السينما والمسرح ومجلس الشورى

0 247

ذكرت بعض الصحف السعودية، من ضمنها الوطن، أنه خلال الأسبوع الماضي، استمع مجلس الشورى السعودي الموقر لتقرير لجنة الشؤون الثقافية والإعلامية، عن مشروع مذكرة تفاهم للتعاون في المجال الثقافي بين وزارة الثقافة والإعلام بالمملكة، والوكالة الفيدرالية للثقافة والفن السينمائي في روسيا الاتحادية، وقد أقر المجلس مشروع مذكرة التفاهم. لكن كما ورد في بعض التغطيات أن العضو عازب آل مسبل: أشار إلى أنه “من الضروري الالتزام بخصوصية بلاد الحرمين في كل ما يصدر، خصوصاً في مجال النتاج الثقافي والفني.

 

كانت هذه المداخلة مقدمة لنقاش حاد، تحول إلى سجال ثقافي- ديني، في شأن دور السينما والمسرح بالسعودية، حيث طالب العضو أحمد التركي بشكل ضمني بالاستفادة من الخبرة الروسية في صناعة السينما، وحض زملاءه من المختصين في الشريعة على وقفة تأمل وترو، وإيجاد مخرج لا يتعارض مع الدين، لإتاحة إنشاء دور للسينما والمسرح في البلاد. في حين دعا العضو محمد رضا نصرالله إلى إنشاء هيئة وطنية للسينما والمسرح. ونوه إلى أن المخرجين العالميين باتوا يرون في السعودية مجالا خصبا للتناول بأفلامهم. وأشار إلى فيلم “المملكة” المعروض حالياً في عدد من دور السينما الأمريكية والعالمية”، كمثال على ذلك. وقد تمكن رئيس مجلس الشورى، الدكتور صالح بن حميد، بحنكته من فض النقاش، عندما طالب الأعضاء بضرورة الالتزام بموضوع النقاش وعدم الانجرار إلى حديث آخر.

 

والواقع أنني شخصيا فوجئت عند اطلاعي على الخبر، والطريقة، التي أنهي بها السجال، في موضوع حيوي وهام، يرتبط إلى حد كبير، بالفن والإبداع في بلادنا. وتمنيت لو أن رئيس المجلس الموقر، اقترح موعدا آخر لاستكمال المناقشات والحوارات حول هذا الموضوع، بدلا من إقفاله، والتوجه مباشرة لمناقشة موضوع الأعلاف…

 

ولعلي استثمر ما طرحه عدد من أعضاء المجلس الموقر، لطرح بعض النقاط التي اعتقد بأهمية التنبه لها، إن وجدت فسحة أخرى لتناول هذا الموضوع بالمجلس.

 

أولى هذه النقاط، أن موضوعا حيويا كهذا ينبغي أن لا يقتصر سقف مناقشته على حرم مجلس الشورى، فهو شأن عام يخص الفنانين والمبدعين والكتاب والمثقفين بشكل خاص. وينبغي أن تكون التوصيات والقرارات بشأنه حاصل تفاعل وسجال ثقافي مجتمعي خلاق يشمل النخب الفكرية والفنية، ويسهم فيه الجميع، لا أن يقتصر ذلك على الأروقة الضيقة والمغلقة.

 

النقطة الثانية، هي أن الحديث عن خصوصية المملكة، ووجود الحرمين الشريفين فيها، قد استخدم في الماضي، ولا يزال، كسوط قاس يقمع النداءات التي تطالب بالتجديد وبالانخراط في العصر، والتفاعل مع إنجازاته وإبداعاته. وقد حملت ذرائع الحفاظ على الخصوصية دعوات مباشرة للانكفاء والانغلاق، واستخدمت في حالات كثيرة، كدعوات للجمود والتكلس، تحت ذريعة أنه “ليس بالإمكان أبدع مما كان”. في حين أن هذه الخصوصية ذاتها ينبغي أن تكون محرضا قويا لكي نأخذ المكان اللائق بين الأمم، كما فعل أجدادنا من قبل، حين انفتحوا على عطاء الإنسانية وإبداعاتها، ونقلوا علوم الأولين، وترجموا فلسفة اليونان، ونبغوا في الكيمياء والفيزياء والطب، والفلك، والفنون المعمارية، وأسسوا علم الجبر. وكان ذلك الانفتاح عامل تخصيب وإثراء لثقافة العرب والمسلمين، ساهم بشكل كبير في نشر عقيدة التوحيد، بصورة قل أن يوجد لها نظير في التاريخ الإنساني. وما زالت آثاره باقية حتى يومنا هذا.

 

لقد واجهنا من قبل حالات كثيرة، من دعوات التردد والإنكفاء، عند قرار فتح المدارس للفتيات، وعندما فتحت كليات الطب لهن، وعندما أتيح لبناتنا العمل في الوظائف الحكومية والمصارف الأهلية. وعند كل محطة نحاول فيها الاقتحام، مستمدين القوة من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، لتحقيق التماهي الأصيل والواعي مع روح العصر، كان الصوت المحافظ يعلو، محاولا شدنا بأغلاله إلى الخلف، وكانت إرادة التطور هي التي تنتصر في النهاية، وتتقدم بقوة وثبات.. مجسدة إنسانية الإنسان، وعشقه للعمل والحياة. وكان لهذا الانتصار الفضل في أن مئات الألوف من النساء قد انخرطن في مختلف حقول العمل، وساهمن في نهضة الوطن وبنائه، وأن عوائلهن يعيشون الآن في وضع اقتصادي أفضل.

 

النقطة الثالثة، أن الموقف السلبي من المسرح والسينما، لم يمنع من تسلل الثقافة الهابطة لمجتمعاتنا. فثقافة الفيديو كليب، والأفلام والبرامج الرخيصة تجد أماكن واسعة، وقبولا كبيرا في المجتمعات العربية، ومن ضمنها المجتمع السعودي. ومع انتشار الفضائيات واتساع دائرة استخدام الشبكات العنقودية، أصبح من المتعذر علينا التصدي بفعالية لهذه الثقافة. وأصبح شبابنا عرضة لتيارات ومناخات، لا تساعد على شيوع روح المبادرة والعطاء وثقافة التسامح. ولا شك أن التصدي لهذا النوع من الثقافة هو مسؤولية وطنية وأخلاقية. ووضع المصدات والمكابح لها، لا يتأتى من خلال الانكفاء والانغلاق، بل من خلال المبادرات، واستبدال الثقافة الهابطة بأخرى قادرة على أن تخلق جيلا صحيحا، في مناخات صحية، يأتي في المقدمة منها استثمار ما يمكن للمسرح ودور السينما أن تقدمه في هذا الاتجاه.

 

في هذا السياق، يمكن أن نجادل بأن أنشطة المسرح والسينما لا يمكن أن تقارن من حيث خطورتها، وتأثيرها المباشر على أجيال المستقبل، بالقنوات الفضائية، بما فيها قنوات الأفلام الهابطة، والفيديو كليب. ففي الأخيرة، ليست لنا قدرة مباشرة على التحكم. أما بالنسبة للمسرح والسينما، فتأثيرنا في توجيهها واضح ومباشر. فهي أولا أنشطة تمارس بتوجيه منا. وزارة الإعلام، كما تفرض رقابة على المطبوعات غير اللائقة، بإمكانها أيضا أن تفرض سلوكا مشابها على الأفلام التي يعتقد بأنها تتعارض مع ثوابتنا وتقاليدنا. وكذلك الأمر نفسه يصدق على المسرحيات، نختار من النصوص ما نشاء، وما ينسجم مع ثوابتنا ويحرض على التقدم والرقي، ونرفض النصوص الرخيصة، التي لا تضيف لثقافتنا شيئا.

 

أنشطة السينما والمسرح، هي أيضا غير مفتوحة. إنها أنشطة تتم في وقت محدود، ولفترة معلومة. ففي المسرح، تعرض المسرحية، يوميا لفترة محددة، وتعرض مرة واحدة فقط في اليوم، ويستمر عرضها لزمن محدد، يرتبط في الغالب بمستوى إقبال الجمهور. وبالنسبة للسينما، فالعرض يتم في صالات معروفة, بمعنى سهولة إمكانية التوجيه والتحكم في كلا النشاطين، المسرحي والسينمائي. مثل هذا التحكم غير متيسر مع القنوات الفضائية، التي تحوي الغث والسمين، من البرامج والأفلام والأغاني، على مدى الأربع والعشرين ساعة باليوم الواحد. وللأسف فقد أصبح من المتاح لأطفالنا أن يعايشوا هذا الواقع، ويتكيفوا معه. يكفي أن يعبث الطفل بـ”الرموت كنترول” ليسوح في بحر ليس له حدود من القنوات الفضائية، التي أصبحت لكثرتها، لا يجدي معها مسح أو تشفير.

 

هذا الواقع بالذات، هو ما يستدعي منا القيام بهجوم معاكس، نحاول من خلاله أن نحقق توازنا، لصالح نشر ثقافة البناء والحفاظ على الذاكرة الجمعية، وعشق الوطن والدفاع عن ثوابته، وقيمه الدينية والأخلاقية. وهو ما يمكن تحقيقه من خلال المسرح والسينما. من يملك، مثلا، أن يعترض على مسرحيات الأستاذ الراحل على أحمد باكثير الإسلامية؟. ومن منا لم تحرك مشاعره مسرحيات الماغوط، في غربة وضيعة تشرين وكأسك يا وطن؟ والحال ذاته، ينطبق على أعمال، عميد المسرح العربي، الأستاذ توفيق الحكيم، كما ينطبق أيضا على الأعمال التي نفذها مسرح المرحوم نجيب الريحاني. وهناك العشرات من المسرحيات الهادفة، التي مثلت في عتبة عديد من المسارح العربية.

 

ولا يختلف الأمر، عند متابعة أداء دور السينما، فهذه الدور قدمت أعمالا درامية وتاريخية واجتماعية، مثلت التاريخ العربي في أبهى عنفوانه وتجلياته. وقدمت للمشاهد أعمالا درامية عن الغزوات التي قام بها المسلمون الأوائل في بدر وأحد والخندق، ومعركة الدفاع عن فلسطين في حطين، وعن مفكرين وعلماء عرب، ساهموا في نشر الحضارة العربية الإسلامية، وعن معارك التحرر الوطني من الاستعمار الأجنبي. وتعرض بعضها الآخر لقضايا الظلم والفساد، محرضا على المساواة بين البشر وتحقيق العدالة الاجتماعية، وعالجت أعمال أخرى قضايا ومشاكل اجتماعية جدية وملحة يعاني منها المجتمع العربي بأسره. وهذه الأعمال السينمائية لكثرتها، يصعب حصرها أو الحديث عنها في هذه العجالة.

 

تعميم الأعمال المسرحية والسينمائية الهادفة، يمثل هجوما معاكسا على السقوط الأخلاقي، والأعمال الهابطة التي تشهدها معظم القنوات الفضائية. وهو في هذا السياق، إذا جاز لنا أن نستخدم تعبير “الخصوصية السعودية”، يأتي متجانسا بالكامل مع الرغبة في التحريض على التمسك بالقيم والمبادئ الإسلامية، والحفاظ على الثوابت. وهو أيضا تشجيع على المبادرة والخلق والإبداع، ومعايشة لعصر كوني، يسحق بقوة وعنف كل النفايات والأوراق المتساقطة، ويتقدم بسرعة فائقة نحو الرقي والتقدم ولا يبقى في سباق حركته إلا ما ينفع الناس.

 

إنه خيار بين التكلس والحركة، وبين جمود النص والاجتهاد، وبين الأعمال الهابطة والأعمال الهادفة، وبين السكون والانطلاق، وبين أن نكون عبئا على الحضارة، أو ترسا فاعلا ومؤثرا في حركتها. إنه باختصار خيار بين الموت والحياة، وهو كما يقول شكسبير خيار بين أن نكون أو لا نكون… فماذا نختار؟!

 

cdabcd

 

yousifsite2020@gmail.com

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

واحد × 4 =


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

د.يوسف مكي