة أزمة، وأن المشروع جاء رداً عليها، وليس نتاجاً لحركة تاريخية. وركزنا على أهمية الصلة الجغرافية بين بلدي الوحدة، وقلنا إن انعدامها في حالة مصر وسوريا، ربما يكون من الأسباب الرئيسية في انفصام تلك الوحدة. وأكدنا أن مشروع الوحدة ينبغي أن يركز على موضوع التكامل، وليس التماثل، لأن التكامل يستمد قوته من العلاقة العضوية، أما التماثل، فلن يكون سوى استنساخ مشوه، يستحيل إنسانياً تطبيقه. وفي هذا السياق، ناقشنا بشيء من التفصيل قضيتين أساسيتين، لهما علاقة مباشرة باعتماد التماثل بدلاً من التكامل في هذه التجربة، هما اختلاف البنية السياسية والبنية الاجتماعية في القطرين الجنوبي والشمالي. لقد أدى عدم الاهتمام بهذه الاختلافات إلى أخطاء كارثية على تجربة الوحدة، سهلت عملية الانقضاض عليها. وقلنا إن المعالجة لموضوع التكامل، ينبغي أن تنطلق من تبني نظام لا مركزي لأي مشاريع وحدوية مستقبلية، بدلاً من التركيز على المشاريع الاندماجية.

 

وبقي علينا أن نتناول التجربة ذاتها في آفاقها القومية. وهي مسألة أخرى، كان لها دور كبير في تعثر مشروع تلك التجربة، وفي منع تجارب أخرى من أن ترى النور.

 

لقد ارتبط مشروع القومية العربية، منذ بدايته بقضية فلسطين. وهذا الارتباط هو نتاج واقع موضوعي، أفرزته المطالب القومية للحركة السياسية التي قادت حركة التحرر، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والمتمثلة بالاستقلال عن الهيمنة العثمانية. كما ارتبط المشروع بالاصطفافات المحلية والتحالفات الدولية التي أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى، وهزيمة الأتراك، من جهة، ومن جهة أخرى، بالغدر البريطاني- الفرنسي بالمشروع القومي العربي، الذي عبر عن نفسه بإعلانين مشؤومين هما اتفاقية سايكس- بيكو ووعد بلفور.

 

لقد كان من جملة نتائج إعلاني سايكس- بيكو ووعد بلفور تعطل استقلال المشرق العربي، والحيلولة دون وحدته، وفشل المرحلة الأولى من المشروع القومي العربي. وقد لعبت مسطرة المستعمر دوراً مركزياً في تأسيس هياكل مشوهة، سميت مناطق انتداب ومحميات، ودولاً تحت الوصاية، في أجزائه. وبالتوازي مع ذلك تصاعدت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، تمهيدا لتنفيذ وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود عليها.

 

ومنذ ذلك الحين، وبشكل خاص بعد فشل المشروع الأول للعمل القومي، وبداية تنفيذ المشروع الصهيوني، أصبح التلازم قائماً بين مشروع الوحدة العربية ومشروع تحرير فلسطين. وغدا القياس لمستوى التحشد والاندفاع القوميين رهنا بالتقدم في مشروع تحرير فلسطين. وفي هذا السياق، يمكن فهم الشعار الذي رفعته الحركة القومية، إن تحرير فلسطين هو القضية المركزية للعرب. هذا الطرح يحتل مكاناً مركزياً، ليس فقط في أدبيات الفكر القومي، ولكنه يصبح ميزاناً، وبوصلة تحدد مدى تقدم المشروع أو تقهقره. وهذه النقطة بالذات هي التي تجعل من نكسة يونيو/ حزيران عام 1967، ليست مجرد حدث عابر، ولكن نقطة مفصلية، وربما حاسمة، في تقدم أو تقهقر المشروع العربي القومي برمته.

 

لقد حدثت لنا، كما حدثت لغيرنا من الأمم، هزائم وانكسارات، لكنها لم تحدث شروخاً عميقة في النفس كتلك التي أحدثها زلزال حزيران. احتل المستعمرون عدداً من الأقطار العربية، لفترات طويلة، كما هو الحال في بلدان المغرب العربي ومنطقة الخليج، لكن أحداً لم يجرؤ على ربط استمرار تلك الاحتلالات بفشل المشروع القومي، لسبب بسيط هو أن الربط الجدلي في تقييم تقدم المشروع القومي وتقهقره، بتحرير تلك الأراضي، لم يكن حاضرا بقوة.

 

وحتى احتلال العراق الأخير، من قبل الأمريكيين، وهو البلد الزاخر بأعطر الذكريات التاريخية لمجد العرب، والقلعة القومية للنضال العربي، لم يثر في النفس ما أثارته نكسة عام 1967، من يأس وإحباط، رغم ضراوة التدمير المنهجي الذي مارسه الغزاة والقوى المردوفة من قبلهم، ورغم المحاولات المستعرة لطمس هوية العراق العربية، ومصادرة دوره التاريخي في مسيرة النهضة والكفاح العربيين. ولعل انطلاق المقاومة العراقية، وتصديها الأسطوري للاحتلال، قد خلقا معادلاً إبداعياً تعويضياً عزز الشعور بأن الأمة تتقدم بخطى ثابتة وواثقة، نحو أهدافها، رغم ضراوة الإعصار الذي تتعرض له.

 

الخلاصة أن التقدم في مشروع تحرير فلسطين، أو التقهقر فيه، أصبح البوصلة الموحية بمدى تقدم أو تقهقر المشروع القومي.

 

ولا جدال في أن الوحدة المصرية السورية هي التجربة الوحيدة التي طُرحت بأفق قومي عربي، حيث أكد بيان إعلانها أنها نواة وخطوة أولى على طريق الوحدة العربية، وأنها تظل مفتوحة لأقطار أخرى للالتحاق بها. وقد جرت محاولات أخرى لتحقيق الوحدة، بأفق قومي لعل أبرزها صدور ميثاق 17 أبريل/ نيسان عام 1963 بين مصر وسوريا والعراق، لكنها لم تر النور، ربما بسبب عدم انبثاق لحظة تاريخية أخرى مماثلة لتلك التي صنعت وحدة مصر وسوريا في نهاية الخمسينات، وكذلك اتحاد الجمهوريات العربية بين مصر وليبيا وسوريا، الذي لم يعمر طويلاً، وتم وأده من دون صدور شهادة وفاة.

 

إن الطرح القومي لقضية الوحدة كان من جهة عامل تحريض شعبي، على مستوى الوطن العربي بأسره لإسناد هذا المشروع. وقد ساهم في تعميق الوعي لدى الجمهور بحتمية مطلب الوحدة، لكنه من جهة أخرى وضع التجربة، منذ بدايتها مع غياب المشروع والاستراتيجية القوميين لمواجهة المشروع الصهيوني، في صراع غير متكافئ مع أعداء الوحدة، وقبل أن تستكمل تهيئة مستلزمات المواجهة. كان التوقع الشعبي كبيرا من تجربة الوحدة، يفوق بكثير إمكاناتها وقدرتها، وكان الهجوم المعادي ضاريا وشرسا، وكانت التجربة غضة وطرية، ولم يكن الوعي عميقا والربط واضحا لدى القيادة الوطنية التي قادت تجربة الوحدة لجدل العلاقة بين مشروعها ومشروع تحرير فلسطين، فكان أن سهل غياب هذا الجدل عملية الانقضاض على تجربة الوحدة.

 

ومرة أخرى، تفرض تلك التجربة، رغم كل ما شابها، ذاتها أملاً مبدعاً ومحرضاً، وملهماً قوياً على اجتياز هذا الواقع الصعب، وخلق تجارب أخرى، تتماهى مع روح العصر، وتكون قادرة على الصمود والاستمرارية ومواجهة الأعاصير العاتية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة × 4 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي